اجتماعالاحدث

تتغيّر السلاسل وتبقى العبودية | بقلم الأب ألبر حبيب عسّاف

لم يعد العالم اليوم بحاجة إلى أسواق العبيد، ولا إلى السلاسل الحديدية، ولا إلى التجّار الذين يقتادون البشر كالقطيع. لقد تطوّر الرقّ، تبدّلت أدواته، وتخفّى تحت مسمّيات براقة، لكنه لم يختفِ. إننا نعيش مرحلة جديدة من العبودية، أكثر خبثًا، لأنها تختبئ خلف واجهة الحداثة، والقانون، والإعلام، والتطور، والاقتصاد، وحتى خلف شعارات الحرية وباسم الانسانية.
لقد انقسم الكون، من حيث لا يريد الاعتراف، إلى فئتين واضحتين:
سادة جدد ينعمون بجاه الكذب، يتغذّون على رخاء الفساد، ويستمدّون سلطتهم من منظومات معقّدة تحمي امتيازاتهم وتبرّرها، ولو على حساب عظام الإنسان.
وبؤساء جدد، لا يحملون اسم “عبيد” رسميًا، لكن حياتهم تُدار تحت نير الحاجة، والجوع إلى كرامة تُصادَر كل يوم، والعطش إلى كوب رجاء لا يأتي.
الرِّقّ القديم كان واضحًا، مباشرًا، فاضحًا.
أمّا الرِّقّ الجديد فهو مموّه، قانونيّ، ناعمٌ في لغته، خشنٌ في نتائجه.
اليوم يُستعبد الإنسان بأدوات مختلفة: بالديون التي تحوّلت إلى سلاسل طويلة لا تُرى، وبالكذب الذي صار عنوان التواصل الهدام و وبالعمل غير اللائق الذي يسرق العمر دون أن يؤمّن الحدّ الأدنى من الحياة، وبالاستغلال الرقمي الذي يحوّل الأفراد إلى بيانات وسلع، وبالإعلام الذي يصنع الوعي الزائف، وبالسياسات التي تكرّس الفوارق وتحوّل الفقراء إلى مادة خام لاستمرار امتيازات الأقوياء.
إن العبودية الجديدة لا تسكن في السجون، بل في العقول المنهكة، والأجساد المتعبة، والحقوق المسلوبة، والظلم المنظم قانونا، وفي كل مكان يُقاس فيه الإنسان بقيمته الإنتاجية لا بكرامته.
ولذلك، نحن بحاجة إلى إعادة تعريف الحرية، وإلى وعي جديد يعترف بأن تحرير الإنسان اليوم يبدأ بفكّ القيود غير المرئية التي كبّلته: قيود الفقر، التجهيل، الاستغلال، واستعباد السلطة والآلة والمال والاستهلاك.
ليس هذا المقال إلا إشارة أولى إلى عمق الجراح الإنساني الذي نعيشه اليوم. فالرِّقّ لم يمت، بل غيّر اسمه وملامحه ووسائله. وما نعيشه هو عصر الأصفاد اللامرئية التي تطوّق الإنسان من حيث لا يدري، وتسلبه حريته قطرة بعد قطرة.
ومن هنا، أعدُ القارئ الكريم بأن تتلو هذه المقالة باقة دراسات تكشف وجوه الرقّ الجديد، وجهًا بعد وجه، وقيدًا بعد قيد:
الرِّقّ الاقتصادي الذي يحوّل الفقير إلى عامل بلا أفق، والأسرة إلى رهينة ديونٍ لا تنتهي. والرِّقّ الرقمي الذي يحوّل الإنسان إلى رقم، ومشاعره إلى بيانات، وحياته إلى سلعة تُباع وتُشترى. والرِّقّ السياسي الذي يستعبد العقول تحت شعارات الحرية والاستشراق، بينما يُبقي الشعوب أسيرة الهيمنة والولاءات. والرِّقّ عبر الهجرة حيث يتحوّل الإنسان إلى جسدٍ يُستغلّ، وحلمٍ يُباع للمجهولين. والرِّقّ الإعلامي الذي يشكّل وعيًا زائفًا ويصنع جماهير تُقاد ولا تقود. والرِّقّ النفسي والاجتماعي الذي يربط الإنسان بحبال الخوف، والوحدة، والاعتماد القهري، والبحث عن القبول بأي ثمن.
هذه السلسلة ليست تشخيصًا للواقع فحسب، بل صرخة رجاء: صرخةٌ تؤمن بأن تحرير الإنسان لا يزال ممكنًا، وأن الرسالة النبوية–الإنسانية–الإنجيلية لم تُطفأ بعد. فكرامة الإنسان ليست امتيازًا، بل حقٌّ سماوي لا يملكه أحد كي يصادره.
وللنور بقيّة.

الأب ألبر حبيب عسّاف

كاهن ماروني، حائز على بكالوريوس في الفلسفة وبكالوريوس في اللاهوت ودكتوراه في القانون الكنسي والمدني من جامعة اللاتران الحبرية في روما. شغل سابقًا مهامًا أكاديمية وقضائية وثقافية متعددة، منها التدريس في الجامعة اليسوعية في مواد قانون العمل وعلوم الأحياء الحيوي، والتدريس في الجامعة الأنطونية في مادة القانون الكنسي، كما تولّى منصب قاضٍ في المحاكم الكاثوليكية في لبنان. وهو مؤسس فرع الشوف لجامعة سيدة اللويزة، وعمل سابقًا في إذاعة الفاتيكان، إلى جانب خبراته الواسعة في الأعمال الرسولية والرعوية في أوروبا وعدد من البلدان العربية. ويتقن عدة لغات حديثة تشمل الألمانية والإنكليزية والفرنسية والإيطالية، إضافة إلى اللغات القديمة مثل السريانية واللاتينية واليونانية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى