الجنوب يحترق، والناس تهجّر، والبيوت تُدمّر، والقرى تتحوّل تدريجياً إلى مساحات معلّقة بين وقف هش لإطلاق النار واحتمال تجدّد الحرب. ففي السابع من أيلول 2026 وحده، أدّت الغارات الإسرائيلية على كفر رمان إلى سقوط ما لا يقل عن اثني عشر قتيلاً، في واحدة من أكثر موجات القصف دموية منذ أسابيع، فيما استمرت العمليات الإسرائيلية في مناطق جنوبية عدة، رغم الترتيبات الدبلوماسية والمساعي التفاوضية الهادفة إلى وقف الأعمال العدائية.
لكن السؤال الذي ينبغي أن يسبق الحديث عن أعداد الشهداء والجرحى والنازحين وحجم الدمار، ليس فقط: كيف سنعيد إعمار الجنوب؟ بل: لماذا وكيف وصلنا إلى هذا الخراب؟ وكيف نمنع أن تتكرَّر المأساة مراتٍ أخرى؟
فالدولة التي تكتفي بإحصاء الخسائر، وإغاثة النازحين، وإعادة إعمار ما تهدّم، من دون أن تمتلك وحدها قرار الحرب والسلم والأدوات القادرة على حماية هذا القرار، لا تكون قد أدارت الأزمة، بل تكون قد تعاملت مع نتائجها. وجوهر المأزقُ اللبناني اليوم يكمن في عجز الدولة عن إنتاج قرار استراتيجي متكامل يحول دون تحويل لبنان إلى ساحة مفتوحة لحسابات الآخرين.اكتشف الفعاليات العربية
ولا يمكن، بطبيعة الحال، تناول ما أصاب لبنان من قتل ودمار من دون تحميل إسرائيل مسؤوليتها الكاملة عن اعتداءاتها وانتهاكاتها المتكررة للسيادة اللبنانية. فمنذ عقود، ولا سيما بعد حرب غزة وما رافقها من تصعيد إقليمي، انتقلت إسرائيل تدريجياً من احتواء التهديدات المحيطة بها إلى محاولة إعادة تشكيل البيئة الأمنية والسياسية في المنطقة وفق مصالحها، مستفيدة من تفوّقها العسكري، ومن الدعم الأميركي، ومن الانقسامات الإقليمية والدولية، ومن ضعف الدور العربي وغياب موقف دولي حاسم قادر على فرض احترام قواعد القانون الدولي.
استفادت إسرائيل اليوم من الصراع الدولي على النفوذ بين الولايات المتحدة وروسيا والصين، ومن تراجع فاعلية المؤسسات الدولية، الذي مكَّنها من فرض وقائع جديدة في فلسطين ولبنان وسوريا، وتوسيع هامش عملياتها العسكرية متذرّعة وبالنفوذ الإيراني، وبوجودِ سلاحِ خارج المؤسَّسات العسكريَّةِ النَّظاميَّة وعدم حصر قرار الحرب والسلم بالسلطة الشرعية.
غير أن تحميل إسرائيل وحدها مسؤولية المأساة اللبنانية لا يجيب عن السؤال الأعمق: من سمح أصلاً بأن يصبح قرار الحرب في لبنان قابلاً لأن يُتخذ خارج مؤسَّساتِ الدَّولة؟ ومن يتحمَّلَ المسؤوليَّةَ السياسِيَّة عن الخيارات التي قادت إلى هذه النتائج الكارثيَّة؟
المشكلة ليست في الجنوب وأهله، ولا في حق اللبنانيين في الدفاع عن أرضهم، ولا في رفض الاحتلال والاعتداء الإسرائيلي. المشكلة تبدأ عندما يتحوّل امتلاك السلاح واستعماله إلى قرار مستقل عن الدولة، وعندما يصبح هذا القرار مرتبطاً بحسابات استراتيجية إقليمية لا تملك الدولة اللبنانية التحكّم بها، فيتحوّل لبنان من دولة تحاول حماية سيادتها إلى ساحة تتقاطع فيها صراعات تتجاوز حدودها ومصالحها.
ويستند قادة حزب الله في الدفاع عن خياراتهم إلى سجل المقاومة، وإلى الدور الذي أداه الحزب في مواجهة إسرائيل وإجبارها على الانسحاب من معظم الأراضي اللبنانية عام 2000. ولا يمكن إنكار هذا التاريخ أو تجاهله، كما لا يصح إنكار التَّضحياتِ التي بذلها الجنوبيون في مواجهة الاحتلال. لكن الإنجازات التاريخية، مهما كانت أهميتها، لا تمنح أيَّةَ قوة سياسيَّةٍ حصانةً دائمة من المساءلة عن خياراتها اللاحقة. فالسياسة لا تُقاس فقط بما حققته في الماضي، وإنما أيضاً بالنتائج التي تفضي إليها في الحاضر.
وما كان يمكن تبريره في ظروف دولية وإقليمية معينة لا يصبح بالضرورة صالحاً لكل زمان ومكان، ولا سيما عندما يتوسّع دور أي تنظيم مسلح من مقاومة الاحتلال إلى المشاركة في صراعات إقليمية تتجاوز حدود لبنان. وهنا تكمن المشكلة الأساسية: إذ لم يعد السلاح مرتبطاً حصراً بتحرير الأراضي اللبنانية والدفاع عن السيادة، بل أصبح جزءاً من منظومة إقليمية أوسع، الأمر الذي جعل لبنان طرفاً، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في صراعات تتجاوز قدرته على التحكّم بمساراتها ونتائجها. ولم تقتصر انعكاسات هذا التموضع على الجوانبِ العسكريَّةِ والأمنيَّة، بل طالت علاقة لبنان بمحيطه العربي، وأضعفت قدرته على الاستفادة من الدعم السياسي والاقتصادي والمالي الذي كان يشكّل تاريخياً أحد أهم عناصر قوة لبنان واستقراره.
فالدَّعمُ العربي للبنان لم يتراجع بسبب الحرب الأخيرة وحدها. لقد سبقتها، على مدى سنوات، مواقف وخطابات سياسية عدائية تجاه عدد من الدول العربية الشقيقة، تضمنت اتهامات وتهجمات تجاوزت أحياناً حدود الخلاف السياسي، وتماهت مع صراعات ومحاور إقليمية لا تتصل مباشرة بالمصلحة اللبنانية. والأسوأ أن ذلك حصل في ظل صمت أو عجز قوى سياسية لبنانية أخرى، بما فيها حكومات متعاقبة، عن وضع حد لهذا المنحى أو تقدير انعكاساته على مصالح لبنان.
لم تكن تلك المواقف تُقرأ في الخارج باعتبارها مجرد آراء حزبية منفصلة، بل كانت تُفسَّر أحياناً باعتبارها جزءاً من المشهد السياسي اللبناني، وهو ما ساهم في إضعاف الثقة بلبنان وتراجع علاقاته العربية والدولية. وليس من الواقِعي أن يطلب لبنان من أشقائه العرب الوقوف إلى جانبه في لحظة الخطر، فيما كان جزء من خطابه السياسي يتعامل معهم بوصفهم خصوماً، أو يحمّلهم مسؤولية أزمات لبنان، في الوقت الذي كان فيه الاملاءات خارجيَّة.
لقد استطاعت إيران، على مدى عقود، بناء شبكة واسعة من النفوذ الإقليمي عبر قوى مسلحة وتنظيمات ترتبط بها سياسياً وعقائدياً، وكان حزب الله أحد أبرز مكونات هذه المنظومة. وكانت النتيجة أن ابتعد لبنان تدريجياً عن موقع الدولة ذات العلاقات المتوازنة مع محيطها، واقترب من موقع الساحة التي تتقاطع عليها مشاريع وصراعات إقليمية أكبر من قدرتها على الاحتمال.
ومن هنا، فإن استعادة لبنان لموقعه الطبيعي في عمقه العربي ليست ترفاً سياسياً، بل شرط من شروط استعادة عافيته الاقتصادية والسياسية والأمنيَّة. فلبنان لا يستطيع أن يعيش معزولاً عن محيطه العربي، وكلما ابتعد عنه ازداد ارتهانه لحسابات خارجية، وكلما انخرط في محاور إقليمية ضاقت قدرته على إقامة علاقات متوازنة مع المجتمع الدولي.
لقد اتخذت الدولة اللبنانية في عام 2026 خطوة أساسية عندما أعلنت أن قرار الحرب والسلم من اختصاصها وحدها، وأكدت حصر السلاح بالمؤسسات الشرعية وضرورة العمل على إنهاء أي وجود مسلح خارجها. غير أن إعلان السيادة لا يكفي لتكريسها؛ فالقرار الذي لا تملك الدولة القدرة على تنفيذه يبقى أقرب إلى إعلان سياسي منه إلى ممارسة فعلية للسلطة.
المطلوب، إذن، ليس الاكتفاء بإعلان المبدأ، بل تحويله إلى استراتيجية وطنية متكاملة تقوم على توحيد القرار السياسي، وتعزيز قدرات الجيش والقوى الأمنية، وحصر التفاوض الخارجي بالدولة، واعتماد دبلوماسية فاعلة ومتوازنة، والاستفادة من الغطاء العربي والدولي، مع التمسك بانسحاب إسرائيل من كامل الأراضي اللبنانية المحتلة ووقف اعتداءاتها، بالتوازي مع إنهاء أي وجود مسلح خارج مؤسسات الدولة.
وفي ظل التفاوت الكبير في القدرات العسكرية، تبدو النافذة الأكثر واقعية للإنقاذ هي المسار الدبلوماسي والتفاوضي الذي تديره الدولة وحدها، لا هدنة مؤقتة تتيح إعادة إنتاج الحرب بعد أشهر. فمعالجة مأساة الجنوب لا تكون بإدارة النزوح، ولا بفتح صناديق الإعمار بعد كل حرب، بل بإزالة الأسباب التي تجعل الحرب ممكنة ومتكررة.
ويبقى السؤال المركزي: من يملك قرار الحرب؟ من يحمي الحدود؟ من يفاوض باسم لبنان؟ ومن يتحمّل مسؤولية الخيارات الاستراتيجية عندما تكون كلفتها حياة اللبنانيين ومصير الدولة؟ الإجابة واضحة: الدولة بإداراتها الرسميَّة.
وعلى قادة حزب الله، بعد كل ما أصاب لبنان والجنوب وما أصاب بنيته التنظيمية وبيئته الاجتماعية من خسائر وويلات، أن يدركوا أن الانتقال إلى العمل السياسي ضمن مؤسسات الدولة لا يعني الهزيمة، وأن تسليم السلاح إلى الجيش اللبناني ليس تخلياً عن المقاومة بقدر ما هو تصحيح لمسارها، وحماية لما تبقّى من لبنان، وإعادة الاعتبار إلى مفهوم الدولة التي وحدها تملك شرعية استخدام القوة.
كما يجب ألا يُعفى قادة إسرائيل من مسؤوليتهم عن القتل والدمار والاعتداء على لبنان، فالمسؤولية عن الجريمة تبقى على مرتكبها. لكن المسؤولية السياسية اللبنانية تفرض، في المقابل، مساءلة من أقحم لبنان في صراع يفوق قدراته، ومن اتخذ قرارات استراتيجية لم يكن لبنانٌ مستعداً لتحمّل نتائجها.
لقد آن الأوان لأن ينتقل لبنان من إدارة الخراب إلى منع تكراره، ومن إحصاء الخسائر إلى معالجة أسبابها، ومن البحث عن ممولين لإعادة الإعمار إلى بناء دولة تمنع أن تتحول مدنها وقراها مرة أخرى إلى ساحات حرب.
فالجنوب لا يحتاج فقط إلى من يعيد بناء بيوته؛ يحتاج إلى دولة تمنع تدميرها من جديد. ولبنان لا يحتاج إلى من يدير أزماته بعد وقوعها، بل إلى من يستعيد قرار الحرب والسلم، ويعيد وصل الدولة بمحيطها العربي، ويضع حدّاً لتحويل أراضيها إلى صندوق بريد لتصفية الحسابات الإقليمية.
وحدها الدولة القادرة على امتلاك قرارها، وحماية حدودها، وإدارة علاقاتها، وممارسة سيادتها على كامل أراضيها، تستطيع أن تنقذ الجنوب. وما عدا ذلك ليس إنقاذاً، بل تأجيلٌ للمأساة إلى حروبٍ أخرى.




