ازمة لبنانالاحدث

دفاعاً عن القيم الإنسانيّة في مواجهة خطاب الإهانة لقداسة البابا لاوون الرابع عشر والحرب | بقلم د. رنا منصور

أتوجّه بهذه الكلمة تضامناً مع قداسة البابا لاوون الرابع عشر، رئيس دولة الفاتيكان ورأس الكنيسة الكاثوليكيّة، على خلفيّة ما تعرّض له من انتقادات واستهداف سياسيّ وإعلاميّ بسبب مواقفه المبدئيّة المناهضة للحروب والداعية إلى ترسيخ السلام بين الشعوب. كما أستنكر بشدّة ما صدر عن الرئيس الأمريكيّ دونالد ترامب من إساءات لفظيّة ومعنويّة بحق قداسة البابا، وأرفض كذلك أي توظيف مُسيء للرموز الدينيّة، بما في ذلك نشر صورة له على هيئة السيد المسيح، لما في ذلك من تجاوزٍ واضح لحدود اللياقة العامة، ومن مساس غير مقبول بمشاعر المؤمنين وبالقيم الروحيّة التي تُشكّل جزءاً أصيلاً من الضمير الإنسانيّ.

 

إنّ الإساءة إلى قداسة البابا لاوون الرابع عشر لا يمكن النظر إليها بوصفها مجرّد خلاف سياسيّ عابر أو سجال إعلاميّ محدود، بل هي في جوهرها إعتداءً على مرجعيّة دينيّة وأخلاقيّة كبرى تمثّل، بالنسبة إلى ملايين المؤمنين في العالم، صوت الكنيسة الكاثوليكيّة وصوت الضمير الحي في الدفاع عن الإنسان وكرامته وحقّه في الأمن والسلام. ومن هذا المنطلق، فإنّ أي تطاول على مقام البابا، أو أي انتقاص من رسالته، يتعارض مع أبسط قواعد الإحترام الواجب للمرجعيّات الدينيّة العليا، ويشكّل إساءة مباشرة إلى المسيحيّين عموماً، وإلى الكاثوليك خصوصاً، فضلًا عن كونه إنتهاكاً للقيم الإنسانيّة الجامعة التي تقوم على الإحترام المتبادل وصون الكرامة الروحيّة والرمزيّة للآخر.

 

كما أؤكد أنّ الإساءة إلى السيد المسيح، بوصفه رمزاً للسلام والمحبة والأخوّة في الوجدان الدينيّ والإنسانيّ، أمر مرفوض أخلاقيّاً وثقافيّاً وحضاريّاً، ولا يمكن لأي ضمير حرّ أن يقبله أو يبرّره تحت أي ذريعة. فحين تُهان الرموز الدينيّة الكبرى، لا يُمسّ فقط شعور أتباعها، بل يُمسّ أيضاً مبدأ التعايش الإنسانيّ نفسه، ويُفتح الباب أمام مزيد من التوتّر والإنقسام والكراهيّة. ومن هنا، فإنّ الدفاع عن قدسيّة الرموز الدينيّة ليس موقفاً طائفيّاً أو فئويّاً، بل هو دفاع عن الإحترام المتبادل بوصفه شرطاً أساسيّاً للإستقرار المجتمعيّ والسلم الأهليّ والدوليّ.

 

لقد كان قداسة البابا لاوون الرابع عشر، في مواقفه وتعاليمه وخطابه العام، صوتاً ثابتاً في مناصرة المحبة، وحاملًا لرسالة الرجاء، ومدافعاً عن كرامة الإنسان، ولا سيّما في عالم أنهكته الحروب والنزاعات والإنقسامات الحادّة. ولم يكن موقفه المناهض للحرب موقفاً ظرفيّاً أو انتقائيّاً، بل هو امتداد طبيعيّ للدور الأخلاقيّ الذي اضطلعت به الكنيسة، في أبهى تجليّاته، حين ارتفعت فوق الحسابات السياسيّة الضيقة لتدافع عن الإنسان من حيث هو إنسان، وعن حق الشعوب في الحياة الكريمة، وعن ضرورة تغليب لغة الحوار على منطق القوّة والغلبة.

 

ومن هذا المنطلق، فإنّني أُعلن وقوفي الكامل إلى جانب قداسة البابا، الذي كان وما يزال نصيراً صادقاً للبنان، يحمل قضيّته في وجدانه، ويتابع معاناته بصدق ومسؤوليّة، ويرفع صوته في المحافل الدوليّة من أجل حمايته وصون تنوّعه ورسالة العيش المشترك فيه. وليس هذا الموقف جديداً على الكرسي الرسوليّ، الذي نظر إلى لبنان تاريخيّاً بوصفه مساحةً للحوار بين الأديان والثقافات، ونموذجاً إنسانيّاً ينبغي الحفاظ عليه في منطقة تعصف بها الأزمات والصراعات. ومن هنا، فإنّ دعم البابا للبنان ليس موقفاً سياسيّاً عابراً، بل هو تعبير عن التزام أخلاقيّ وروحيّ عميق بحماية الإنسان والحرية والتعدّدية.

 

وفي ضوء التصعيد العسكريّ المتواصل في المنطقة، وما خلّفه من دمار واسع وخسائر بشريّة جسيمة، تزداد أهميّة النداءات التي أطلقها البابا مراراً من أجل وقف الحروب، ورفض العنف، والدعوة إلى سلام عادل وشامل. فبحسب ما تورد التقارير المتداولة، فإنّ الحرب التي اندلعت في 28 شباط الماضي بين الولايات المتّحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، أسفرت عن سقوط أكثر من ثلاثة آلاف قتيل، بينهم مئات النساء والأطفال، فضلًا عن أضرار هائلة طالت منشآت مدنيّة ومواقع عسكريّة، قبل الإعلان عن وقف إطلاق نار مؤقّت. وفي مقابل ذلك، تستمر إيران في التأكيد على الطابع السلميّ لبرنامجها النوويّ، فيما تبقى مسألة الترسانة النوويّة الإسرائيليّة، غير المعلنة رسميّاً وغير الخاضعة لرقابة دوليّة، إحدى أبرز مفارقات النظام الدوليّ واختلال معاييره في التعامل مع قضايا الأمن والسلم في الشرق الأوسط.

 

إنّ هذا الواقع الإقليميّ المضطرب يبيّن بوضوح أنّ العالم بات أحوج ما يكون إلى مرجعيّات أخلاقيّة صادقة تذكّر البشريّة بأنّ الحرب ليست قدراً، وأنّ القوة العسكريّة لا يمكن أن تكون بديلًا من العدالة، ولا سبيلًا إلى الإستقرار الدائم. ومن هنا، تبرز القيمة المعنويّة الكبرى لخطاب قداسة البابا، الذي يصرّ على أنّ السلام ليس شعاراً إنشائيّاً، بل هو مشروع إنسانيّ وأخلاقيّ وسياسيّ يتطلّب شجاعة في قول الحق، وجرأة في مواجهة دعاة الحروب، والتزاماً حقيقيّاً بمبادئ العدالة وحقوق الإنسان.

 

وإنّني، في هذا الظرف الدقيق، أجدّد تمسّكي بثقافة الحوار والإحترام المتبادل، وأرفض كل خطاب تحريضيّ أو إقصائيّ أو مهين، أيّاً يكن مصدره ومهما كان موقع صاحبه. كما أدعو إلى وقف سباق التسلّح، وإلى اعتماد لغة الحكمة والعقل، والعودة إلى منطق القانون الدوليّ والعدالة الإنسانيّة بدلًا من سياسات الإستفزاز والتصعيد والإهانة. فالعالم لا يحتاج إلى مزيد من صور الغطرسة والهيمنة، بل إلى أصوات عاقلة ومسؤولة تضع الكرامة الإنسانيّة فوق المصالح الضيقة، وتجعل من السلام قيمةً عُليا لا تخضع للمساومة.

 

وعليه، فإنّ تضامني مع قداسة البابا لاوون الرابع عشر ليس مجرّد موقف وجدانيّ أو رد فعل عابر، بل هو إعلان واضح للإنحياز إلى الأخلاق في مواجهة الإبتذال، وإلى السلام في مواجهة الحرب، وإلى كرامة الإنسان في مواجهة كل أشكال الإهانة والتطاول. وإنّني أرى في الدفاع عن البابا دفاعاً عن حقّ العالم في أن يبقى فيه صوتٌ يذكّر البشر بأنّ العدالة والسلام والأخوّة ليست أوهاماً مثاليّة، بل أسسٌ لا غنى عنها لبناء مستقبل أكثر إنسانيةً وأمناً واستقراراً.

د. رنا هاني منصور

د. رنا هاني منصور دكتوراه في العلوم الاقتصادية- بنوك وتمويل أستاذ محاضر في الجامعة اللبنانية، كلية العلوم الاقتصادية وإدارة الأعمال- الفرع الأول أمينة سر جمعية الخبراء الماليين عضو في اللجنة العلمية للجمعية اللبنانية لتقدم العلوم عضو في اللجنة الإستشارية لمجلة جويدي للإبتكار والتنمية والإستثمار لها أكثر من 150 مقال في العديد من المواضيع المالية، الاقتصادية، السياسية والاجتماعية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى