اجتماعالاحدث

موت عبارة “ومن يستمع لهذا ” | بقلم علي الهماشي

كان هذا القول منهجاً في الماضي وأداةَ ضبطٍ معرفي فعّالة؛ كان يكفي أن تُهمَل الفكرة حتى تُدفن، وأن تُلتفت عنها حتى تُقصى، وألّا تُناقش حتى لا تدخل الحيّز العلمي أو الثقافي.

كان الصمت قراراً معرفياً، وربما أداةً للوأد الثقافي، وكانت الانتقائية جزءاً من بنية التنشئة؛ فالكتاب مختار، والمجال المسموح بالولوج إليه مقنّن. كانت الثقافة تُقدَّم بجرعات محسوبة، وكانت هناك حراسة ورقابة على المدخلات والمخرجات. قد تكون هذه الآليات نافعة، وقد لا تكون، إلا أنها كانت متعارفاً عليها في أيامنا.

هذا النهج، رغم فعاليته الظاهرية، لم يكن صحيحاً. فقد وأد عبر الزمن أفكاراً كان يمكن أن تنقل الوعي إلى مراحل متقدمة، وأغلق الأبواب أمام نظريات كان يمكن أن تُثري المجال المعرفي لو أُتيح لها أن تُناقش، وكان يمكن أن تفتح مسارات جديدة للوعي، وربما كانت ستثري المجال المعرفي لو أُتيح لها حوارٌ علمي موزون.

لهذا كان منهج «ومن يستمع لهذا؟» يحرم العقل من احتمالاته، ويمنع الأفكار الجديدة من دخول مجال الاختبار العلمي، سواء في المجال العام أو داخل الأسرة الواحدة.

اليوم، في هذا العالم الرقمي، تفكك هذا المشهد أو لم يعد سائداً؛ فلم تعد المعلومة مقننة، بل أصبحت تتدفق بشكل مضطرد عبر خوارزميات تقتحمنا في دقائق، ونستقبل آلاف المعلومات، وتُزرع في أذهاننا آلاف القصص والروايات. لم يعد الأمر خاضعاً للاختيار، بل يُفرض علينا ما لا نستسيغه، ولم يعد التلقي فعلاً تربوياً، بل فعلاً إلكترونياً، رقمياً، سمّه ما شئت!

إن الخوارزميات ألغت الحراسة وتجاوزتها، ونحن خاضعون لها؛ فهي تقرر ما يُرى، وما يُعاد، وما يُنسى.

فهناك زراعة للوعي بما يريده من يقف وراء ذلك؛ فهي تسأل وتضع الجواب المراد. وهناك من يملك التحكم بالخوارزميات، يملك القدرة على توجيه العقل، ولا شك أن أصحاب الاختصاص يرون ذلك. ويمكن الرجوع إلى دراسة صادرة عن معهد ستانفورد للذكاء الاصطناعي المرتكز على الإنسان عام 2023.

فهناك من يعمل خلف ذلك بهدف السيطرة على انتباه المستخدم وإدمانه للمنصة.

إن طريقة الإرسال التي تخاطب الوعي ليست عملية تلقائية أو ساذجة، بل هي «هندسة إدراكية دقيقة: تكرار، إثارة، إغراء بصري، وإيقاع سريع يجعل الفكرة التافهة مألوفة، ثم مقبولة، ثم معياراً، ثم إطاراً إدراكياً يسبق التفكير نفسه». ويمكن مراجعة الدراسات الأكاديمية في هذا المجال، وليس لنا أن نتوسع في ذلك.

وعلينا تتبّع الواقع؛ فالفضاء المفتوح الذي جعل كل شيء متاحاً لم يعد يسمح بأن يؤدي التغاضي عن الأفكار الجديدة ما كان يؤديه سابقاً، فالانتشار ماضٍ لا محالة، ولم يعد الإقصاء حلاً.

فالفوضى في النشر والتلقي تشبه انتشار العشوائيات في المدن الكبيرة؛ فهي تؤدي إلى انهيار آليات الضبط. وفي العالم الرقمي، لم يعد ممكناً أن تقول: «ومن يستمع لهذا؟»؛ لأن الجميع يستمع، والجميع يرى، والجميع يتلقى، والجميع يتأثر.

لقد تغيّر العالم، وتغيّرت معه شروط تكوّن المسلّمات، وصارت الفكرة تعيش لا لأنها صحيحة، بل لأنها تتكرر، مع ملاحظة أن التكرار ليس عشوائياً، بل مدروس بحرفية عالية، كما أشرت في الأسطر السابقة.

ما هو الحل؟

لا أحاول بيان سوداوية المشهد لأقول إنه لا يوجد حل!

وإذا كان قول «ومن يستمع لهذا؟» لم يعد نافعاً، فإن العودة إلى الماضي عملية غير عقلانية، والعمل بالآليات القديمة لم يعد يفي بالغرض في مواجهة مواقع التحدي.

وفي حالة الغياب، يبقى «المعيار» الآخر هو السائد. وبما أن الأفكار تنهال علينا ولا يمكن منعها، فإننا نستطيع ألّا ندعها تستقر، عبر تحديد ما يُعدّ معرفة، وما يُعدّ رأياً، وما يُعدّ خرافة أو حتى تفاهة، وبعضه تلاعب أيضاً. وهذا التمييز بحاجة إلى نشره أيضاً.

إن توفير المعيار عبر الآليات المتوفرة يكون البوابة الجديدة لنشر ما نريده من معرفة؛ فالمقابلة، والرأي بالرأي، والفكرة بالفكرة، تميزها لمن يبحث عن الأصالة ويبحث عن الحقيقة.

الوعي بالخوارزمية

لم يعد هناك مفر من عالم تحكمه الخوارزميات، لذا يصبح الوعي بها شرطاً للنجاة.

إن الحالة التي نراها اليوم ليست قدراً مظلماً، بل فضاءً يمكن تحويله إلى فرصة. فبدلاً من «أن نلعن الظلام، يمكن أن نوقد شمعة»، وبدلاً من أن نكتفي بوصف ما لا يعجبنا، يمكن أن نستخدم الأدوات نفسها لإيصال ما نريد.

فمعظم الوسائل لها وجهان، وعلينا استخدام الوجه الذي ينفعنا.

هناك صناعة للوعي يتم من خلالها صياغة سؤال ما، أو حتى دون سؤال ودون سابق إنذار، بحيث يأتينا المحتوى جاهزاً ومختاراً لنا، ويتم التكرار، وهو ما يجعل ما نسميه تافهاً أو متهافتاً ينتشر. وهذا لا يتم بالرفض، بل نحن بحاجة إلى ضبط ذلك من خلال فهم آليات الخوارزمية أو العالم الرقمي.

ومن البديهي القول إن الفكرة التافهة لا تنتصر لأنها قوية، بل لأنها بلا منافس.

لهذا يصبح إنتاج بديل أعمق وأذكى وأكثر جاذبية ضرورةً لا ترفاً، وهو ما أُسميه «المقاومة بنفس أدوات الحرب الباردة».

والحل لا يكمن في السكوت والسماح للفراغ بأن يتسع، مما يسمح للتافهة بأن تصبح معياراً. فملء الفراغ هو أول الخطوات، وهو أول الشرارة لإزالة الظلام، والانخراط الذكي الحكيم في هذا العالم هو الخروج من حالة الدفاع والتلقي إلى حالة الهجوم والإرسال.

والتباطؤ في التفاعل يؤدي إلى سيادة الفكرة التافهة، وقد تكون كفقاعة الصابون تكبر ثم تكبر لتتلاشى، ولكن لا بد من أن يكون البديل عميقاً أيضاً، كي لا يكون حاله مشابهاً لفقاعة الصابون.

ربما تكون هناك بدائل أخرى، وربما تُبتكر آليات جديدة تعمل داخل الفوضى نفسها، وتعيد للوعي قدرته على المقاومة في عالم لا تعيش فيه الفكرة لأنها صحيحة، بل لأنها تتكرر.

إذن، يمكننا أن نصنع المحتوى. ففي العالم الرقمي الذي يرفع التافه، يمكن أن يرفع العميق إذا صيغ بذكاء، والفضاء الإلكتروني الذي يكرر ما يهز كياننا يمكن أن يكرر الوعي إذا قُدّم بإيقاع مناسب للعقول، أو يفكك الوعي الجمعي.

فالمشكلة ليست في الطريق، بل في مَن يسلك الطريق. فإذا كان الظلام ينتشر بطريقة ما، فإن النور قدرته أسرع، وما علينا إلا أن نملك الإرادة ونوظفها.

لذا، فإن التفاعل الإيجابي مع «الفوضى» هو الحل، وما أُسميه «المقاومة الإيجابية». فالاندماج الذكي هو البديل عن التقوقع، وإنتاج المحتوى الرصين أفضل من الشكوى عمّا هو سائد.

السيّد علي الهماشي، كاتب عراقي

السيّد علي الهماشي، كاتب عراقي مواليد بغداد، له كتابات سياسية عديدة في الشان العراقي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى