الذهب بين الصعود والتصحيح حوار مع البرفسور بسام همدر، أستاذ الاقتصاد وعميد كلية إدارة الأعمال في جامعة المعارف
نستضيف اليوم الدكتور بسام همدر، البروفيسور وعميد كلية إدارة الأعمال في جامعة المعارف، أحد أبرز الأصوات الاقتصادية التحليلية في المنطقة، والمتخصص في قراءة الأسواق المالية العالمية وفهم تحولاتها الهيكلية. يجمع الدكتور همدر بين العمق الأكاديمي والمعرفة الميدانية بحركة رأس المال الدولي، مما يجعل قراءاته للمشهد الاقتصادي العالمي متميزة ومبنية على أسس علمية رصينة. في هذا الحوار، نضعه أمام السؤال الذي يشغل بال الملايين من المستثمرين والمدخرين حول العالم: إلى أين تتجه أسعار الذهب؟

س: بروفسور بسام، لنبدأ من البداية — ما الإطار الصحيح لفهم حركة أسعار الذهب اليوم؟*
ج: أسعار الذهب ليست رقماً معزولاً يتحرك في فراغ. هي محصلة لتفاعل معقد بين السياسات النقدية للبنوك المركزية، وحركة السيولة العالمية، والأزمات الجيوسياسية. لذلك، الإجابة الصحيحة على سؤال “أين يتجه الذهب؟” تبدأ بتفكيك هذه المعطيات كلها بدقة، لا بالاعتماد على الانطباعات أو الضجيج الإعلامي.
س: كيف تقرأون سلوك المؤسسات المالية الكبرى تجاه الذهب حالياً؟*
ج: المؤسسات الكبرى كجي بي مورغان وغولدمان ساكس هي بوصلة حقيقية للمستثمرين. هذه المؤسسات تضع سيناريوهات متعددة تأخذ بعين الاعتبار كل الاحتمالات الاقتصادية والجيوسياسية. ومراقبة سلوكها الاستثماري الفعلي — لا ما تصرح به فحسب — تتيح للمحلل الجاد استشراف الخطوات القادمة. والملاحظ أن هذه المؤسسات ذاتها تشير اليوم إلى أن الذهب قد يتخطى الستة والسبعة آلاف دولار.
س: ما هو السيناريو الإيجابي أو الصعودي للذهب كما تراه المؤسسات المالية العالمية؟*
ج: السيناريو الصعودي يرتكز على أربعة محاور متشابكة:
أولاً، البنوك المركزية لم تتوقف عن شراء الذهب بكميات كبيرة، ولا يوجد أي مؤشر على أنها ستتوقف.
ثانياً، التخلي التدريجي عن الدولار، وهو توجه تغذيه حادثة تجميد الأصول الروسية وفرض العقوبات على أكثر من مئة دولة في العالم. حين تفعل أمريكا ذلك، فهي عملياً تدفع هذه الدول دفعاً نحو البحث عن ملاذ مستقل وهو الذهب.
ثالثاً، التضخم العالمي المرتفع وارتفاع أسعار الطاقة يضعفان القوة الشرائية للعملات ويعززان جاذبية المعدن الأصفر تاريخياً.
رابعاً، المخاطر الجيوسياسية المتصاعدة من الحرب في أوكرانيا إلى الملف الإيراني وصولاً إلى الفوضى التجارية التي أشعلتها سياسات ترامب الجمركية — كل هذا يدفع المستثمرين نحو الملاذات الآمنة.
س: وماذا عن الموقف المغاير — هل هناك من يرى أن الذهب سيتراجع؟
ج: نعم، والبنك الدولي تحديداً يتبنى نظرة أكثر تحفظاً، إذ يرجح أن تستقر الأونصة عند حدود 3200 دولار. والمنطق الذي يستند إليه هو أن أسعار الفائدة الأمريكية المرتفعة تجذب السيولة نحو أدوات الدين العام بعيداً عن الذهب. السندات الأمريكية تمنح اليوم عوائد بين 4.5% و5% بحسب الآجال، وهي عوائد مغرية لمن يبحث عن تدفق نقدي دوري مضمون، وهو ما لا يقدمه الذهب.
س: إذن ما هي السيناريوهات الثلاثة المحتملة لحركة الأسعار؟
ج: يمكن تلخيصها على النحو التالي:
السيناريو الأول — التباطؤ الاقتصادي: إذا خفض الاحتياطي الفيدرالي الفائدة مع استمرار التباطؤ دون ركود حاد، نتوقع ارتفاعاً بين 5% و15% على المدى المتوسط.
السيناريو الثاني — الركود والتوترات الجيوسياسية: هذا هو السيناريو الأكثر دعماً للذهب. إذا دخل العالم في ركود حاد بالتزامن مع استمرار الأزمات، فإن الذهب يتلقى دعماً استثنائياً كملاذ آمن، والارتفاع قد يتراوح بين 15% و30%.
السيناريو الثالث — النمو الاقتصادي القوي: هذا هو السيناريو الأضعف احتمالاً وفق تقديرات صندوق النقد والبنك الدولي. لكن إذا حدث نمو عالمي قوي غير متوقع، فقد يتراجع الذهب بين 5% و20% لأن المستثمرين يتوجهون نحو أصول المخاطرة.
س: ما الذي تقوله أرقام الاقتصاد الأمريكي تحديداً عن المسار المرجح؟
ج: الأرقام واضحة جداً وتشير إلى بيئة صعبة: التضخم عند 4% فيما الهدف لا يتجاوز 2%، والبطالة وصلت إلى 4.3%، والدين الحكومي تجاوز 39 تريليون دولار أي ما يعادل 123% من الناتج المحلي الإجمالي. إذا أردت ترجمة هذا الرقم للمواطن الأمريكي العادي، فهذا يعني أن كل عائلة أمريكية تتحمل بالحساب 288 ألف دولار من هذا الدين. مع عجز تجاري تجاوز 1.2 تريليون دولار، والنمو الاقتصادي المتوقع لن يتعدى 2%. هذه ليست بيئة نمو قوي، هذه بيئة تصب في مصلحة الذهب.
س: الصين تمتلك 3.5 تريليون دولار كاحتياطيات. هل يمكنها أن تضرب الدولار؟*
ج: لا، ولن تفعل ذلك، وهي تعلم ذلك جيداً. إذا دمرت الصين الدولار فجأة فهي تدمر أصولها هي أولاً. علاوة على ذلك، سيرتفع اليوان بشكل حاد وتفقد صادراتها ميزتها التنافسية، وهذا يعني تراجع النمو الذي تعتمد عليه كلياً باعتبارها اقتصاد تصدير. والأمر ذاته ينطبق على اليابان التي تمتلك 1.4 تريليون، وسويسرا بـ 900 مليار، والسعودية بـ 600 مليار وغيرها. انهيار الدولار المفاجئ لا يخدم أحداً. لكن التحول يجري بهدوء ورويداً رويداً، وهذا تحديداً ما تفعله الصين.
س: هل مبيعات روسيا من الذهب مقلقة؟
ج: إطلاقاً، وهذه نقطة مهمة. روسيا تبيع الذهب لا لأنها تتوقع انخفاض أسعاره، بل لأنها تحت ضغط هيكلي داخلي. العقوبات وتجميد الأصول وتكاليف الحرب دفعتها إلى تسييل نحو 10% من احتياطياتها البالغة 2330 طناً. هذه النسبة تعادل نحو 48 إلى 49 مليار دولار، وهو رقم لا يستطيع إحداث خلل جذري في سوق عالمي. التأثير مؤقت ومحدود، ولو كان الذهب فاقداً للقيمة لما لجأت إليه روسيا أصلاً لتسوية أزمتها — وهذا في حد ذاته دليل على قوة المعدن.
س: وماذا عن الطلب الهندي؟ قيل إن رئيس الوزراء طلب من المواطنين التوقف عن الشراء.
ج: نعم، وهذا السياق مهم. رئيس الوزراء الهندي طلب من المواطنين الامتناع عن شراء الذهب لأن استخدامه للدولار في هذه العملية يستنزف الاحتياطيات الأجنبية. لكن اتحاد تجار المجوهرات والصاغة في الهند أكد أن الاستجابة ضئيلة جداً، لأن الذهب في الثقافة الهندية ليس مجرد استثمار — هو عقيدة اجتماعية مرتبطة بالزواج والمهرجانات والمناسبات. لا يستطيع أي رئيس وزراء بكلمة أن يوقف هذا الطلب. وهذا يعني أن الهند ستبقى وسادة أمان للأسعار تمنع أي انهيار حاد.
س: ما الذي يفسر التراجعات المؤقتة التي يشهدها الذهب رغم كل هذه العوامل الداعمة؟
ج: التراجعات لها أسباب محددة وقابلة للتفسير. أولاً، حين تنخفض أسعار الأسهم بشكل حاد، تضطر المؤسسات الكبرى لتغطية ما يُعرف بـ”نداء الهامش” أي توفير سيولة فورية، فتبيع الذهب لأنه الأصل الأكثر سيولة. ثانياً، الأسر التي يضغط عليها التضخم تبيع مدخراتها من الذهب لتأمين متطلبات الحياة اليومية. ثالثاً، العوامل النفسية والإعلامية — حملات التشكيك في الذهب تخلق مخاوف عند غير المتخصصين فيبيعون بدافع الخوف. لكن كل هذا تصحيح طبيعي وصحي لا انهيار هيكلي. الشراء المؤسسي من البنوك المركزية مستمر وقوي. الذهب يصحح ولا ينهار.
س: كلمة أخيرة — ما خلاصة موقفكم من الذهب على المدى المتوسط والبعيد؟
ج: الصورة الكاملة واضحة لمن ينظر إليها بموضوعية. الاقتصاد العالمي يبلغ 107 إلى 110 تريليونات دولار، والدين العالمي الخاص والعام تجاوز 250 تريليوناً. العالم كله مدين — الأسر والحكومات على حد سواء. النمو بطيء والتضخم مرتفع وعدم الأمان الناجم عن الاستخدام السياسي للدولار الأمريكي دفع البنوك المركزية نحو تغيير هيكلي حقيقي لصالح الذهب، وهذا التوجه لن يتوقف. على المديين المتوسط والطويل، المؤشرات تصب كلها في خانة واحدة: الذهب لن ينخفض، بل العكس هو الأرجح.



