ازمة لبنانالاحدث

رسالتي إلى صُنّاع القرار في لبنان، والمؤثرين في الاستحقاق الرئاسي | بقلم العميد د. عادل مشموشي

أتوجَّه إليكم اليوم كمواطِنٍ صادِقٍ صَدوق، ناقدٍ مُتجرِّدٍ لا مُتحامِلٍ ولا مُحاب، ناصِحٍ نَصوح، لا واعِظ. مواطنٌ لبنانيٌ أصيل، نشأ على عقيدةِ الانتماء للوطن، وعاشَ على إخلاصِ الولاء له؛ مواطنٌ عابرٌ للطَّوائفِ والمذاهب، مواطنٌ سَرَقَت الحروبُ والنِّزاعاتُ الدَّاخليَّةُ العبثيَّةُ ما يزيدُ عن نِصفَ عِمرِه، وسَلبَهُ أداؤكم السِّياسي نِعمَةَ الشُّعورِ بالاستِقرارِ والأمانِ وراحَةَ البال. مواطنٌ أشعرتموه وتُشعرونهُ بالإذلالِ عَشراتِ المرَّات كُلَّ يوم، أمامَ المُستشفيات والصَّيدلياتِ والأفرانِ ومَحطَّاتِ المَحروقات…الخ؛ مُواطِنٌ يُكذِّبُ عوارضهُ المرضِيَّةَ لأنهُ يَخشى فاتورةَ الاستِشفاء، ويُهملُ صيانةَ منزله وسَيَّارتِهِ لأنه لا طاقةَ له بتكلفةِ إصلاحِهما، ويُفضِّلَ العيشَ في العتمةِ كُرها بفاتورَةِ اشتراك الكهرباء؛ مواطنٌ يعيشُ بقلقٍ دائمٍ على مُستقبلِهِ ومُستقبلِ أبنائه، مواطنٌ يَخشى المَذلَّةَ لغير الله، هاجِسَهُ أبداً ألاَّ تغدُرَ به صَحَّته في تقاعُدِهِ بعد أن طالَ غَدرُكُم راتبَه وتَعويضَه وجَنى عُمرَه؛ مواطنٌ لطالمَا أشعرتموه بالظُّلمِ والاستِغلال والاستِغباء لأنَّه كان موظَّفاً نَظيفَ الكَّفِ شَريفاً عَفيفاً مُخلِصاً لـ لبنان.

أيها السِّياسيون المُخضرمون بساسَةِ عامَّة الناس، الُمفتقدونَ لأدابِ السِّياسَة، المتآمرون على الوطن، والمُقامرونَ بمصير الدَّولةِ، والمنتهكون لكرامَةِ الشَّعبِ وحُقوقِه. ليتكم تتَّعظون من مَصيرِ كُلِّ الجَبابِرَةِ والمُتغَطرِسين والدكتاتوريين وغيرهم ممن خانوا أوطانهم وخذلوا شُعوبَهم، وليكن عِبرةً لكم مَصيرُ بعضِ الزُّعماءِ العَرَبِ الذين عربدوا ونهبوا واكتنزوا وعاثوا في بلدانهم فسادا، ألم ترونهم ذَهَبوا عراةً، ولم تذهَب مَعهُم أملاكُهم ولا أموالُهُم ولا شيء مِمن جَمعوا واكتنزوا أو تملكوا؛ ألم تروا أنهم اصطحبوا معهم خذيهم وعارَهُم، وأنهم ما تزالُ تلاحِقُهُم لَعناتُ من ظَلموا إلى حيثُ هم في مَزبلَةِ التاريخ.

أيها السياسيون، لقد سَجَّلتُم سابقةً في تاريخ البشريَّة، وكثيرةٌ هي إنجازاتُكم التي يستوجِبُ المنطقُ تسجيلها في موسوعةِ غينيس للأرقامِ القياسيَّة، إن كان لجِهَةِ استِمرارِكم في السُّلطةِ أو توارثكم لمواقِعِكم فيها، أو لحجمِ الثرواتِ التي جمعتموها في أوقاتٍ قياسيَّة، أو لخَرقِكُم للدُّستورِ أو انتهاكِكُم للقوانين النَّافِذَةِ والأنظِمَةِ المَرعِيَّة الإجراء، أو لتَغليبِكُم مَصالِحكُم الفئويَّةِ والشَّخصيَّةِ على المَصالِحِ الوَطَنِيَّة…الخ
أستحلِفُكُم بما تَعبدون، لأني على يقين بأنكُم الله لا تَخشون، وعلى انتهاكِ حُرماتِه لمُصرون ولو لآخرِ يوم في حياتِكم أو ألى أن يفنى الوَطن. أستحلفُكم أن ارحموا هذا البلدَ وشَعبِهِ الطَّيبِ المسكين، وكفوا عن المُراوغةِ والمُناكفاتِ والمُماحَكاتِ السِّياسِيَّة التي لا تُجيدون في السِّياسَةِ غيرها، واحتكموا ولو لمرَّةٍ واحِدةٍ لصوت الضَّمير.

أيها المُتحكمون باللعبةِ السِّياسيَّةِ، وبالتَّحديد بـ استِحقاقِ انتخابِ رئيسِ الجُمهوريَّة، إنكم تعلمون أن تَرشيحَ أيِّ شخصٍ من صلبِ أي مكونٍ من اصطفافي 8 و14 آذار سيكونُ انتخابُه، مهما علا شأنه وعظُمَ قدرُه وارتفعَ مُستوى عِلمه، سيكون وبالاً على الوَطن وعليكُم؛ لأنَّهُ سيكونُ ملوَّثاَ بفيروسِ الفئويَّة، وسيزيدُ في الأوضاعِ السياسيَّةِ والاقتِصاديَّةِ والاجتماعيَّةِ تأزُّماً. لبنان، في هذه المرحلةِ الحرجةِ بالذَّات، بحاجَةٍ إلى رَئيسٍ وطني لا طائفي ولا مذهبي ولا مناطقي، رئيسٌ بعيدٌ كُلَّ البُعدِ عن الألوانِ الحِزبيَّة، رئيسٌ عابرٌ لكُلِّ المُكوِّناتِ الفئويَّة، رئيسٌ يرقى بأدبيَّاتِه إلى القيمِ الوَطنِيَّةِ، رَئيسٌ يُحاكي الهُمومِ الشَّعبيَّة، رَئيسٌ يُغلِّبِ الصَّالِح العام ومُنزَّهٌ عن الاعتباراتِ الخاصَّة، رئيسٌ يهتمُّ بالأساسيَّات ويَتعالى عن الصَّغائر، رئيسٌ على قَدرِ مَقامِ رِئاسَةِ الجُمهورِيَّةِ برُقِيِّ أخلاقِهِ أولاً، وعِلمِهِ وحِلمِه ثانيا، رئيسٌ يكون أهلاً لترؤسِ الدَّولةِ كُلِّ الدَّولة، ويحتكِمُ إلى الدُّستور لا إلى غجتهاداتٍ وتفاسيرَ غِبَّ الطَّلبِ وعلى قياسِ أشخاص، ويَرعى السِّلم الأهلي، ويكون رمزاً للوطن وقُدوَةً للشَّعب.

اسمحوا لي بأن أصارِحكم، هكذا مزايا غير مُتوفِّرَةٍ في أيٍّ منكم، لأن عُقولَكُم مُلوَّثةٌ بألوانِ الطاَّئفيَّةِ والمَذهَبِيَّة والمناطِقِيَّة، وماضيكم وسلوكِياتكم، عبرَ عقودٍ من الزَّمن، خيرُ شاهِدٍ على طِباعِكم، ونمطيَّةِ تفكيركم. إنها حقيقةٌ دامِغةٌ مُترسِّخةٌ في عقولِ كُلِّ الوطنيين الشُّرفاء، المُخلِصين لهذا الوَطن، وإنجازاتُكم ليست بحاجةٍ للشَّرحِ فهي ظاهِرَةٌ بهذا الانهيار الذي تَقفونَ حِيالَهُ موقِفَ المُتفرِّجِ بعد أن تسَبَّبتُم به، ورُبما تَستغلونَهُ لتُزيدون على ثرواتِكُم. ومن الآن وإلى أن تصلُحَ أموركم، ليس من أصلَحٍ لهذه المهمَّةَ سوى قائدٌ لا ينتمي إلى أيِّ نادٍ من أنديتِكم، استطاعَ أن يبقى خارِجَ إطارِ اصطفافاتِكم؛ لا تُضيعوا الوَقت، خبِرتُم مواقِفَه، وهو لن يَخزِلَ الشَّعب، بل هو الوحيدُ القادرٌ على إصلاحِ ذاتِ البينِ فيما بينكم.

كفاكم يا صُناعَ القراِر، ويا أصحابُ النُّفوذِ في لبنان تقطيعا للوقت، وإضاعَةً للفُرَص، أتيحوا المجالَ ولو لمرَّةٍ واحِدة للإتيانِ برئيسِ على قياسِ الوَطن، رئيسٍ يستقوي بحِكمتِه لا بحزبِهِ أو تيَّارِه، ببعدِ تبصُّرِهِ لا بنكاياتِه وأنانيَّاتِه، رئيسٌ يقوى على المخاطرِ والأزماتِ لا يستغلُّها لتحقيق مآرِبه، رئيسٌ يكون قربهُ أو بعدهُ عن أيِّ من السِّياسيين محكومٌ بمدى الالتزامِ بالمصالِح اللبنانيَّةِ العليا، لا بتجارةٍ من هنا أو صَفَقَةٍ من هناك، رَئيسٌ يُعيدُ الأمورَ إلى نِصابها، وللبنانَ مَجدَهُ وازدهارَه، وللوَطَنِ عِزَّتَه، وللدَّولَةِ عافِيَتَها، وللحياةِ السِّياسِيَّةِ رَونَقها، وللمُواطِنِ حُقوقَه وآماله التي سُرقَت منه.

أيها السياسيون، الدُّستور اللبناني لا يحملُ في ثناياه بذورَ تعقيدِ الحياة السِّياسيَّة، ولا تعطيل المؤسَّساتِ الدُستوريَّة، والنصوصُ الدُّستوريَّةُ التي ترعى عمليَّةَ انتخابِ رئيسٍ للجُمهورَّةِ واضِحةً وبيِّنة، لما تؤولنها على غيرِ مَقاصِدِ واضِعها؛ لذا فإني أدعوكم إلى الإلتزامِ بروحِيَّةِ الدُّستورِ ومَدلولاتِ نُصوصِه. وما عليكم سوى أن توعزوا إلى النُّوابِ من أزلامكم ومناصريكم والناطقون باسمِكم أن يلتئموا فوراً في القاعَةِ العامَّة لمَجلِسِ النُّوابِ، وإبقاءِ جلسَةِ الانتخابِ مَفتوحَة كما يقول الدستور، وليحتكموا إلى الأسُس الديمقراطيَّة، وليبدؤوا بدورةِ اقتراعٍ ويكرِّرِّوها إلى أن يَتمخَّضَ عن إحداها انتِخابُ رَئيسِ للجُمهورِيَّة.

أيُّها النَّواب، إن كنتم مسؤولون سِياسِيَّاً أمام مُعلِّميكُم فأنتم مسؤولون أمامَ الله عن حسن أدائكم للأمانةِ التي أوكلها إليكم ناخبيكم. حضوركم إلى القاعةِ العامَّة في مَجلِسكُم ليست مُجرَّدَ خيارٍ، إنما هو واجِبٌ دستوريُّ مقرَّر بحكمِ الدُّستور، وأي تخاذلٍ عن الإيفاءِ بهذا الواجِبِ لهو تقصيرٌ فظيعٌ في المهامِ الموكلةِ إليكم؛ أما الخيار فمتاحٌ لكم في اختيار الشَّخصِ الذي ترتاحُ إليه مشيئتكم، والتي ينبغي أن تعبِّرَ عن حُرِّ ضَميركم الوطني.

وأختمُ على غيرِ عادتي وأدبيَّاتي، بأن أدعو كُلَّ ناشِطٍ سياسي وحُرٍّ وَطنيٍّ بأن لاحِقوا النَّوابَ المُتقاعُسين أينَ ثقفتموهُم، وازجروهم وانهروهم وراشقوهم بحيث ما يَحلوا لكم، واخرجوهم من مخابئهم، وحرِّموا عليهم السَّاحاتِ العامَّةِ والمطاعِمِ والمقاهي والمسابحِ واليخوتِ إلى أن يقوموا بواجِباتِهم تجاه هذا الاستِحقاق المصيري. ألا إن استنكافهم عن هذا الواجبِ شنيعَةٌ أشدُّ إيلاماً من الضَّربِ بالسُّوطِ أو الرَّشقِ بالأحذيةِ أو الرَّمي بالحِجارةِ والخُضار العَفن أو بالبيضِ الفاسد، وحبذا لو يُحرموا من الإطلالة عبر شاشاتِ الفضائيَّاتِ ومختلفِ وسائلِ الإعلامِ والإعلان قديمُها وحديثها، التي أضحى من واجِبِها حجبَ كُلِّ نشاطاتِهم وأخبارِهم، لأننا بحاجةٍ لأفعالِهم لا لأقوالهم.

العميد الدكتور عادل مشموشي

عادل مشموشي عميد سابق في قوى الأمن الداخلي، حائز على دكتوراه في الحقوق، متخصص في القانون الجزائي لديه مؤلفات عدة: -ضمانات حقوق الخصوم ما قبل المحكمة -ضمانات حقوق الخصوم خلال المحاكمة الجزائية -الإرهاب (مفهومه أسباب ايديولوجياته أطر مكافحته) المخدرات (ماهيتها؟ أنواعها، إساءة التداول بها، أطر مكافحتها) - جرائم المعلوماتية - إدارة الأزمات والكوارث. لديه عدد من الأبحاث القانونية والأمنية منها: -تببيض الأموال - محاكمة الرؤساء والوزراء -التحقيق الاول - الدفاع المشروع -المسؤولية الجزائية للهيئات المعنوية - جرائم الشخص المعنوي -المحرض -عقوبة الإعدام شارك في العديد من الندوات والمؤتمرات الإقليمية والدولي ذات العلاقة في شؤون أمنية - قانونية. تولى رئاسة قطعات أمنية تعنى بمكافحة الجرائم المنظمة ومكافحة الفساد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى