ازمة لبنانالاحدث
ثلاثية الأزمة الجديدة: الأرض والسلاح والقرار الخارجي | بقلم العميد الركن المتقاعد جورج جاسر

مع إعلان وقف إطلاق النار، لم يدخل لبنان مرحلة استقرار، بل مرحلة إعادة تموضع بعد اشتباك مفتوح. المشهد الداخلي — من إطلاق نار عشوائي إلى خطاب الانتصار — يعكس خللاً في إدراك طبيعة الصراع أكثر مما يعكس نتائج ميدانية حقيقية. الخلاصة العملياتية واحدة: الخسارة الاستراتيجية كانت لبنانية، والبيئة العامة انتقلت من حرب مفتوحة إلى احتواء مؤقت للتوتر.
لبنان اليوم يعمل ضمن ثلاثية ضغط استراتيجية: أرض لا تزال خاضعة لوقائع احتلال جزئي، قوة مسلحة خارج إطار الدولة، وقرار خارجي — أميركي تحديداً — يمارس تأثيره على إدارة الصراع وسقوفه السياسية. هذه العناصر الثلاثة تشكل بيئة عمليات غير متوازنة، تُدار فيها الدولة ضمن هامش حركة محدود.
عملياً، لا يتحرك لبنان ضمن سيادة مكتملة، بل ضمن ميزان قوى غير متكافئ. الميدان يشهد انتشاراً للجيش مقابل تفوق ناري وقدرات ردع خارجية، فيما تجمّد العمليات القتالية لا يعني انتهاء التهديد بل إعادة ضبط إيقاعه. وقف إطلاق النار خفّض مستوى الاشتباك، لكنه لم يلغِ احتمالات التصعيد. في المقابل، يُدار المسار التفاوضي تحت ضغط مزدوج: قوة عسكرية على الأرض ووساطة دولية غير محايدة في الجوهر.
المسار التاريخي منذ 1968 يعكس نمطاً عملياتياً متكرراً: هشاشة بنية الدولة السيادية في الجنوب، صعود قوة غير نظامية، اشتباك مع قوة معادية متفوقة، ثم تهدئة مؤقتة تعيد إنتاج شروط الصراع. الجديد في المرحلة الحالية هو تراكم عوامل إنهاك بنيوي: انهيار اقتصادي، استنزاف عسكري، وتراجع في القدرة على فرض قرار موحد على مستوى الدولة.
من منظور استراتيجي، تشكل تجربة 2000 و2006 نقاط تحول لم تُستثمر. كان يمكن إدماج القوة المسلحة ضمن عقيدة دفاع وطني موحدة، لكن بقاءها خارج هيكل الدولة وتحولها إلى جزء من محور إقليمي أعاد تعريف وظيفة هذه القوة من عنصر ردع داخلي إلى عنصر مرتبط بتوازنات خارجية. هذا التحول أنتج ازدواجية قرار عسكري داخل المسرح اللبناني وأضعف مركز القيادة الاستراتيجية للدولة.
النتيجة العملياتية لهذه الازدواجية هي تآكل وحدة القرار. فقرار الحرب والسلم لم يعد محصوراً داخل مؤسسات الدولة. وفي المقابل، بقيت الدولة غير قادرة على احتكار القوة. هذا الخلل البنيوي يخلق حالة “سيادة منقوصة عملياتياً”، حيث تتعدد مراكز القرار وتضعف القدرة على التحكم بالمسرح الأمني.
على المستوى الإقليمي، تتحرك الولايات المتحدة كوسيط ضاغط ضمن منظومة توازن قوى، لا كطرف محايد. سقف التفاوض يعكس هذا التوازن. في المقابل، تعتمد إسرائيل مقاربة إدارة التصعيد لا حسمه، عبر رفع سقوف الشروط (نزع السلاح، عازل أمني، تطبيع) بهدف تثبيت مكاسب تدريجية على الأرض مع إبقاء عنصر الضغط قائماً.
داخلياً، يشكل الوضع داخل البيئة الشيعية عنصر توازن حساس. هناك هاجس أمني حقيقي ناتج عن تجربة صراع طويلة، لكن في المقابل، استمرار وضع القوة خارج الدولة يضع هذه البيئة في خط تماس مباشر دائم، ويجعلها تتحمل الجزء الأكبر من كلفة الاشتباك دون امتلاك قرار الحرب والسلم على المستوى الوطني.
في موازاة ذلك، تبقى القدرات العسكرية للدولة محدودة. الجيش اللبناني قوة ضبط داخلي أكثر منه قوة حسم استراتيجي. تطويره عسكرياً دون غطاء دولي أو إعادة هيكلة شاملة للتوازنات الإقليمية قد يؤدي إلى إدخاله في معادلة اشتباك لا يمتلك أدواتها.
استراتيجياً، أمام لبنان ثلاث مسارات:
•تثبيت تهدئة هشة تُدار تحت سقف اشتباك منخفض الشدة
•أو انهيار التفاهمات والعودة إلى دورة التصعيد
•أو إعادة تشكيل شاملة لمعادلة القوة الإقليمية، وهي خيار بعيد المدى
المشكلة الأساسية ليست في السيناريوهات، بل في ميزان القوة الذي يحكمها.
في المحصلة، تعمل الدولة ضمن بيئة استراتيجية غير متوازنة: أرض غير محسومة، قوة عسكرية خارج احتكارها، وقرار خارجي مؤثر في إدارة الاشتباك. هذا التداخل ينتج حالة استنزاف طويلة المدى أكثر مما ينتج حلاً. وبدون إعادة تعريف واضحة لمنظومة القوة والقرار، يبقى لبنان في حالة إدارة أزمة لا في مسار تسوية نهائية.




