اجتماع

المعرفة بين مواجهة الكورونا ووعي الذات كتب د. حاتم علامي

للاشتراك بالنشرة البريدية اضغط هنا

يوماً بعد يوم يتبلور إدراك العقل البشري لعمق التحولات الآيلة الى إعادة هندسة البراديغم المعرفي ، وهي هندسة تنبع من جوهر الطبيعة الإنسانية للتوغل في الظواهر ، استدراكاً ، استنباطاً لألغازها ، وتحليلها ومفهمتها ، في مسارات معقدة لا يمكن التيقن من نجاعتها بدون مواءمة فكرية نقدية عابرة لتجارب الإنسان مع الأوبئة والكوارث والتحديات ، في ظل سقوط الرهانات مرة بعد مرة على هذا السيناريو أو ذاك لنهايات وحتميات مزعومة . والعالم في كل حرب للبقاء يعيد بناء مناعته ، متحملاً ضريبة الإنتصار تبعاً للبنى المعرفية التي تتحرك بدينامية تعكس مخزون وماهيات الوعي الإنساني وتتحدى الفكر الجمعي عند خط الصدم الأول ، ومن ثم سياقات الفاعلية للنظام المعرفي العام .

نادراً ما كان الوعي المعرفي عرضة لاختبار سهام التجربة بهذه القسوة والعمق؛ فبعد عام ونيف على بدء الجائحة يمكن لشعار : “إعرف تنجُ ” ،أن يتربع في صدارة خط المواجهة بالنسبة الى الأفراد والمجتمعات .
يبدأ استكشاف المخارج المحتملة من خلال دينامية الحركة المعرفية وتشكيل الوعي بشأن التحولات المصيرية العميقة ، إلا أن هذه الدينامية تتحول الى بحث في معرفة المعرفة ، أي التعرف الى خواصنا المعرفية ، من حيث تعامل تعامل الفكر الإنساني مع التحديات الإشكالية بأسئلة من رحم المعرفة : 1- لماذا نحن في شتات معرفي . 2- أين نحن مع ما نحن عليه من معرفة . 3- ما الذي نعرفه حقاً . 4- نريد أن نستعيد ما نعتقد أننا نعرفه .5- أين هي معتقداتنا من مطلب المعرفة. 6- هناك أساس حقيقي لبقائنا في العالم ونحن أمام مراجعة لكل الأسئلة الخيارات .

فالبحث في المعرفة استكشاف لقدرة الفكر على معالجة المشاكل التي تتفاقم مع الهجوم الوبائي ، والبحث ينصب على تفاعل التفكير والمعرفيات والمخزون المعرفي ،وتوظيف المهارات والقدرات العقلية ورفع مستوى الوعي والذكاء للتعامل مع أخطر التداعيات على المصير الإنساني . والنظام المعرفي هو الآن أمام اختبار مصيري وهو رأس حربة ونقطة استقطاب لمهارات العلم والمعرفة وصوابية الموقف ، , لذلك فإن مواجهة الكورونا وانحسارها والقضاء عليها يتوقف على تفعيل المعرفة وتركيز لعنتها المتعددة الأبعاد والقدرات.
ومع غياب الوعي بالواقع من كل جوانبه ، ومع الإفتقار الى اليقين وصحة المعلومة ونزاهة المصدر وموثوقية القرار وسلطة القرار تحت مظلة التحريف تارة والتضليل الإيديولوجي تارة أخرى ، يصبح البحث في أحجية المواجهة تظهيراً لكل التنافر التاريخي بين الهوية والواقع ، ولإشكالية علاقة الأنا بالآخر، نصبح موقنين أكثر من أي وقت مضى أن أحجيات الكورونا وهوية الزلزال المعرفي هي توصيف أكثر وضوحا لمفهمة ” لعنة المعرفة ” في العصر الحديث.

من المؤكد ان مصطلحات مناعة القطيع ، والتباعد الإجتماعي وعدم المخالطة ، والعدوى ، والحجر ، والكمامة ، لن تمر مرور الكرام ؛ إذ أنها في حفريات عامين من صراع المصير على كل ، تصير جزء من مكوننا المعرفي : من حيث أن ميادين العلم والبحوث المخبرية ، والسياسة ، والإقتصاد والأخلاق والتكنولوجيا والعالمية ستغير نظرة الإنسان الى الوقائع وتعيد الإهتمام الى معان جديدة ؛ وهي معان تغير من خلاصات النظر الى مآل تحولات تزلزل المصير .

إلا أنه يمكن القول أن الحكم لا يزال للكمامة وهو شاهد على سباق بين التقاط انفاس فرصة النجاة وبين المخاوف من استمرار تفشي الوباء ،وربما تحوله الى نسخة مطورة اشد فتكا ؛ ولا بد من التمعن في حقيقة عدم التزام مجموعات كبيرة بإجراءات الوقاية من الكمامة الى التباعد ؛ وتستدعي هذه المسألة اهتماما خاصاً ، وقد استحقت دراسات وأبحاث لفهم اختلاف ردات الفعل ، التي تراوحت في الغالب بين جماعات لم تتأثر بمنطق التطور العلمي المعرفي ، فاقترن نفورها من الحياة وتنافرها المعرفي مع التشكيك بالمصادر المعرفية ، وبغاية هذه المصادر ؛ أما المجموعة الثانية فهي تلك التي تحمل لواء القدري الغيبي ، مع سلطة معرفية موازية ، فهي تتقاطع مع المسار المعرفي في بعض تجلياته ، وتسعى لتقويض السلطة المعرفية للعلم والوعي ، إحياءً لمنظومة معرفية خاصة بموروث جزءٍ مغلق من النص الديني أو بالخرافة والسرديات الخيالية ، وتشمل هذه المجموعات بعض فئات ممن لم تنجح رسالة محاكاتهم بتفعيل ميزتهم المعرفية السلوكية ، أو بعض رجال دين أربكوا في ترجمة نص غامض أو موعظة لم تجد طريقها بعد الى انسجام روحاني وسلوك عقلاني، الى جماعة من المهمشين ، والعبثيين ، الى فئات عمرية مختلفة يؤشر عدم التزامها الى عوامل تتراوح بين الشك بصحة المعلومات أو رفضها لفكرة الوقاية بالحجر والكمامة، واستهتاراً بالقرار وبالأجهزة القيمة على تطبيقه ؛ والقاسم المشترك هو غياب الثقة والتنافر وقصور بروتوكول الوعي .

بين هذه الحقيقة وتلك تتضرٌع البشرية الى السماء، وعينها على الفحوصات المخبرية، وتطلع الى التوسع بإعطاء اللقاح استنادا الى بروتوكولات اعتمدتها كل دولة حسب تقييمها وامكانياتها ؛ أو الصلاة لحصول اعجوبة تنسف جسور الانتشار الوبائي .
أمام المشهدية يستعيد الوجدان الانساني صورة المواجهة مع الاوبئة ، وفي ذكريات الصراع تتآلف رموز بروتوكول البقاء ، حيث البعض منها مدرك بالوعي او الإدراك الحسي او التبصر العقلي ، في حين يكتنف الغموض البعض الآخر ، وها هي الحرب الكونية مع الفيروس شاهد على لوحة العلاقة المشفرة لعلاقة الكائن البشري بالوجود عبر رمزية المعنى ،أقله منذ أسطورة الطوفان ، ورواية الشجرة المحرمة . والإنسان في إقراره بحتمية الموت لم يتمالك نفسه عن وضع سيناريوهات لزوال البشرية . الأمر الذي شكل مظلة للمماحكات النظرية في الفلسفة والعلوم إزاء الخلاصات المعرفية والتجريبة التي طبعت صراع الوجود الإنساني ؛ وهو صراع على الأرض بخلفية ميتافيزيقية . وفي لغز العلاقة بين الحياة والموت هيمنة للفكر التديني والإيديولوجي ، وبعض من نظريات تسووية في الميتافيزيقيا والانطولوجيا والإبيستمولوجيا . وما يكتنف الصيرورة مع معادلات قيد النقاش علاقة باحثة عن طمأنينة انسانية في الوجود وإسلامٌ للنفس الى خالق غفور رحيم . اللوحة الكورونية مرآة لملامح الصراع ؛ وهي إعادة كتابة لتواصلية المجد الإنساني , وعزة الظفر بمتاع الحياة ،مع إرباك في حقيقة النهايات .

تشكل القيادة المعرفية مع الإعصار الضارب بكل المسلمات مؤشراً لما بعد كورونا ، فالفكر الإنساني الذي استفاق منذ ما يزيد على عام من أقسى التجارب يواجه تحدي استعادة اعتبار بعد اختلال أولوياته في مقاليد الروح المجتمعية ، والأسس السياسية والإقتصادية للعقد الإجتماعي ، وتفشي حرب الهويات مع ضياع الهويات في مركزية الإستغلال المعولم بدلاً من مركزية الإنسان وروح الحرية والعدالة والمساواة ؛ وهو الى إعادة الإعتبار أمام قيامة شاملة تستفز أفكارنا المسبقة المترسخة في توازنات القرن العشرين . فالثابت أن عوامل الإنقلاب التي كانت تتموضع خلف متاهات اليقينيات والخرافات تتحفز لقفزة الى الوجود على جناح التكنولوجيا والثورة الرقمية التي تتكفل باعطاء هوية للنقلابات في نمط الحياة وانثروبولوجيا العلاقات الجديدة ، في ظل متغيرات على الصعد المعرفية ، وإيقاع المتغيرات السيكولوجية في عصاب الموت ورهاب الإغتراب .

والمعرفة في خضم المواجهة تجدد شخصيتها المتقادمة على مر التاريخ بين شمس تشرق ونار تحرق حسب المقولة الإغريقية ، وهي تواجه ذاتها تحت مسميات لعنة المعرفة أو المعرفة المحرمة ، وهي مواجهة تستنبط اتجاهاتها في الحقول المعرفية المتنوعة ، وفي كلٍ من أنواع المعرفة التأملية ، والحسية ، والعلمية . وقد ظهرت إشكاليات الوعي المعرفي وعقلنة الوعي بأبهى تجلياتها في معركة النجاة .

فمع أشرس هجمة فيروسية تخلخل في العمق عناصر الثقة والبداهة ينصرف العقل لينفض عنه تراكمات السرديات والخرافات واسقاطات الإيديولوجيا المتشبثة لعنة بتحدي المحاكاة المعرفية بين العارف والمعروف ، وثلاثية المرسل والموضوع والمتلقي ، في صيرورة موصوفة بأدلجة الرسالة تمويهاً وتحريفاً واستغلالاً ، أوقصوراً معرفياً وعجزاً تواصلياً ، حيث تتنوع الحال مابين السياسة والأكاديميا والقيادة والصحة ومجالات الحياة المختلفة ، ناهيك عن الضريبة الإنسانية في مجهول المعرفة المحرمة .

للمعرفة المحرمة في ميدان المعرفة نعمة ولعنة قوتها الخاصة ، فهي السؤال المتأصل في علاقة الإنسان الواعي لذاته وفي وعيه لكينونته ووعي الآخر الهو والنحن في حين ، فالإنسانية صنو المحرمات منذ شجرة آدم ، والإنسان في مواجهة محرمات بالجمع في ألغاز للدين ، وأسرار في التحكم والتأثير ، او محرمات في الآداب والسلوك كالجنس وأخواته ؛ كما أن الإنسان في عصور مختلفة أمام محرمات بالمفرق في أسرار الأمن ، والمصلحة العليا ، وبروتوكولات الصحة والعلوم والمختبرات والعلاقات البينية والإجتماعيات .
لذلك ووسط المعلومات التي تنهمر على الوعي كالمطر في عصر الإعلام والسوشال ميديا ترانا في حاجة متزايدة الى التفكير النقدي لفهم المعلومات التي تمدنا بها أحاسيسنا وغربلتها للوصول الى الصواب ، وستتوقف نتائج المرحلة المقبلة على المستوى المعرفي للتعامل مع عمق التحولات . إن هذا المستوى هو بمثابة بروتوكول تتداخل مكوناته في الأخلاق والأخلاق المعرفية ، وفي الثقافة ودور المثقف ، وفي مقاربة جديدة للقيم والمعنى ، حيث يتقدم ما أسميناهمقاربة جديدة للأخلاقي الديني في نظرة جديدة الى البعد الدينى للعودة الى البعد الإيماني أبعد من المؤسسة الدينية وعلاقة السياسي الديني ، وفي استعادة لإيجابيات الآداب الدينية والعلاقة بين الأديان . فمع المنعطف المعرفي الجديد يبدأ الإنتصار من الإنعتاق من خرافة ومسلمة وقناعة تثقل مسيرتنا لملاقاة التحول بعد التعامل الواعي مع سبل النجاة .

من كتاب : المعرفة بين النعمة واللعنة
عن الجامعة الحديثة للادارة والعلوم والدار العربية للعلوم ناشرون

hatemalamy.com

د. حاتم علامي، قيادي اكاديمي وكاتب لبناني

أكاديمي وباحث لبناني، يشغل مركز رئيس مجلس أمناء الجامعة الحديثة للادارة والعلوم في لبنان. له مؤلفات عدة منها لبنان الى أين مسارات لمنظومة تنموية، انتخابات لبنان ٢٠١٨، مستقبل التعليم العالي في لبنان، إصدار مكتب البحوث في الجامعة الحديثة للإدارة والعلوم وتوزيع الدار العربية للعلوم ناشرون. كما كتب أبحاث ودراسات نشرت في صحيفة النهار وصحيفة السفير. مشارك دائم في مؤتمرات محلية ودولية حول التعليم العالي. ومجلة دراسات عربية والفكر التقدمي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى