سر “الفلاشة” كما تفسره نظرية الألعاب في “فويس” طبيب سلامة | بقلم د. بيار الخوري

نظرية الألعاب فرع تحليلي يدرس كيف يتخذ الفاعلون قراراتهم حين تتوقف نتيجة كل طرف على تصرف الآخر، لا على معطى ثابت يملكه وحده. فكرتها المركزية: القرار الرشيد لا يُبنى على اليقين، بل على الاحتمال وكلفته. إذا كان الثمن باهظا لو صح افتراض ما، وضئيلا لو لم يصح، فإن التصرف الحذر يصبح الخيار الأرجح، بصرف النظر عن درجة التأكد من وقوع الحدث نفسه.
من هذا المدخل بالتحديد يمكن قراءة فرضية “الفلاشة” وتسجيل الطبيب.
انقسم الناس، منذ تداول الحديث عن “فلاشة” أو وحدة تخزين يُقال إن رياض سلامة أودعها لدى جهة متخصصة في الخارج، بين مصدق وساخر. ثم جاء التسجيل الصوتي المنسوب إلى طبيبه بالأمس والموجه إلى جانب المدعي العام، يتحدث فيه عن رفض سلامة الطعام والدواء، وعن قوله إنهم يريدون قتله وهو سيساعدهم بذلك، فأضاف عنصرا جديدا إلى النقاش.
لنفترض أن فرضية “الفلاشة” صحيحة. ما الذي تعنيه؟
المقصود ليس وحدة تخزين بالمعنى الحرفي، بل ما يُعرف في الأوساط القانونية والأمنية بـ”وثيقة التأمين”: آلية معروفة عالميا، تقوم على إيداع معلومات لدى جهة مستقلة، تُكشف تلقائيا عند تحقق شرط محدد مسبقا – الموت في ظروف معينة، الاختفاء القسري، انقطاع الاتصال لفترة طويلة. هذه الخدمات ليست خيالا؛ هي ممكنة تقنيا وقانونيا.
في ضوء هذه الفرضية، يكتسب التسجيل المنسوب إلى الطبيب معنى مختلفا. لم يعد مجرد إبلاغ عن حالة صحية، بل يتحول إلى توثيق رسمي لشخص أعلن مسبقا خشيته على حياته. وأي حادث لاحق لن يُقرأ بعدها كحادث عادي، بل في ضوء هذا التحذير المسبق.
لكن السؤال الحقيقي ليس: هل الفلاشة موجودة؟
السؤال الذي تطرحه نظرية الألعاب مختلف تماما: كيف يجب أن تتصرف السلطة إذا كان احتمال وجودها غير مستبعد؟
اللاعب العقلاني، في نظرية الألعاب، لا يبني قراره على اليقين وحده، بل على الاحتمال، إذا كانت كلفة الخطأ باهظة. إن لم تكن الفلاشة موجودة، لن تخسر السلطة شيئا من التزامها الحذر. وإن كانت موجودة، مرتبطة بشرط إفصاح عند وفاة غير طبيعية، فإن كلفة تجاهل هذا الاحتمال – سياسيا وقضائيا وإعلاميا – باهظة.
لهذا لا يشترط أن تكون الفرضية مثبتة حتى تؤثر في السلوك. يكفي أن تكون ممكنة، معقولة، وأن تكون كلفة تجاهلها مرتفعة. هذا هو جوهر نظرية الألعاب: اللاعبون لا يقررون بناء على الحقيقة وحدها، بل بناء على ما يظنون أن الطرف الآخر أعده سلفا.
قيمة تسجيل الطبيب، من هذا المنظور، لا تكمن في إثبات وضع صحي صعب فحسب، بل في قدرته على تغيير حسابات جميع الأطراف. فالاحتمال، حين تكون كلفة الخطأ هائلة، يتحول بذاته إلى عنصر فاعل في صناعة القرار.
هذه ليست محاولة لإثبات وجود الفلاشة أو نفيها، بل دعوة لفهم كيف تفكر الدول والمؤسسات حين تواجه سيناريوهات لا دليل قاطعا عليها، لكن لا سبيل إلى تجاهلها أيضا.




