إقتصادالاحدث

الانتقال الجديد لجغرافية القوة التكنو – الاقتصادية | كتب د. محي الدين الشحيمي

للاشتراك بالنشرة البريدية اضغط هنا

من الصعب المبالغة في تقدير التغييرات التي أحدثها صعود الاقتصاد الصيني فهذا واقعي ، فعلى مدار العقدين الماضيين شهد العالم تحولًا تاريخيًا في الوزن الاقتصادي النسبي – من الاقتصادات الرئيسية الراسخة لمجموعة السبع إلى بقية العالم، وبشكل خاص تلك الاقتصادات الناشئة والصاعدة في آسيا، فقد بلغ اجمالي الناتج المحلي للصين والهند في العام 2001 حوالي 8% من اجمالي الناتج المحلي لدول مجموعة السبع وهذا استنادًا إلى الاحصاءات البيانية لصندوق النقد الدولي، وبحلول عام 2021 وصلت هذه الحصة إلى 47٪ . فهذا التطور وان كان يدل على شئ فهو يؤكد الى التوسع الهائل في القوة الاقتصادية الصينية والهندية، بغض النظر من الفوارق الاختلافية الكبيرة في الأسعار المحلية مقارنة بتلك الموجودة في الاقتصادات الغربية، عند تصحيح هذه الاختلافات باستخدام بيانات الناتج المحلي الإجمالي في تعادل القوة الشرائية .

بعد الفترة من النمو الاقتصادي السريع لكل من الصين والهند، انعكس هذا الارتفاع بالزيادة النسبية للناتج المحلي الإجمالي للبلدين إلى مجموعة السبعة من 27٪ في عام 2001 إلى حوالي 83٪ بحلول عام 2021، ويساهم ذلك على استمرار في التقلص في السنوات القادمة للفجوة الاقتصادية الصاعدة لهذه القوة في آسيا ومجموعة السبع، بازدهار متزامن مع تحولات كبيرة في تدفقات التجارة الدولية.

تضخمت حصة الصين من الصادرات السلع العالمية من 4.7٪ في عام 2001 وهو حينها (أقل بقليل من حصة فرنسا) إلى 14.7٪ بحلول عام 2020 متقدمة بفارق كبيرعن ثاني أكبر مصدر عالمي أي الولايات المتحدة والتي بلغت حصتها 8.1٪.، وهذا من خلال احصائيات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية .كما تحركت الاقتصادات الناشئة الرئيسية في سلسلة القيمة، من خلال إنتاج وتصدير السلع والخدمات ذات التطور التكنولوجي المتزايد، بتقدمها في نفس الوقت في المؤشرات الرئيسية في العلوم والتكنولوجيا والابتكار.

في العام 2019 تجاوزت الصين الولايات المتحدة باعتبارها المصدر الأول لطلبات البراءات الدولية المودعة لدى المنظمة العالمية للملكية الفكرية، وفيما يتعلق بالذكاء الاصطناعي تتقدم الصين على كل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وكذلك الأمر عندما يتعلق بمنشورات المجلات الأكاديمية والاستشهادات، لذا من الصعب تغييب هذه الاجراءات والتغاضي عن التغييرات التي أحدثها صعود الصين وهي ليست بمبالغة، وينبغي التعامل مع الموضوع بكل روية، فالعديد من الدول بما في ذلك الحلفاء التقليديون للولايات المتحدة، هم في شراكة تجارية مع الصين وأكثر من الولايات المتحدة، بتراكم اعتمادًي أكبر على الصين من حيث الواردات وسلاسل التوريد، حيث عمدوا وبشكل تدريجي على نقل بعض من القطاعات الرئيسية للنشاط الصناعي إلى الخارج.

المرونة والأمان لسلاسل التوريد

تدفع المخاوف بشأن إمدادات الطاقة والغذاء وعناصر التكنولوجيا الأساسية المزيد من البلدان إلى اتخاذ إجراءات جديدة وغير متعارف عليها من قبل، فقد أدت المخاوف الأمنية بشأن إمدادات الطاقة لا سيما فيما يتعلق بالنفط الخام والغاز الطبيعي إلى سلوك جيوسياسي عدائي لعقود، وهو بالأصل نشأ نتيجة لمخاوف بشأن الوصول إلى موارد المنبع، والمشاركة أو الاستبعاد من مشاريع البنية التحتية لنقل الطاقة فالوجود على مسرح اللعب العالمي أمر مهم .

قدم الغزو الروسي لأوكرانيا تذكيرًا آخر بمخاطر الاعتماد على واردات الطاقة وهشاشة لمسألة الأمن الطاقوي، وانعكس بدوره على الأمن الغذائي بحيث قد أصبح مصدر آخر للقلق الحيوي، فقد أدت الزيادات الحادة في أسعار المواد الغذائية في عامي 2007 و 2008، ومرة ​​أخرى في عامي 2011 و 2012 إلى حدوث صدمة عبر النظام الدولي، الأمر الذي ساهم في عدم الاستقرار في جميع أنحاء الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وأدى العدوان الروسي على أوكرانيا إلى ارتفاع أسعار الحبوب مدخلا الزعزعة والحالة اللاستقرارية لقلب أوروبا، وهي نتيجة لا مناص منها بالنظر إلى أهمية كلا البلدين في السوق الدولية، مما خلق مخاطر جديدة على الايكوسيستم الدولي، وأصبح التوزيع العالمي غير المتكافئ للأتربة النادرة الضرورية لتقنيات الإلكترونيات الدقيقة والاتصالات والبطاريات مسألة تثير قلق الحكومات والشركات المافوق القومية، كذلك في موازاة ذلك سلط السباق التكنولوجي بين القوى العظمى الضوء على الأهمية والموقع الجغرافي لأكبر منتجي أشباه الموصلات في العالم، بالإضافة إلى القضايا المتعلقة بالتقنيات، وبترجمة البيانات وسيادتها والحوسبات وصولا للمفهوم الجديد للسيادة، وهي القائمة على مبدئية الدمج الشامل بالذكاء الاصطناعي، للواقع الافتراضي أي الجيوبوليتيك الذكي .

هذا وكشف جائحة الكورونا عن في قصور العديد من الدول وبنقص صارخ لقدرات التصنيع المحلية في العديد من الدول العالم وافتقادها لمبدأ الاكنفاء الذاتي وحتى بالنسبة للعناصر البسيطة نسبيًا، مع توجه متعدد المرامي للعقود، للتحرك بانتظام نحو سلاسل التوريد الأطول والأكثر تنوعًا دوليًا، لأنها تشكل الضمانة بوجود حالة الركود التضخم والانهيار لقيمة العملات، والتي كانت مدفوعة بالبحث عن التكلفة الكفاءات في سوق عالمي آخذ في الاتساع بتحولها إلى تشعبات خطيرة، بتراجع جزئي لصالح سلاسل التوريد الأقصر والأبسط مع تعرض أقل للدول التي قد تكون متورطة في صراعات أو قد تتعرض للعقوبات، من أولويات السياسة الناشئة وكما هو الحال بالنسبة لتطوير قدرات صناعية محلية أكبر وإعادة تشكيل الإنتاج المهم، وذلك لتعزيز المرونة في مواجهة اضطرابات الإمداد، ولا يعني هذا الاتجاه انعكاسًا كاملًا أو حتى خسارة للاستثمارات والتي تمت في العقود الأخيرة، بحيث يظل المبدأ المتحكم بنظم العلاقات بين معظم الدول عبر النظام الدولي تعاوني ويقوم على التبادل المفيد للطرفين لصالح مصالحهم، مع ذلك اتسعت أفق الصناعات والسلع التي تعتبرها الدول استراتيجية، وأصبحت جوهر الجهود الناشئة لزيادة المرونة، ونمت العلاقات الثنائية بين الدول الخاضعة للقيود الأمنية من حيث العدد، وربما تتوسع أكثر في حالة حدوث صراعات كبرى أخرى.

د. محي الدين الشحيمي، استاذ في كلية باريس للأعمال والدراسات العليا

الدكتور محي الدين محمود الشحيمي، دكتوراه في القانون جامعة باريس اساس في فرنسا. عضو لجنة التحكيم في مدرسة البوليتكنيك في باريس. محاضر في كلية باريس للاعمال والدراسات العليا واستاذ زائر في جامعات ( باريس 2 _ اسطنبول _ فيينا ). خبير دستوري في المنظمة العربية للقانون الدستوري مستشار قانوني واستراتيجي للعديد من الشركات الاستشارية الكبرى والمؤسسات الحكومية الفرنسية كاتب معتمد في مجلة اسواق العرب ومجلة البيان والاقتصاد والاعمال ومجلة الامن وموقع الكلمة اونلاين . رئيس الهيئة التحكيمية للدراسات في منصة الملف الاستراتيجي وخبير معتمد في القانون لدى فرانس 24

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى