الجمعة 11 سبتمبر 2026 بيروت
النشرة البريدية
تحليل سياسي واقتصادي معمّق — بيروت
اشترك
11 سبتمبر 2026·بيروت النشرة
الملف الاستراتيجي
الأقسام النشرة
الأرشيف والخدمات
الرئيسيةإقتصاد
إقتصاد

كيف غيّر 11 أيلول أسواق المال دون مساءلة؟ | بقلم د. بيار الخوري

في الأسبوعين التاليين لأحداث 11 أيلول 2001، لم تكن الاستجابة الأميركية والدولية أمنية بحتة. فبينما تصاعدت العمليات العسكرية في أفغانستان تحت عنوان “الحرب على الإرهاب”، فتحت الإدارة الأميركية جبهة موازية أقل ظهوراً: قطع خطوط تمويل الشبكات المستهدفة عبر النظام المصرفي الدولي. وُلدت من هذه الجبهة الموازية التوصيات الثماني الخاصة لمجموعة العمل المالي، وقانون Patriot Act، خلال أسابيع قليلة من الحدث نفسه، كأداتين مكملتين للعمل العسكري لا بديلتين عنه.

هذا الأصل العسكري-الأمني للأداتين هو ما يفسر طابعهما الاستثنائي في البداية: تشريع طارئ لحرب معلنة، محدد الغاية، مرتبط زمنياً بلحظة محددة. غير أن الحرب العسكرية على الإرهاب، رغم امتدادها في العراق وأفغانستان لعقدين، انتهت في نهاية المطاف بانسحابات وتسويات ميدانية. أما جبهتها المالية الموازية فسلكت مساراً مختلفاً تماماً: بدل أن تنتهي بانتهاء المبرر الذي أنشأها، تحولت إلى نظام صلب يحكم اليوم شروط اندماج عشرات الاقتصادات في الشبكة المصرفية العالمية.

لم يبق أثر هذه اللحظة المؤسسة محصوراً بمعايير مجموعة العمل المالي وحدها. الآلية التقنية التي فرضتها قواعد “إعرف عميلك – KYC” أصبحت القناة ذاتها التي استُخدمت لتطبيق نظام العقوبات الأحادي الذي توسّع بشكل متسارع في العقدين التاليين، من قوائم الكيانات المصنّفة إرهابية إلى قوائم العقوبات الاقتصادية والسياسية الأوسع. أي مصرف مراسل يراجع اليوم معاملة عابرة للحدود يشغّل في الآن ذاته مصفاتين: معياراً جماعياً تضعه مجموعة العمل المالي، ومعياراً أحادياً تفرضه جهة سيادية واحدة عبر قوائمها الخاصة.

اندماج المصفاتين في قناة تقنية واحدة هو ما جعل الفصل بين مكافحة تمويل الإرهاب والعقوبات الجيوسياسية أمراً شكلياً أكثر منه فعلياً، إذ يكفي أن يُصنَّف كيان أو دولة ضمن أي من القائمتين ليواجه النتيجة العملية ذاتها: انقطاع القناة المصرفية الدولية.

هنا يكمن جوهر التحول: الحرب العسكرية كانت لها جغرافيا محددة وخصم محدد، أما الحرب المالية فاتسع نطاقها تدريجياً ليشمل أي اقتصاد تُقيَّم مؤسساته الرقابية دون معيار موحّد وضعته الدول ذاتها التي شنت الحرب الأصلية. Patriot Act، الذي صُمم لتشديد الرقابة الداخلية على تمويل شبكات محددة، أعاد تعريف مفهوم “إعرف عميلك” على مستوى النظام المصرفي الأميركي بأكمله، ثم صدّر هذا التعريف عبر قنوات المراسلة المصرفية إلى كل مصرف يريد الاحتفاظ بحساب مراسل في نيويورك أو لندن. العولمة المالية بعد 2001 أصبحت مشروطة بمعيار امتثال واحد، تحدده جهة واحدة، وتخضع مراجعته لمنطق أمني ولد من حرب معينة لا لمنطق اقتصادي عام.

توزيع الكلفة يكشف الفارق بين من صاغ الاستجابة ومن ورثها. الدول التي انطلقت منها الحرب على الإرهاب هي ذاتها التي تملك القدرة المؤسسية على استيعاب أعباء الامتثال الجديدة: أقسام قانونية متخصصة، أنظمة رقابة داخلية متطورة، وعلاقات مصرفية متعددة القنوات تمتص أي قرار انسحاب من طرف مراسل واحد. أما الاقتصادات التي لم تشارك في صياغة تلك الحرب أصلاً، فوجدت نفسها أمام معيار واحد لا بديل عنه، وأمام مصارف مراسلة تفضل غالباً قطع العلاقة كاملة على تحمل كلفة المراقبة الدقيقة لكل معاملة، فيما يُعرف في الأدبيات المصرفية بظاهرة “خفض المخاطر De-risking”.

النتيجة أن أداة صُممت أصلاً كجزء من حرب محددة الخصم والغاية تحولت إلى آلية تصنيف جماعي، تضع دولاً بأكملها ضمن فئات مخاطر موحدة استناداً إلى مؤشرات مؤسسية عامة، لا إلى أدلة تشغيلية دقيقة. القائمة الرمادية والقائمة السوداء لم تعودا أداتين لتتبع تمويل الإرهاب بمعناه الأصلي الذي بررهما عام 2001، بل أصبحتا معياراً عاماً للجدارة الائتمانية السيادية، يُستخدم لأغراض تتجاوز بكثير الحرب التي أنجبتهما.

خمسة وعشرون عاماً بعد تلك اللحظة المؤسسة، انتهت الحرب العسكرية التي أطلقت المسار بأكمله، بينما استمرت جبهتها المالية ونمت بمعزل عن المبرر الأصلي. هذا الانفصال بين نهاية الحدث المؤسس واستمرار الأداة التي ولدها هو ما يستحق التوقف عنده: متى تتحول أداة الحرب إلى بنية سلطة اقتصادية دائمة، ومن يقرر متى تنتهي مهمتها؟

mm
عن الكاتب د. بيار بولس الخوري ناشر الموقع يُعد الدكتور بيار بولس الخوري أكاديميًا رئيسيًا وباحثًا بارزًا يتمتع بخبرات واسعة في الاقتصاد السياسي وسياسات الاقتصاد الكلي وإدارة التعليم العالي. يشغل حاليًا منصب أمين سر الجمعية الاقتصادية اللبنانية ونائب رئيس مساعد لشؤون التدخل المجتمعي في الجامعة الاميركية للتكنولوجيا، وسبق له العمل كخبير اقتصادي في عدة بنوك مركزية عربية، كما تخصص في صناعة السياسات المالية بمعهد صندوق النقد الدولي في واشنطن العاصمة.​ تتنوع إسهاماته الأكاديمية والتقنية بصفته أستاذًا زائرًا لتكنولوجيا البلوك تشين بجامعة داياناندا ساغار في الهند ومستشارًا في الأكاديمية البحرية الدولية واستاذ الدكتوراه في عدة جامعات في الولايات المتحدة وكندا كما في جامعة بيروت العربية. ألّف الخوري أربعة كتب دولية حول تحولات اقتصاد التعليم العالي، ونشر أكثر من 40 بحثًا علميًا محكمًا، كما يعتبر مرجعًا في قضايا مبادرة الحزام والطريق وتداعياتها الجيوسياسية والاقتصادية في منطقة الشرق الأوسط. ​أسس الخوري منصات معرفية رائدة تشمل مركز السياسات والاستشراف المعرفي (مسام)، وموقع الملف الاستراتيجي، وموقع بيروت يا بيروت المخصص للمعرفة وأسواق العمل. كما أطلق بودكاست "حقيقة بكم دقيقة" لمناقشة القضايا الراهنة، وشارك في تأليف سلاسل بحثية هامة تناولت صراعات حوض المتوسط والتحولات السياسية في لبنان عام 2019. ​يظهر الخوري كصوت مؤثر في مئات المقابلات الإعلامية العربية والدولية، حيث يحلل أزمات الاقتصاد اللبناني والإقليمي، ويكتب مقالات رأي في صحف كبرى مثل النهار والعربي الجديد وأسواق العرب اللندنية. تتركز جهوده حول إصلاح السياسات الكلية ومكافحة الفساد، بالإضافة إلى تطوير التعليم العالي وربطه باحتياجات سوق العمل الحديثة كما يمتلك خبرة واسعة في فهم الجيل زد والتواصل الفعال معه. ​يمتلك الخوري خبرة تقنية رائدة في دمج تطبيقات البلوك تشين في قطاع الأعمال، وقدم تدريبات دولية متخصصة لوزارة الخارجية النيجيرية وشركات في وادي السيليكون في بانغالور. بالاضافة لمسيرة تمتد لثلاثين عامًا في التدريب مع مؤسسات كبرى كشركة نفط الكويت ومنظمة "أوابك". يجمع الخوري بين العمق الأكاديمي والاستشراف العملي كخبير اقتصادي موثوق في العالم العربي.
تبحث عن المزيد؟