اجتماع

ثلث طعام العالم يهدر سنويًا ويهدد ملياري شخص بإنعدام الأمن الغذائي بقلم الدكتور مازن مجوّز

مع إطلاق المنظمات العالمية صفارات الإنذار من مخاطر أزمة غذائية بدأتتجتاح العالم، تبدو الأدلة كثيرة على ذلك، ولن يكون آخرها التقارير التي كشفت عنها منظمة “الفاو “خلال شهر تشرين الأول/أوكتوبرالماضي، مؤكدة فيها أن هدر الطعام ونقص الإنتاج، من العوامل التي تهدد البشرية خلال السنوات القادمة، محذرة من تفاقم الأزمة، وداعية إلى السير بإستراتيجية واضحة بشأنها.

وتشير أرقام هذه التقارير إلى أن كمية الأغذية المهدورة تكفي لإطعام ملياري شخص،فكل 5 ثوانٍ يموت طفل على كوكب الأرض من الجوع، والسبب قد لا يكون الجوع بحد ذاته، فعلى الرغم من إرتفاع أعداد الجوعى في العالم إلى 820 مليون شخص خلال عام 2018 مقابل 811 مليون شخص خلال العام 2017 ، وفق ما كشف “التقريرالسنوي للأمم المتحدة لحالة الأمن الغذائي والتغذية في العالم” الصادر في 16 تموز/ يوليو 2019 ، تبدو “صناعة الأغذية” ضحية مفارقة وخيمة. ففيما الجوع العالمي آخذ بالإرتفاع، لا زلنا ننتج ما يكفي من الغذاء لتغذية كل شخص على هذا الكوكب، إلا أن ظاهرة “إهدار الطعام” تزداد، وباتت تشكل هاجسا لدى العديد من المؤسسات الدولية، خصوصا بعدما حققت سقف ” الثلث الضائع” وبرقم عالمي صادم هو 1,3 مليار طن من الغذاء يتم فقده أو إهداره سنويا، يقابله 2 مليار شخص يعانون من إنعدام الأمن الغذائي المعتدل أو الشديد أو ما يعادل(26.4٪) من إجمالي سكان العالم، معظمهم في بلدان منخفضة ومتوسطة الدخل، ويعكس هذا الرقم المفجع حقيقة “التحدي الهائل” أمام تحقيق هدف القضاء على الجوع، وهو من ضمن أهداف التنمية المستدامة بحلول عام 2030، بحسب التقرير ذاته.

في هذا السياق تقدر منظمة ” الفاو” بالتعاون مع الإيكونوميست أن العالم يهدر سنوياثلث ما ينتجه من الطعام، وتوضح في تقرير نشره موقع “اليوم السابع” الالكتروني المصري في 16 أوكتوبر 2018 أن المهدر والمفقود من الطعام يقدر بحوالي 680 مليار دولار فى الدول الصناعية و310 مليار دولار فى الدول النامية، وتبدد الدول الصناعية والنامية تقريبا نفس الكميات من الطعام، 670 ، و630 مليون طن على التوالي، وهو ما يُضّيع على الاقتصاد العالمي نحو تريليون دولار سدا سنوياً. مبلغ يكفي لإطعام 10 أضعاف سكان الولايات المتحدة، وضعف عدد سكان الصين سنويا، في وقت هناك طفل من بين كل 7 أطفال يعاني من إنخفاض الوزن عند الولادة.

وتهدر الولايات المتحدة بحسب بيانات وزارة الزراعة الامريكية طعاما يقدر ب 160 مليار دولار سنويا، فيما يفيد باحثون- تدعمهم المفوضية الأوروبية- أن دول الاتحاد الأوروبي تهدر نحو 22 مليون طن من الطعام سنويا، على رأسها بريطانيا حيث تبلغ قيمة المنتجات الغذائية التي تتخلص منها كل أسرة حوالي 800 يورو، وحتى رومانيا التي يقل فيها إهدار الطعام إلى أدنى مستوى، فهي تهدر ما يعادل تفاحة في اليوم. وفي فرنسا يلقي المواطن ما بين 20 و30 كيلو جراما من المواد الغذائية في صندوق القمامة دون إستهلاكها، حسب ما جاء في تقرير ل “وكالة إنفايرمنتال ريسيرش ليترز” المعنية بشؤون البيئة، تدعمه المفوضية الأوروبية، والذي خلص إلى أن نحو 80% من الطعام المهدر في العالم يمكن تفاديه.

ولمواجهة هذا الوضع شرع البرلمان الفرنسي قانوناً ضد إهدار الطعام، فحظر على المتاجر، التي تزيد مساحتها على 400 متر مربع، التخلص من الطعام غير المباع، وفرض عقوبة بالسجن عامين وغرامةٍ مالية بقيمة 75 ألف يورو، على كل من خالف القانون، وفق ما نقلت صحيفة “لوسيل ” القطرية الالكترونية الإقتصادية في 29 مايو 2019، غير أن ما يعيب هذا القانون هو إقتصاره على متاجر المواد الغذائية، والتي يزيد مساحتها عن 400 متر .

نبقى في الإطار القانوني، ليتبين لنا أن”الإجراءات القانونية في دول الإتحاد الاوروبي بدأت كمبادرات فردية، بدافع تقديم المساعدة لمن يحتاجها من خلال المنظمات غيرالحكومية ومنصات المبادرات الاجتماعية”، يقول الباحث في القانون وسلوكيات الحوكمة الإستراتيجية الدكتور محي الدين الشحيمي، مستدركا” إلا أن ذلك يأتي ضمن خطة الإتحاد الاوروبي في المحافظة على البيئة ومكافحة التلوث، والحد من الإنفاق الفوضوي وخصوصا في مجال الطعام والغذاء”.

ففي المانيا بدأت المبادرة على شكل عريضة طلابية بغية تشريع قانون يتيح لمحال بيع الطعام التبرع ببقايا الاطعمة الى بنوك الاغذية دون التعرض للمساءلة والعقاب، فيما كان لا يزال القانون يمنع الحصول على طعام من مستوعبات المحال التجارية أو السكنية، حيث تم إدخال التعديلات على القانون في “البوندستاغ” ضمن العريضة التي حملت الرقم 74584 وتطالب بعدم معاقبة من يحصلون على الطعام من مكباتالنفايات.أما المملكة المتحدة وإسبانيا والمفوضية الاوروبية، فقد اعلنتا عن خطة لخفض مخلفات الطعام من تجار التجزئة ومصنعي الاغذية وقد طورت بالتعاون مع الشركات والجمعيات الخيرية، فيما أصدرت ايطاليا قانونا للحد من مخلفات الطعام عام 2016، والدعوة الى التبرع بالطعام ضمن تاريخ صلاحيته، وفق الشحيمي.

وبالإنتقال الى العالم العربي وشمال إفرقيا، نجد أن الفرد الواحد يهدر ما يقارب 250 كيلوغراما سنويا من الطعام، أي ما يعادل أكثر من 60 مليار دولار أمريكي سنويا. ويزدادهذاالهدرفيرمضانليصلإلى 350 كيلوغرام، إستنادا لإحصاءات “الفاو” للعام 2019 ، في الوقت الذي يعاني ما يقارب 45 مليون مواطن عربي من الجوع. وبحسبة بسيطة، فإن هذه الأطعمة المهدورة، تكفي لمعالجة مشاكل الجوع في الوطن العربي، لا بل كافيه لسد جوع 820 مليون شخص حول العالم.

أما في ما يتعلق بأسباب هذه الظاهرة فتختلف إختلافا كبيرا باختلاف درجة تطور البلدان، ففي البلدان النامية، يتم تسجيل 40 ٪ من الخسائر بعد الحصاد، بينما في الدول الصناعية، يتم تسجيل 40 ٪ من الخسائر على مستوى التجزئة والمستهلكين. وفي هذا الصدد ترى تيريزا أندرسون من منظمة “أكشن إيد” غير الحكومية خلال المناقشات التي قادها خبراء المناخ التابعون للأمم المتحدة (Giec) حول إستخدام الأراضي والغذاء، في2 أغسطس 2019 في جنيف:” في الجنوب، يتعلق الأمر بصعوبات النقل والحفاظ على الأغذية، والغذاء الذي يتم إنتاجه في القرى وعدم القدرة على الوصول إلى ظروف السوق الجيدة”. “في الشمال، الخسائر أكبر في محلات السوبر ماركت، فهي ترمي الخضروات بسبب شكلها أو حجمها، أو لأنها ليست جميلة بما فيه الكفاية”. وهذا ينسجم مع الأسباب التي تعزو ” الفاو ” إهدار تلك الأطعمة في الدول النامية والدول الغنية كل عام، والمتمثلة بأخطاء في التخزين والنقل، إضافة إلى بعض العادات والتقاليد وحتى الطقوس المرتبطة بإستعمال الأطعمة واستهلاكها.
وفي نفس الوقت الذي يبدد فيه العالم الطعام، تجبر الحروب أعدادا كبيرة من البشر على الهجرة بنسبة عالية لم يشهدها العالم منذ الحرب العالمية الثانية، وهو ما يزيد الأمر صعوبة عليهم فلا هم قادرون على الزراعة ولا حتى القدرة على شراء الطعام.

ويتطرق التقرير الأممي الصادر في 16 تموز/ يوليو 2019 والذي حمل عنوان “الجائعون و”السمان” حول العالم في ازدياد، إلى حالة الجوع في إفريقيا، معتبرا أنها ” الأكثر إثارة للقلق “، حيث سجلت القارة أعلى معدلات الجوع في العالم، وتحديدا في المناطق الشرقية منها حيث يعاني ما يقرب من ثلث السكان (30.8 بالمئة) من نقص التغذية؛فيما يعيش أكبر عدد ممن يعانون من نقص التغذية (أكثر من 500 مليون فرد) في آسيا، ومعظمهم في بلدان جنوب آسيا، وتتحمل القارتين معاً، العبء الأكبر من جميع أشكال سوء التغذية، حيث يوجد فيهما أكثر من تسعة من كل عشرة أطفال يعانون من الهزال في العالم. أما أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي فأتت في المرتبة الثالثة ب 42.5 مليون جائع.

وربطا بالعلاقة الوثيقة بين هدر الطعام والقضاء عى الجوع، والذي يعد أحد اهداف التنمية المستدامة بحلول العام 2030 ،لا تزال ” الفاو ” تكثف جهودها في تحقيق زيادة “احترام الغذاء”، وكذلك بالنسبة للمزارعين الذين ينتجونه، والموارد الطبيعية التي تدخل في إنتاجه والأشخاص الذين يعيشون بدونه، لإعتبارها أن التقليل من فقد الأغذية وهدرها سيؤدي إلى استخدام أكثر كفاءة للأراضي، وإدارة أفضل للموارد المائية، مع تأثيرات إيجابية على تغير المناخ وسبل العيش، داعية كل إنسان المساهمة في تحقيق ذلك عبر تخزين الغذاء بشكل صحيح في المنزل، وشراء الخضراوات والفواكه بالكميات التي تفي حاجته فقط.ويرى المدير العام للمنظمةالصيني”شودونيو”أن الغذاء المهدر يعني ضغوطا لا لزوم لها على البيئة والموارد الطبيعية التي تُستخدم في إنتاج الغذاء.

على صعيد متصل، يعد هدر الطعام أحد أسباب الاحتباس الحراري التي يتم التغاضي عنها كثيرا، فالتخلص من بقايا الطعام غير المرغوب به، أو جزء من ثمرة ما قد لا يبدو أمراكبيرا، ولكن تقريراجديدا من معهد الموارد العالمية يركز على الاستدامة، يؤكد أن هدر الغذاء مسؤول عن 8 في المائة سنويا من إنبعاثات الغازات الدفيئة، وأن 25 في المئة من إستخدامات المياه الزراعية، بالإضافة إلى كتلة أرض زراعية بحجم الصين تستخدم لإنتاج الغذاء تذهب في النهاية هباء، ما يعني أن هدر الطعام وفقدانه يؤدي بالضرورة إلى إطلاق المزيد من غازات الدفيئة في الغلاف الجوي، كما يعني أن تقليص هذا الهدر يمكن أن يساعد البيئة.

وأمام هدر الطعام الذي لا يخلو سكان أي بلد من ارتكابه يوميا، وخاصة الأثرياء منهم، نرى مشاهد تدمي لها القلوب، حيننشاهدالعديد من أطفال الشوارع والفقراء في ترقب وحرمان إلى مصير بقايا طعام زبائن المطاعم، وهي تذهب لسلة القمامة، منتظرين الفرصة ” الملائمة ” ليندفعوا نحوها بأيديهم ليتناولوا ما بداخلها؛ ومما لا شك أن التغييرات السلوكية تستغرق بعض الوقت، لذا من المهم البدء في وقت مبكر لتعزيز تقدير الأجيال القادمة للطعام بعد أن أثبتت الكثير من الدول الصناعية والنامية أن إيجاد طرق لتقليل وتدوير الطعام ليس صعباً، ولكن الصعوبة تكمن في تغيير طريقة التعامل مع الطعام، سواء تلك الخضراوات غير المثالية، أو ذلك الطعام الإضافي الذي وضعته في صحنك على البوفيه، وأنت تعلم أنك لن تنهيه، وتذكر بأن نحو مليار شخص على مستوى العالم ينامون جائعين.

الدكتور مازن مجوّز اعلامي وباحث

الدكتور مازن مجوز ، باحث وإعلامي . يشغل منصب مسؤول الإعلام والعلاقات الخارجية في الرابطة العربية للبحث العلمي وعلوم الاتصال، ونائب رئيس مجموعة " الصحافة العربية " للتواصل الإعلامي، وأحد مؤسسي شركة Beyond the stars للخدمات الإعلامية اللبنانية ، يعمل حاليا في ال new media في أكثر من مؤسسة إعلامية ، وهو باحث متخصص في شؤون الاقتصاد البيئي والإدارة، ومدير مكتب مجلة "أسواق العرب" في بيروت ، لديه مئات التحقيقات والمقالات في مجالات : السياسة، الإقتصاد، البيئة ، والمجتمع المنشورة في صحف لبنانية وعربية ومواقع إخبارية إلكترونية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى