تطرح احتجاجات أكتوبر 2026 في ست دول أوروبية سؤالاً لم يعد ممكناً تجنب الإجابة عنه، وهو سؤال يتجاوز حدود الشارع الأوروبي ليمس جوهر الشرعية في النظم السياسية المعاصرة كافة. فإذا كانت الديمقراطية هي النظام الذي اختاره الأوروبيون، والشفافية هي المبدأ الذي طالبوا به، ومكافحة الفساد هي الوعد الذي قطعته أحزابهم، فلماذا يخرج نصف مليون فرنسي إلى الشارع، ويحرق ألبانيون مركز شرطة، ويخيم برتغاليون في الساحات، ويواجه إيطاليون الشرطة بالغاز المسيل للدموع؟ لكن هذا السؤال لا يمكن الإجابة عليه بمعزل عن سؤال أعمق وأكثر إلحاحاً: هل نجحت فكرة الديمقراطية التي تأصلت في أوروبا فعلاً؟ أم أنها نجحت في بعض المجالات وفشلت في أخرى؟ أم أنها تحولت في كثير من الأحيان إلى ستار يُستخدم لتبرير سياسات لا علاقة لها بالديمقراطية؟ وهل ينطبق هذا على العالم العربي أيضاً، حيث تحولت الديمقراطية إلى غطاء لمخططات تفتيت كبرى، كان تنظيم داعش أحد أخطر أدواتها، وكان مشروع التقسيم الإسرائيلي أحد أعمق جذورها؟
تبدأ الإجابة من حقيقة لا يمكن تجاوزها أن الديمقراطية الأوروبية نجحت في تحقيق إنجازات حقيقية. فقد أنهت قروناً من الحكم المطلق، وأقامت مؤسسات تمثيلية، وأرست سيادة القانون، وحمت الحريات الأساسية، وربطت بين الحرية والمساءلة. وبعد الحرب العالمية الثانية، تحولت أوروبا إلى نموذج للديمقراطية الاجتماعية، حيث ربطت بين الانتخابات الحرة وبين دولة الرفاه التي توفر الصحة والتعليم والسكن والضمان الاجتماعي. وفي هذه المرحلة، لم تكن الديمقراطية ستاراً، بل كانت واقعاً ملموساً في حياة المواطن الأوروبي، وقادرة على تقديم ما وعدت به: السلام بعد الحرب، والرخاء بعد الفقر، والحرية بعد الاستبداد.
لكن هذا النجاح لم يكن كاملاً ولا دائماً. فمنذ الثمانينيات، بدأ النموذج النيو-ليبرالي في التغلغل داخل الديمقراطيات الأوروبية، وبدأت الدولة الاجتماعية في التراجع، وبدأت الخصخصة في التوسع، وبدأت الفجوة بين الأغنياء والفقراء في الاتساع. وفي هذه المرحلة، تحولت الديمقراطية تدريجياً من أداة لتحسين حياة الناس إلى إطار شكلي تدار فيه السياسات الاقتصادية التي يفرضها السوق، بغض النظر عن إرادة الناخبين. وهنا بدأت الديمقراطية تتحول إلى ستار بنيوي: المؤسسات باقية، والانتخابات تُجرى، والبرلمانات تنعقد، لكن القرارات الاقتصادية الكبرى تُتخذ خارج هذه المؤسسات، في أسواق المال ومؤسسات التصنيف الائتماني والبنك المركزي الأوروبي. والمواطن يرى أنه ينتخب، لكنه لا يرى أثر صوته في قراراته اليومية.
ويتجلى هذا التحول بوضوح في الاحتجاجات الحالية. فالمواطن الفرنسي الذي يرى حكومته تلتزم بمعايير الشفافية، وتعلن برامج لمكافحة الفساد، ثم يجد إيجاره يرتفع ثلاث مرات وأجره الحقيقي يتراجع، لن يقنعه خطاب الشفافية بأن نظامه ديمقراطي. والمواطن الإيطالي الذي يرى رئيسة وزرائه تقول إن التظاهر حق، ثم يجد الشرطة تستخدم الغاز المسيل للدموع لتفريق المحتجين، لن يقتنع بأن الديمقراطية تعني شيئاً. والمواطن البرتغالي الذي يرى الإيجارات ترتفع إلى ثلاثة أمثالها في عشر سنوات، بينما تتراجع الأجور الحقيقية، لن يصدق أن صناديق الاقتراع قادرة على تغيير حياته. وهنا يبرز السؤال المركزي: هل فشلت الديمقراطية الأوروبية؟ والإجابة لا، لم تفشل كفكرة، لكنها فشلت كأداة. والدليل على ذلك أن المواطن الأوروبي لا يزال يؤمن بالديمقراطية كقيمة، لكنه فقد الثقة في المؤسسات التي تديرها، وهذا ما يفسر صعود الشعبوية كأزمة تمثيل لا كرفض للديمقراطية.
وتكشف بيانات مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 عن أن فرنسا سجلت 66 درجة، وإيطاليا 53، وإسبانيا 55، والبرتغال 56، وبلجيكا 69، وألبانيا 39، في مؤشر يعكس تراجع أداء عدد من الديمقراطيات الأوروبية الراسخة. والمتوسط الإقليمي للاتحاد الأوروبي بلغ 62، لكن 13 دولة شهدت تراجعاً منذ 2012، مقابل 7 دول فقط شهدت تحسناً. وهذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات، بل هي دلالات على أزمة بنيوية: ففرنسا وإسبانيا تراجعتا بمقدار 10 نقاط منذ 2012، وهو من أكبر الانحدارات في المنطقة، وإيطاليا اعترضت على تجريم إساءة استخدام المناصب العامة في توجيه الاتحاد الأوروبي لمكافحة الفساد، مما أضعف الإطار الأوروبي. والدلالة الأعمق أن المشكلة ليست في غياب المؤسسات، بل في تراجع إرادة الإصلاح داخلها، وهو ما يؤكد أن الديمقراطية الإجرائية، حين تنفصل عن العدالة، تنتج ستاراً لا يحمي المواطن.
وإذا انتقلنا إلى العالم العربي، فإن المقارنة تكشف عن فارق جوهري. ففي أوروبا، فشلت الديمقراطية كأداة، لكنها نجحت كفكرة، ولا يزال المواطن الأوروبي يؤمن بها. أما في العالم العربي، فقد استُخدمت الديمقراطية كستار من الخارج أولاً، ثم كستار من الداخل ثانياً، حتى فقد المواطن العربي ثقته في الديمقراطية كأداة وكفكرة في آن واحد. ويظهر هذا جلياً في العراق، حيث جاءت الديمقراطية بعد الاحتلال عام 2003 كستار يغطي المحاصصة الطائفية والفساد والتدخلات الخارجية. فقد فُكك الجيش العراقي، وحُلّت الدولة، وحلّت الميليشيات محل المؤسسات، وتحولت البلاد إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية. وفي هذا الفراغ، وُلد تنظيم داعش، الذي سرعان ما تحول إلى أداة لتفكيك ما تبقى من الدولة الوطنية، وإلى ذريعة لتدخلات خارجية جديدة تحت دعوى محاربته.
ويكشف ما جرى في العراق عن أنه لم يكن مجرد فشل في إدارة مرحلة انتقالية، بل كان حلقة في مخطط أكبر يهدف إلى تفتيت المنطقة إلى كيانات طائفية وعرقية متناحرة، وإضعاف جيوشها الوطنية، وإسقاط دولها المركزية، بما يضمن تفوق إسرائيل العسكري والاستراتيجي في الإقليم. فالمشروع الإسرائيلي في المنطقة لم يعد يعتمد على التدخل العسكري المباشر، بل على تفكيك الدولة الوطنية عبر دعم الميليشيات، وإضعاف الجيوش المركزية، وخلق قوى أمر واقع تعمل بالوكالة. وفي هذا الإطار، لم يكن داعش مجرد تنظيم إرهابي عابر، بل كان أداة وظيفية في هذا المخطط: فوجوده في العراق وسوريا أضعف الدولتين المركزيتين، وبرر التدخلات الخارجية، وخلق ذريعة لبقاء قوات أجنبية في المنطقة، وفتح الباب أمام إعادة رسم الحدود. وتكشف تحقيقات ميدانية عن ارتباطات معقدة بين عناصر من داعش في سيناء وعصابات تعمل مع إسرائيل، مثل عصابة ياسر أبو شباب، حيث قاتل عصام النباهين، أحد أبرز قادة هذه العصابة، إلى جانب داعش في سيناء ضد الجيش المصري، ثم عاد إلى غزة ليعمل مع عصابات تُتهم بالتعاون مع الاحتلال. كما تكشف تقارير عبرية عن أن أعضاء في مليشيا أبو شباب، التي اعترفت إسرائيل رسمياً بدعمها وتمويلها، لديهم باع طويل في العمل مع داعش. وهذا يعني أن إسرائيل لم تكن مجرد مراقب لداعش، بل كانت تتعامل معه كورقة تكتيكية يمكن استخدامها ضد خصومها، سواء كانوا جيوشاً عربية أو فصائل مقاومة.
وينتقل هذا المخطط إلى سوريا، حيث تبدأ الاحتجاجات في مارس 2011 بمطالب إصلاحية، ثم تتحول إلى حرب أهلية مفتوحة بعد أن تتدخل قوى إقليمية ودولية، وتتحول الميليشيات الطائفية إلى أداة لتفتيت الدولة السورية. وقد استُخدمت في سوريا كل أدوات التفتيت: تسليح الميليشيات، وفتح الحدود أمام المقاتلين الأجانب، وتقسيم البلاد إلى مناطق نفوذ، وإضعاف الجيش الوطني، وتفكيك مؤسسات الدولة. وفي خضم هذه الفوضى، يبرز داعش كقوة تسيطر على مساحات واسعة من سوريا والعراق، ويعلن ما سماه الخلافة، لكنه في الواقع كان أداة لتعميق التفتيت، وليس لبناء دولة. وتشير تقديرات أمنية إسرائيلية إلى أن داعش لم يغادر سوريا، بل غيّر أنماط عمله، وأن الفراغ السلطوي بعد انهيار نظام الأسد أتاح له إعادة التمركز في شرق سوريا والبادية، بل ومحاولة نقل نشاطه إلى جنوب سوريا قرب الجولان. وتؤكد تقارير أن جنوب سوريا يتحول إلى مثلث خطر، حيث يبني داعش بنية لوجستية قرب الحدود مع إسرائيل والأردن ولبنان. وهذا يعني أن داعش، بعد أن أدى وظيفته في تفتيت العراق وسوريا، يُعاد توظيفه الآن في مناطق جديدة، وكأنه أداة تُستخدم ثم تُدار حسب الحاجة.
ولا يختلف الوضع في لبنان كثيراً، فلبنان، الذي يعاني أصلاً من هشاشة بنيوية في نظامه السياسي الطائفي، يتعرض لضغوط متعددة: انهيار اقتصادي ومالي غير مسبوق، وانفجار مرفأ بيروت، وحرب إسرائيلية في 2024، وصراعات داخلية على النفوذ. وقد استُخدمت هذه الأزمات جميعاً لتعميق التفتيت اللبناني، وإضعاف الدولة اللبنانية، وجعل لبنان ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية. والنتيجة أن لبنان يتحول من دولة إلى فضاء مفتوح للفاعلين غير الدولانيين، ومن اقتصاد إلى شبكة مصالح طائفية، ومن جيش وطني إلى مؤسسة تعاني من أزمات وجودية. وهذا التفتيت اللبناني يخدم إسرائيل، لأنه يجعل لبنان غير قادر على أن يشكل تهديداً، ويجعله ساحة يمكن لإسرائيل أن تضرب فيها متى شاءت دون أن تتحمل تبعات سياسية كبيرة.
وتتحول ليبيا بدورها من ثورة إلى حرب أهلية وميليشيات، ومن دولة إلى حكومتين متنازعتين، ومن اقتصاد إلى ساحة نهب للميليشيات. وقد استُخدمت ليبيا كساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، بين قوى إقليمية تدعم هذا الطرف أو ذاك، وتحولت البلاد إلى دولة فاشلة على حدود أوروبا، تنتج الهجرة غير الشرعية، والإرهاب، وتجارة البشر. وهذا التفتيت الليبي يخدم إسرائيل بشكل غير مباشر، لأنه يضعف مصر على حدودها الغربية، ويشغل جيشها في تأمين الحدود، ويستنزف مواردها، ويقلل من قدرتها على لعب دور إقليمي فاعل. وتكشف بيانات مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 عن أن ليبيا وسوريا والسودان واليمن والصومال جاءت ضمن الدول الأكثر فساداً عالمياً، وأن متوسط الدول العربية بلغ 34 من 100، مقابل 42 كمتوسط عالمي، و39 لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. والدلالة أن الفساد في هذه الحالات ليس مجرد ظاهرة إدارية، بل هو نتاج مباشر لانهيار الدولة وانعدام المحاسبة وتداخل النزاعات، أي أنه الوجه الآخر لغياب الديمقراطية كأداة، وليس مجرد غياب للانتخابات.
ويتحول السودان إلى حرب أهلية مدمرة بعد انفجار الصراع في أبريل 2023 بين الجيش وقوات الدعم السريع، خلفت مئات الآلاف من القتلى، وملايين النازحين، ودماراً هائلاً في البنية التحتية. وقد استُخدم السودان كساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية، وتحول إلى دولة مفتتة، تتنازعها الميليشيات، وتتدخل فيها قوى إقليمية، وتتحول إلى قاعدة لتهريب السلاح والذهب، وإلى ساحة لصراع النفوذ بين قوى إقليمية ودولية. وتكشف الأرقام عن حجم الكارثة الاقتصادية: فقد تراجعت عائدات الذهب السوداني عبر القنوات الرسمية من 2.09 مليار دولار في 2021 إلى 909.57 ملايين دولار في 2025، بينما يُهرَّب ما بين 50% و80% من الإنتاج خارج القنوات الرسمية. ويقدر وزير المالية السوداني حجم الذهب المفقود بنحو 111 طناً بقيمة تتجاوز 18 مليار دولار سنوياً، في حين لم تتجاوز الإيرادات الرسمية 1.8 مليار دولار، أي أن نحو 90% من الإنتاج يقع تحت سيطرة شبكات التهريب. والدلالة أن هذه الأرقام ليست مجرد خسارة اقتصادية، بل هي مؤشر على أن الدولة فقدت سيطرتها على مواردها، وأن التفتيت لم يعد سياسياً فقط، بل أصبح اقتصادياً أيضاً، وهو ما يخدم إسرائيل لأنه يضعف مصر على حدودها الجنوبية، ويشغل جيشها في تأمين الحدود، ويستنزف مواردها، ويقلل من قدرتها على لعب دور إقليمي فاعل، خاصة في ملف سد النهضة الذي يشكل تهديداً وجودياً لمصر.
ويتحول اليمن من احتجاجات إلى نزاع مسلح وحصار ومجاعة، ومن دولة إلى ميليشيات متناحرة، ومن اقتصاد إلى اقتصاد حرب. وقد استُخدم اليمن كساحة لتصفية الحسابات الإقليمية بين إيران والسعودية، وتحول إلى دولة مفتتة، تتنازعها الميليشيات، وتتحول إلى قاعدة لتهديد الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، وإلى ساحة لصراع النفوذ. وهذا التفتيت اليمني يخدم إسرائيل، لأنه يهدد أمن السعودية ومصر، ويشغل جيوشهما، ويستنزف مواردهما، ويقلل من قدرتهما على لعب دور إقليمي فاعل، خاصة في القضية الفلسطينية.
ويكشف ما جرى في العراق وسوريا ولبنان وليبيا والسودان واليمن عن أنه ليس سلسلة من الأزمات المنفصلة، بل هو نمط واحد يتكرر: دولة مركزية قوية تتحول إلى دولة مفتتة، وجيش وطني يتحول إلى ميليشيات، ومجتمع مواطنة يتحول إلى مجتمع طائفية. وفي قلب هذا النمط، يظهر داعش كأداة وظيفية، تُستخدم لتعميق الفراغ، وتبرير التدخل، وإعادة رسم الخريطة. وقد أشارت تقارير إلى أن مشروع الشرق الأوسط الجديد، الذي أعلنته الولايات المتحدة عام 2006، كان يهدف إلى تغيير الأنظمة العربية وحدود العالم العربي، وأن ما جرى في 2011 كان تنفيذاً لمشروع الفوضى الخلاقة. كما أشارت تقارير أخرى إلى أن إسرائيل وأمريكا تعتمدان على مسارات عدة، منها إحداث الفوضى لتقسيم الدول، وتشكيل فزاعات أمنية مثل داعش لجمع تحالفات دولية لمواجهتها، والسيطرة على مناطق النفط والغاز والثروات. وهذا يعني أن داعش لم يكن مجرد تنظيم إرهابي، بل كان أداة في مخطط أوسع يستهدف تفتيت المنطقة وإضعاف دولها الوطنية لصالح إسرائيل.
وفي مصر، لم يكن ما جرى في 30 يونيو 2013 انقلاباً عسكرياً كما يحاول البعض تصويره، بل كان ثورة شعبية خالصة، خرج فيها ملايين المصريين إلى الشوارع والميادين دفاعاً عن وطنهم، ورفضاً لاختطاف الدولة المصرية والعبث بهويتها الحضارية والوطنية. فقد أدرك المصريون أن ما يجري ليس مجرد صراع سياسي بين جماعة وأخرى، بل محاولة لتفتيت الدولة وإضعاف جيشها وإعادة تشكيل المجتمع على أسس طائفية، بما يخدم مخططات خارجية تستهدف تقسيم الشرق الأوسط وإضعاف دوله الوطنية لصالح إسرائيل. والواقع أن جماعة الإخوان، التي وصلت إلى الحكم بعد 2011، لم تكن مجرد قوة سياسية ديمقراطية، بل كانت جزءاً من مشروع أوسع يسعى إلى تفكيك الدولة الوطنية وإحلال الولاءات ما دون الدولة محلها. وقد تجلى ذلك في محاولاتها تفكيك الجيش، وفي فتح الحدود أمام التدخلات الإقليمية، وفي محاولة إعادة تشكيل المجتمع على أسس طائفية، وفي إدارة الدولة بمنطق الجماعة لا بمنطق المواطنة. وفي هذه اللحظة، كان تدخل المؤسسة العسكرية ضرورة وجودية لحماية مصر من التمزق، وليس صراعاً على السلطة. فالجيش المصري، الذي هو عمود الدولة المصرية، تحرك لحماية وحدة البلاد من مخطط كان يستهدف تفتيتها، عبر إسقاط مؤسساتها الوطنية وإحلال ولاءات ما دون الدولة محلها. وقد أثبتت الأحداث صحة الاختيار الذي اتخذه المصريون، إذ نجحت الدولة في تجاوز تحديات جسيمة، وخاضت معارك متزامنة ضد الإرهاب والفوضى والتحديات الاقتصادية والإقليمية، بينما كانت تشيد مشروعات قومية عملاقة، وتطور البنية الأساسية، وتنفذ برامج تنموية شاملة أعادت رسم خريطة التنمية في مختلف المحافظات.
ويكشف الفرق الجوهري بين مصر وبين العراق وليبيا وسوريا والسودان واليمن عن أن الدول التي انزلقت إلى الفوضى والتفتيت بعد إسقاط أنظمتها، لم تستطع استعادة دولتها، بينما استطاعت مصر أن تستعيد الدولة وأن تعيد بناء مؤسساتها، لأن جيشها لم يكن جزءاً من النظام القديم، بل كان عمود الدولة الوطنية الذي يحمي وحدة البلاد. وهذا الفرق هو ما يجعل مصر اليوم دولة قادرة على مواجهة التحديات الإقليمية، بينما لا تزال دول أخرى تبحث عن دولة.
إذن لماذا فشلت التحولات في بعض الدول العربية، ونجحت مصر في استعادة الدولة؟ والإجابة لا تكمن في ثقافة العرب أو دينهم، كما يحاول بعض المحللين الترويج له. الإجابة تكمن في أن الديمقراطية التي طالب بها الناس في 2011 كانت تُفهم على أنها نتائج، لا إجراءات. فقد أظهرت دراسات البارومتر العربي أن مواطني منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يربطون الديمقراطية أكثر بالكرامة والمساواة والنتائج الملموسة، مثل الأمان والعدالة الاقتصادية، وليس بالانتخابات وحدها. وفي سبع من ثماني دول شملها الاستطلاع، كانت السمات التي تتصدر قائمة الديمقراطية هي نفسها التي تتصدر قائمة الكرامة، مما يعني أن المواطنين لا يميزون بين المفهومين بشكل ذي دلالة. والانتخابات تأتي باستمرار في أسفل القائمة. وتكشف بيانات البارومتر العربي أن 71% من العرب يرون أن الديمقراطية هي النظام الأفضل، و68% يعتقدون أنها تتفوق على أي بديل، لكن الثقة في المؤسسات انهارت، إذ يثق 24% فقط في البرلمانات و6% فقط في الأحزاب السياسية، و84% يعتقدون أن الفساد منتشر في مؤسسات الدولة، و67% يقولون إن الديمقراطية تناسب بلادهم فقط إذا ضمنت الأمن. والدلالة أن المشكلة ليست في القيمة، بل في الأداة: العرب يريدون الديمقراطية، لكنهم لا يثقون في مؤسساتها، وهذا هو جوهر أزمة الشرعية التي تتحدث عنها أدبيات التحول الديمقراطي. وهذا يعني أن الربيع العربي لم يفشل لأن العرب لا يريدون الديمقراطية، بل لأن الديمقراطية التي وُعدوا بها لم تكن قادرة على تقديم الخبز والكرامة. وفي مصر، أدرك المصريون أن الديمقراطية التي جاءت بها جماعة لها ولاءات خارجية، وتريد تفكيك الجيش وإعادة تشكيل المجتمع على أسس طائفية، ليست ديمقراطية، بل غطاء لمخطط تفتيت. فخرجوا في 30 يونيو ليقولوا كلمتهم: نريد دولة تحمينا، لا جماعة تحكمنا.
ويتكرر النمط نفسه اليوم في إيران، فقد صرّح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في فبراير 2026 بأن تغيير النظام في إيران هو أفضل ما يمكن أن يحدث، وربط بين الضغط العسكري والضغط السياسي لتغيير بنية الحكم في طهران. وهذه المرة، لا يُطرح التغيير باسم نشر الديمقراطية كما كان الحال في العراق، بل باسم منع إيران من امتلاك سلاح نووي وحماية الحلفاء. لكن الآلية هي نفسها: ضغط عسكري من الخارج، وتوقع أن يؤدي إلى تغيير سياسي من الداخل، ثم إعادة تشكيل النظام السياسي وفق نموذج لا يأخذ في الاعتبار تعقيدات المجتمع الإيراني وتاريخه. والسؤال: هل سينتج تغيير النظام في إيران ديمقراطية، أم فوضى وطائفية وتفتيتاً، كما حدث في العراق وسوريا؟ التجربة تقول إن الديمقراطية التي تُفرض من الخارج، أو التي تُختزل في إسقاط نظام دون بناء مؤسسات، تنتج فراغاً، والفراغ تملؤه القوى الأكثر تنظيماً، وليس الأكثر ديمقراطية. وإذا كان المخطط الأكبر يستهدف تفتيت المنطقة لصالح إسرائيل، فإن إيران نفسها قد تكون الحلقة الأخيرة في هذا المخطط، حيث يتحول تفتيتها إلى فرصة لإعادة رسم الخليج والمنطقة بأكملها وفق موازين قوى جديدة تخدم إسرائيل.
وإذا كان هذا هو مسار الديمقراطية حين تُفرض من الخارج، فما بال الديمقراطية التي تُبنى من الداخل، في دول لها تاريخ طويل في الشفافية والمؤسسات، ثم تجد نفسها عاجزة عن تلبية أبسط مطالب مواطنيها؟ فما يجري في فرنسا وإيطاليا والبرتغال وبلجيكا وألبانيا وإسبانيا ليس مجرد أزمة معيشة، بل هو أزمة في قدرة الديمقراطية الإجرائية على تحويل الشفافية ومكافحة الفساد إلى خبز وسكن وخدمات. والمواطن الأوروبي الذي يرى حكومته تلتزم بمعايير الشفافية، وتعلن برامج لمكافحة الفساد، ثم يجد إيجاره يرتفع ثلاث مرات وأجره الحقيقي يتراجع، لن يقنعه خطاب الشفافية بأن نظامه ديمقراطي.
ويزيد من إلحاح هذه الأسئلة أن الأزمة الأوروبية ليست عزلة عن العالم، بل هي جزء من أزمة عالمية في النموذج الاقتصادي القائم على التقشف والخصخصة وتقليص الدولة الاجتماعية. ويشير إيان شابيرو في كتابه ما بعد السقوط إلى أن اللحظة المحورية لأزمة الديمقراطية الراهنة ليست 1989، بل 2008، حين انكشف فساد النظام النيو-ليبرالي، وظهرت شعبوية اليمين واليسار المنافية لليبرالية. ويضيف داورون أسيموجلو في ماذا حدث للديمقراطية الليبرالية؟ أن أزمة الديمقراطية الليبرالية تعود إلى تخلي الجناح التقدمي عن الطبقة العاملة، واستبدال الخطاب الطبقي بخطاب الهوية، مما دفع العمال إلى أحضان الشعبوية. وفي هذا السياق، فإن احتجاجات أكتوبر 2026 في أوروبا ليست مجرد أزمة معيشة، بل هي أزمة شرعية للنموذج الديمقراطي الأوروبي ذاته، في وقت تتكشف فيه مخططات التفتيت الإقليمي التي تخدم مشروع الصهيونية، والتي تهدف إلى إبقاء المنطقة مجزأة وضعيفة، غير قادرة على مواجهة أي تحدٍ جماعي.
وفي المحصلة، يكشف الخط الذي يربط العراق 2003 بالربيع العربي 2011 بثورة 30 يونيو 2013 باحتجاجات أوروبا 2026 بتهديد تغيير النظام في إيران 2026 عن أن الديمقراطية ليست حدثاً يمكن فرضه أو استيراده أو اختزاله في لحظة انتخابية. إنها مسار طويل من بناء المؤسسات، ومن محاسبة السلطة، ومن ربط الحرية بالعدالة. ومصر، التي اختارت في 30 يونيو أن تستعيد دولتها، قدمت نموذجاً مختلفاً: نموذج الدولة الوطنية التي تحميها مؤسساتها وجيشها وشعبها، لا نموذج الدولة التي تُسقطها الجماعات الراديكالية أو تُفككها التدخلات الخارجية. وأوروبا التي تتحدث اليوم عن الديمقراطية والشفافية ومكافحة الفساد، وهي نفسها التي وعدت الشرق الأوسط بها بعد 2003، تقف الآن أمام اختبار حقيقي: هل تستطيع أن تثبت أن هذه القيم أدوات عملية لتحسين حياة الناس، لا شعارات تُصدَّر للخارج وتُنسى في الداخل؟ والإجابة على هذا السؤال ستحدد ليس فقط مستقبل الحكومات الأوروبية، بل مستقبل فكرة الديمقراطية ذاتها، في وقت يبدو فيه العالم أكثر استعداداً لتغيير الأنظمة من الخارج مما هو مستعد لبناء العدالة من الداخل، وأكثر استعداداً لتفتيت الدول مما هو مستعد لحمايتها من مخططات التقسيم.




