لبنان تحت النار… حين يصبح التكافل الاجتماعي خط الدفاع الأخير | كتبت عبير درويش

في زمن الحروب، تنهار البنى التحتية وتُستنزف قدرات الدول، لكن ما يبقى صامدًا هو الإنسان. في لبنان، ومع تصاعد العدوان الإسرائيلي، لم يكن النزوح مجرد أزمة إنسانية، بل اختبارًا حقيقيًا لمدى تماسك المجتمع. وبين أرقام النزوح المرتفعة والمآسي اليومية، برز التكافل الاجتماعي كقوة خفية تحمي ما تبقى من الكرامة الإنسانية.
أولًا: أرقام النزوح… حين تتحول المأساة إلى ظاهرة جماعية
تشير المعطيات الحديثة إلى أن لبنان شهد موجات نزوح غير مسبوقة:
- أكثر من 1,049,000 نازح منذ تصاعد الحرب في مارس آذار 2026
- نحو 816 ألف نازح خلال أيام قليلة من توسع العدوان
- افتتاح مئات مراكز الإيواء التي تجاوز عددها 600 مركز
هذه الأرقام تعكس حجم الضغط على الدولة والمجتمع معًا، حيث لم تعد الأزمة محصورة جغرافيًا، بل امتدت إلى مختلف المناطق اللبنانية.
ثانيًا: التكافل الاجتماعي… من المبادرة الفردية إلى الظاهرة الجماعية
مع تزايد أعداد النازحين، برزت صور متعددة للتكافل الاجتماعي، منها:
- فتح المنازل الخاصة لاستقبال العائلات النازحة
- حملات تطوعية لتأمين الغذاء والدواء
- مبادرات شبابية عبر وسائل التواصل لتنظيم المساعدات
- دعم البلديات والجمعيات في تجهيز المدارس كمراكز إيواء
هذا السلوك يعكس ما يسميه علماء الاجتماع بـ”رأس المال الاجتماعي”، أي شبكة العلاقات والثقة التي تسمح للمجتمع بالتحرك سريعًا في الأزمات.
ثالثًا: دور المجتمع المدني… بين الفاعلية والتحديات
بالرغم من الحضور القوي للمجتمع المدني، تشير تقارير حديثة إلى أن المشاركة تراجعت نسبيًا مقارنة بموجات سابقة من النزوح عام 2024، لأسباب منها:
- نقص التمويل
- الإرهاق المجتمعي بعد أزمات متلاحقة
- غياب التنسيق المركزي أحياناً
ومع ذلك، لا يزال المجتمع المدني يشكل ركيزة أساسية في سد الفجوات التي تعجز الدولة عن تغطيتها.
رابعًا: موقف الحكومة… إدارة أزمة تحت الضغط
الحكومة اللبنانية، من خلال وزارات مثل الشؤون الاجتماعية والصحة، حاولت تنظيم الاستجابة عبر:
- إنشاء مراكز إيواء رسمية
- تسجيل النازحين وتوزيعهم
- التعاون مع البلديات والمنظمات الدولية
وقد أكدت وزيرة الشؤون الاجتماعية أن مئات آلاف النازحين تم تسجيلهم خلال أيام قليلة، ما يعكس حجم التحدي اللوجستي
لكن الواقع يظهر أن إمكانيات الدولة تبقى محدودة أمام حجم الكارثة.
خامسًا: قراءة تحليلية… لماذا ينجح التكافل في لبنان؟
يمكن تفسير قوة التكافل الاجتماعي في لبنان بعدة عوامل:
- البنية العائلية والمجتمعية المتماسكة
- الخبرة التاريخية مع الحروب والأزمات
- الثقافة القائمة على الضيافة والمساعدة
- ضعف الدولة، ما يدفع المجتمع لملء الفراغ
في المقابل، يحذر خبراء من أن هذا النموذج، رغم فعاليته، ليس مستدامًا على المدى الطويل دون دعم مؤسساتي.
سادسًا: شهادات وخبراء… بين التضامن والقلق
يرى مختصون في علم الاجتماع أن:
- التكافل الاجتماعي في لبنان “استثنائي لكنه هش”
- الاعتماد المفرط عليه قد يؤدي إلى إنهاك المجتمع
- المطلوب هو تحويل هذا التضامن إلى سياسات عامة مستدامة
في حين تؤكد مصادر حكومية أن “المجتمع شريك أساسي في إدارة الأزمة، لكنه لا يمكن أن يحل مكان الدولة”.
في الختام
في لبنان، لا تُقاس قوة المجتمع بعدد مؤسساته فقط، بل بقدرته على الوقوف مع نفسه في أصعب اللحظات. وبين دويّ القصف وصمت النزوح، يثبت اللبنانيون مرة جديدة أن التكافل ليس خيارًا… بل ضرورة للبقاء.




