ازمة لبنانالاحدث

المواطَنَة بين انعدام الولاء وقلَّة الوفاء | بقلم هـنـري زغـيـب

صباح السبت 14 كانون الأَول 1963، دخَل الجنرال ديغول مبنى “راديو فرنسا” ليدشِّنه، بحضور وزير الثقافة أَندريه مالرو وجمهرةٍ من أَركان الحكْم والصحافة. يومَها ارتجل الرئيس خطابًا جاء فيه: “على مدخل هذا المبنى الجديد الفخم، تقرأُون بيتَين من الشعر، ولا تقرأُون اسمَ الشاعر. أَنا طلبتُ ذلك، لأَنَّ مَن لا يعرف أَنَّ هذَين البيتَين الشهيرَين هُما لفيكتور هوغو، لا يستحقُّ الشرفَ أَن يكون مواطنًا فرنسيًّا”.

إِلى هذا الحد، كان ديغول يعتزُّ بتُراث فرنسا، وفيًّا لوطنه حاضنِ هذا التراث.

وعند انسحابه من الحُكْم بعد الاستفتاء الشعبي نهار الأَحد 27 نيسان 1969، لزِمَ بيته في كولومبيه لي دوزغليز، مُحاطًا بمرارة الخيبة من التجاذبات السياسية في صفوف شعبه الذي لم يُبادلْهُ وفاءَه للوطن. بعد حفنةٍ أَسابيع، زاره صديقُه وزيرُ الثقافة الأَديب الفرنسي الشهير أَندريه مالرو (1901-1976)، وراح يدوَّن ما يسرُد له الرئيس من خواطرَ مريرة وانطباعات الخيبة. طال الحديث وتمدَّدَ إِلى جلسات متتالية، خرج منها مالرو بمادةِ كتابٍ كاملٍ يضمُّ خيبة ديغول من قلَّة الوفاء في بعض مواطنيه. عَنْوَنَ مالرو كتابه: “السنديانات التي يقْتَطعون”. ومغزى العنوان أَنه جزءٌ من بيتٍ لقصيدة فيكتور هوغو (1802-1885) في رثاء صديقه الشاعر تيوفيل غوتييه (1811-1872)، والبيت هو: “أَيُّ قرقعةٍ وحشيةٍ تُصْدِرها عند المغيب سندياناتٌ يقتطعونها حطبًا لمحرقة هرقل”! والمغزى: أَنَّ تيوفيل غوتييه انسحبَ إلى وحدته خائبًا من المجتمع، مطعونًا بقلَّة الوفاء، كما كان هرقل حقَّقَ انتصاراتٍ عظيمةً لم تجد صداها سوى خبثٍ وخيانةٍ وقلَّةِ وفاء، فانْسحبَ من الحكم خائبًا من بعض شعبه.

هكذا، على مثال ديغول الذي نفَى شرفَ المواطَنَة الفْرنسية عن كلِّ فرنسيٍّ لا يعرف قصيدة فيكتور هوغو، وعلى مثال أَندريه مالرو الذي اتَّخذ شعرَ فيكتور هوغو عنوانَ كتابه دلالةً على خيبة ديغول من قلَّة الوفاء في بعض مواطنيه، تنسحبُ هذه الظاهرةُ المريرة على مواطنين يحملُون من بلادهم بطاقة الهوية وجواز السفَر وينْعمُون في بلادهم بالأَمن والأَمان والاطمئنان، و… يتنكَّرون لبلادهم معلنين ولاءَهُم لبلادٍ أُخرى بانتماءٍ أَقلُّ ما يقال في خيانته إِنها قلَّةُ وفاءٍ للأَرض الأُمّ وانعدامُ ولاءٍ للوطن.

ولا يستاهلُ شرفَ المواطَنَة في وطنه والانتماءَ إِليه، مَن يُبادلُ وطنَه بانعدام الولاء والوفاء.

هنري زغيب، كاتب وشاعر لبناني

شاعر وكاتب لبنانـيّ، له عدد كبير من المؤَلفات شِعرًا ونثرًا وسِيَرًا أَدبية وثقافية، وعدد آخر من المترجَـمات عن الفرنسية والإِنكليزية، وناشط ضالع في الحياة الثقافية اللبنانية والعربية منذ 1972. مؤَسس "مركز التراث اللبناني" لدى الجامعة اللبنانية الأَميركية، ورئيس تحرير مـجلة "مرايا التراث" الصادرة فيها. درّس في عدة جامعات في الولايات المتحدة منها جامعة جورج واشنطن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى