اجتماعالاحدث

يومَ هتلر “عاقب” طاغور | بقلم هنري زغيب

في السائد العام أَن رابندرانات طاغور (1861-1941) هو شاعر الهند الأَكبر وأَول غير أُوروبي نال جائزة نوبل (1913). لكنَّ قليلين يعرفون أَنه كان رسامًا كذلك، إِلى المعروف عن كونه كاتبًا مسرحيًّا ومؤَلفًا موسيقيًّا وفيلسوفًا ومصلحًا اجتماعيًّا.

في هذا المقال اليوم أَتناوله رسامًا، وما كان مصير خمس من لوحاته على يد النازيّ هتلر (1889-1945).

عناوين لوحاته الخمس المرقمة (487-491)

هتلر يلغي اللوحات الخمس

هي خمس لوحات بريشة طاغور، رسم فيها بالحبر الملوَّن والغواش طيورًا وأَشخاصًا، وبينها لوحة لفتاة ذات رداء أَحمر.

كانت اللوحات لدى متحفٍ كبير في برلين، هدية من طاغور سنة 1930 حين كان في أَلمانيا. ولكن بعد سبع سنوات، جاء النظام النازي فعزلها ضمن حملة تطهير لما سماه “أَعمالًا ساقطة غير لائقة بالنظام النازي الجديد”.

وكان هتلر في مطالعه فشل في أَن يكون رسامًا، فـــ”قرَّر” أَن الفن الحديث بعد الانطباعية “علامة عقل مشوَّه”. لذا أَمَرَ بأَن تُمحى من متاحف أَلمانيا نحو 16 أَلف لوحة، بينها أَعمال رائعة من الهولندي فان غوخ (1853-1890) والأَميركي مان راي (1890-1976)، متهمًا إِياها بأَنها “دون المستوى”. وأَكثر: أَقام منها معرضًا لكي يسخِّفها ويُهزِّئها تجاه  جمهوره.

كان له غضب شديد على لوحات طاغور فشنَّ عليها بالذات حملة قاسية. و”نظَّر” مؤَرِّخو الفن على عهده الهتلري النازي أَن نظامه أَسقط قيمة اللوحات الطاغورية لأَنها تنقل الطبيعة كما هي، واستشهدوا بعبارة هتلر: “كلُّ مَن يرى السماء خضراء والحقول زرقاء ويرسمها هكذا كما هي، يجب تحريم فنه”.

هتلر يراقب اللوحات لــ”يعاقبَها”

يحاضر فتمتلئُ القاعة

كان طاغور زار أَلمانيا ثلاثًا: 1921 و1926 و1930. وكانت يومها عشرون من مؤلفاته باتت مترجمة إِلى الأَلمانية، معظمُها ترجمها مارتن كامْبْشِن (م. 1948) الذي كتب يومًا: “أَينما جاء يحاضر، تمتلئُ القاعات، وتقع اصطدامات خارج القاعات مع مَن لم يكن مسموحًا دخولهم بعد نفاد المقاعد الشاغرة”. وكانت الصحافة المحلية تقرِّظ طاغور على أَنه “حكيم جاء من الشرق” و”نبيٌّ وصوفي وناسك”.

سنة 1930 جال في أُوروبا معرض من 300 لوحة بريشة طاغور، بينها 100 في باريس، ونصفها لدى المتحف الوطني للفنون في برلين قبل انتقالها إِلى لندن. وحتى 1937 كانت لوحات طاغور معروضة لدى “قصر برلين الملكي الباروكي” وفيه المتحف الوطني. وحين بدأَ “تطهير” هتلر ظهرت في لائحة بتاريخ 15 أُكتوبر تتضمَّن خمس لوحات لطاغور تم نقلها مع عدد كبير من أَعمال الانطباعيين التي تم نقلها من “القصر” إِلى مخزن كبير “ممنوع الدخول إِليه” كما أَعلن يومها المؤَرخ التشكيلي كونستانتين وينْزْلاف. ولم يُعرَف بعدها مصيرُ تلك اللوحات.

الوجه الروحاني

ما هي اللوحات الخمس؟

وفي لائحة وُجدت سنة 1942 وفيها مصدرُ اللوحات التي تم عزلها إِبان الفترة النازية، تتبيَّن لوحات طاغور الخمس وعناوينها: “قناع”، “وجه”، “فتاة” (بالرداء الأَحمر)، “قناع”، “عصفوران”. وفي تلك اللائحة من اللوحات غير المكتشفة، تظهر الأعمال “المصادَرَة” مرقَّمَة ومرتَّبة بحسب الترتيب الأَبجدي مع رموز خاصة ذات علاقة بالتبادل مع المصدر، أَو المباعة، أَو التالفة، ومعلومات موجزة عن لوحة. أَما لوحات طاغور، فوَرَدَ في اللائحة أَن اثنتين منها مبادَلتان مع المصدر، واثنتين تالفتان، والخامسة (العصفوران) بدون أَي إِشارة أَو رمز. وذكر ونْزْلاف يومها أَن لوحات طاغور “اختفت” من المتحف و”ضاع أَثرها”.

أَين ضاعت؟ وكيف؟

تبين لاحقًا أَن ثلاث لوحات عادت سنة 1939 إِلى طاغور، وفْق وثيقة من وزارة الرايخ الخاصة بالتوعية العامة والبروباغاندا جاء فيها استفسار عن عنوان ورثة الشاعر، مع أَنه عامئذ كان لا يزال حيًّا. ويرى المؤَرخ التشكيلي الهندي سيڤا كومار (اشتغل طويلاً على أَعمال طاغور) أَن تلك اللوحات الثلاث عادت فعلًا إِلى طاغور والاثنتين الباقيتين ضاعتا نهائيًا.

غير أن أوليفر كايس (حافظ المتحف المعاصر في ميونيخ) يرجح أَن إِحدى اللوحتين الضائعتين موجودةٌ في مجموعة لوحات ولاية بافاريا في المدينة منذ 1964. ويصفها كايس بأَنها لــ”وجه نصفه في الظل، وشكله روحاني” وهو النوع الذي لحقه “تطهير” النظام النازي. ويضيف كايس: “أَظن أَن هذه هي اللوحة الوحيدة الباقية من أَعمال طاغور في المجموعة الأَلمانية المتداولة”، ويفيد بأَن تكون اللوحة الأُخرى بيعت بالمزاد العلني في أكتوبر 1996 لهاوي لوحات فنية في المملكة المتحدة، مرجِّحًا أَنَّ الثلاث التي قيل إِنها عادت إِلى طاغور هي بالفعل ضائعة في مكان ما من الهند.

آخر صورة لطاغور (1941)

ريشة طاغور

كان طاغور بدأ يرسم في منتصف العشرينات، وأَنتج نحو 2300 لوحة قي عقد واحد حتى وفاته سنة 1941. وعن المؤَرخ كومار أَن أَول لوحة رسمها كانت نحو سنة 1928، وأَنه كان يكرس وقتًا طويلًا للرسم. وهو رسم حيوانات وأَشكالًا هندسية ووجوهَ نساء ورسومًا ذاتية له، ومناظر خارجية ومشاهد وأَقنعة. ويرى كومار أَن فن طاغور غَنِمَ من تقنيات الفن الحديث كما من ملامح الفن الشعبي في بلاده. وفي معظم رسومه كان همُّه إِبراز رسالة الحرية في الهند. وفي الثلاثينات لم تكن الولايات المتحدة ولا المملكة المتحدة تحمست لذاك الفن الحديث بعد. لذا عندما عُرضت أَعمال طاغور في أَلمانيا راح الخبراء يقرِّبون أَعماله من السوريالية والتعبيرية، إِلى أَن طالتها “عقوبة” النازيين فأَخفتها نهائيًّا.

ينشر المقال بالتزامن مع “النهار”

هنري زغيب، كاتب وشاعر لبناني

شاعر وكاتب لبنانـيّ، له عدد كبير من المؤَلفات شِعرًا ونثرًا وسِيَرًا أَدبية وثقافية، وعدد آخر من المترجَـمات عن الفرنسية والإِنكليزية، وناشط ضالع في الحياة الثقافية اللبنانية والعربية منذ 1972. مؤَسس "مركز التراث اللبناني" لدى الجامعة اللبنانية الأَميركية، ورئيس تحرير مـجلة "مرايا التراث" الصادرة فيها. درّس في عدة جامعات في الولايات المتحدة منها جامعة جورج واشنطن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى