الاحدثالجيوبوليتيك الروسي

روسيا تقلب الطاولة: لا نووي بلا مجالٍ حيوي | بقلم د. محمود الحمصي

للاشتراك بالنشرة البريدية اضغط هنا

بعد عناء طويل وجولات وصفت بالمكوكية توصلت القوى الدولية الكبرى وألمانيا إلى إعادة إحياء الإتفاق مع إيران بشأن برنامجها النووي، والذي كان قائما قبل إنسحاب الإدارة الأميركية السابقة منه بعدما وصفته بالكارثة. وقبل إعلان النصر الإيراني بإعادة إحياء الإتفاق، قلبت روسيا الطاولة على رأس الجميع وأعلنت ضرورة الحصول على ضمانات مكتوبة من واشنطن بأن لا تؤثر العقوبات المفروضة عليها بشأن عملياتها العسكرية في أوكرانيا على علاقاتها الكاملة والحرة مع طهران في جميع النواحي. صدم الجميع بما فيهم الشريك الإيراني لروسيا وشابت حالة من الغموض محادثات إحياء الإتفاق وعلّقت المباحثات ريثما يعود الجانب الروسي إلى السياق ويتوقف عن إبتزاز أوروبا أو يحصل الروس على هذه الإستثناءات لتسير الامور إلى الامام وإلا فالإتفاق على أزمة اوكرانيا وحيادتها أهم بكثير من أي إتفاق اخر.

الاتفاق النووي الايراني

بعد مفاوضات شاقة دامت اكثر من احد عشر شهرا توصلت القوى الدولية الكبرى بالاضافة الى المانيا الى التوافق على اعادة العمل بالاتفاق النووي الايراني الذي تم الاعلان عنه في 14 تموز 2015 والذي اخذ هو الاخر مباحثات دامت اكثر من عشرة اعوام ولكن وبعد مجيئ الرئيس السابق دونالد ترامب الى سدة الرئاسة في اميركا، انسحب من الاتفاق كما وعد واعتبره اتفاقا كارثيا. ومنذ مجيئ الرئيس الحالي جو بايدن وعد باعادة احياء الاتفاق من جديد والذي من شانه الحد من التوتر مع طهران في ظل الخوف من تطوير ايران لقدرتها النووية بعدما وصلت قدرتها الانتاجية في تخصيب اليورانيوم الى نسبة 60% وعدم استسلام طهران اثر العقوبات التي فرضت عليها.

ابرز بنود الاتفاق:

تشير المصادر ان ابرز بنود الاتفاق الذي كان على وشك اعلانه تنص على رفع العقوبات عن طهران بشان برنامجها النووي وابقاء بعض العقوبات التي تتعلق بملفات لها علاقة بحقوق الانسان ودعم حركات المقاومة بذريعة دعم الارهاب، كنا ينص الاتفاق على رفع الحظر عن الرئيس الايراني السيد ابراهيم رئيسي والمسؤولين الايرانيين والمؤسسات المرتبطة بالمرشد الاعلى للثورة الاسلامية الامام السيد علي خامنئي ومؤسسة حرس الثورة الاسلامية بالاضافة الى رفع الحظر عن الحركة المالية والتجارية والمصارف الايرانية وتصدير النفط الايراني بالاضافة الى تحرير الاموال الايرانية المجمدة.

في المقابل عودة ايران الى تخصيب اليورانيوم بنسبة لا تتجاوز 3.7% ووضع قيود على نشاط فوردو النووية بالاضافة الى وقف تشغيل اجهزة الطرد المركزية “الجيل السادس”. واخيرا، السماح للوكالة الدولية وللمراقبين الدوليين بالاستمرار في التفتيش ومراقبة مسار البرنامج النووي.

روسيا تقلب الطاولة، لا اتفاق قبل الاتفاق

بعد الوصول الى حافة الاتفاق وفقا لخطة العمل الشاملة وقبل اعلان النصر الايراني وانجاز ما وعد به الرئيس الاميركي جو بايدن، قلبت روسيا الطاولة على راس الجميع، وطالبت من واشنطن تحديدا بضمانات مكتوبة بان لا تؤثر العقوبات المفروضة على موسكو بشان عملياتها العسكرية في اوكرانيا على حقها في التعاون التجاري والاقتصادي والاستثماري والفني العسكري الحر والكامل مع ايران. صدم الجميع وعلق كل شيئ، كيف لا وروسيا في حرب دخلتها مرغمة ودخلت في مستنقع الاستنزاف في حين يعيش الغرب حالة الرعب من فقدان موارد الطاقة والعالم باجمعه في حالة انتظار لما ستؤول اليه نتائج الاحداث. انها الحرب التي تقلب التاريخ فكيف بالمواقف. لا انتصار لايران والجميع في حرب، وفي الحرب يخسر الجميع والرابح هو الخاسر الاقل. بالرغم من الحماس الروسي والذي اخذ دور الوصي لطهران في هذا الملف، اصبح الان عقبة امام الوصول الى خواتيم ايجابية. تنفست اسرائيل الصعداء بعدما شعرت ان زيارة رئيس وزرائها نفتالي بينيت الى روسيا قد حققت اهدافها. والعرب الذين رأو في موسكو الشريك الذي عطل ما كان يشكل هواجس حقيقية بالنسبة اليهم ولم يبادر الحلفاء الغربيون لاخذ هذه الهواجس في عين الاعتبار، فكانت جائزة الارضاء لموسكو رفض مناشدات بايدن بضخ المزيد من النفط.

اذن، الطاولة قلبت والملف الايراني عاد اشواط الى الوراء، فبالنسبة الى موسكو في هذا الوقت قد يكون هذا الاتفاق يشكل ضاغطا لها كون القوى الدولية خاصة المانيا تنتظر رفع العقوبات عن طهران ليتبع بعدها دخول ايران في سوق النفط والغاز والذي قد يشكل البديل عن اعتماد الغرب على الغاز والنفط الروسي.

اعلان موسكو: ابتزاز وخارج السياق

يبدو ان الازمة في اوكرانيا تجاوزت القضية النووية كما يقول الكاتب ارمين عريفي لمجلة لوبان الفرنسية. فلا اتفاق بوجود حرب ولا مفاوضات خارج نطاق هذه الحرب من وجهة نظر موسكو. وبالرغم من مطالبة الجانب الاميركي الروس بالفصل بين القضيتين، الا ان وضوح الجانب الروسي قد علق الملف وصادر الاتفاق النووي الايراني واصبح ورقة يساوم عليها. في هذا السياق، انتقد الجانب الايراني وفقا لوكالة تسنيم الايرانية ما سماه بالتدخلات الروسية في الربع ساعة الاخير من محادثات الملف النووي في الوقت الذي بدا فيه ان المحادثات تتجه نحو التوصل الى اتفاق، واعتبرت ايران ان اعلان موسكو في هذا الوقت غير بناء وقد يؤدي الى تعطيل هذه المحادثات بعد احراز تقدم كبير في هذا الملف. من جانبها، اعلنت الولايات المتحدة الاميركية على لسان وزير خارجيتها انتوني بلينكن “ان العقوبات المفروضة على روسيا ردا على غزوها لاوكرانيا لا علاقة لها بالاتفاق النووي الايراني” واكد بلينكن ان لا رابط بين المسالتين بأي شكل من الاشكال واعتبرها خارج السياق. في هذا المضمون، ركزت المتحدثة باسم البيت الابيض جين بساكي على ضرورة احياء الاتفاق من دون الطلب من الولايات المتحدة اي مطالب او مقترحات وعلى روسيا وفقا لها ان تشارك الاهتمام العام بان لا تحصل ايران ابدا على الاسلحة النووية.

فيما اشارت وكيلة وزارة الخارجية الاميركية للشؤون السياسية فيكتوريا نولاند ان روسيا تحاول ارباك المفاوضات والحصول على مكاسب اضافية من خلال مشاركتها في المفاوضات النووية الايرانية. وفي المواقف الغربية، اشار مسؤول فرنسي في الاليزيه ان الطلب الروسي ليس له علاقة بالديبلوماسية التي تتجنب فيها خلط الملفات بل الامر يتعلق بالابتزاز ودعا موسكو لتحمل جميع مسؤولياتها كضامن لخطة العمل الشاملة والتصرف وفقا للمصلحة المشتركة التي تجمع فيها انهاء هذه المفاوضات.

موسكو تصادر الاتفاق الى اجل مسمى وطهران في حيرة كبيرة

لا تسعى موسكو من خلال مطالبتها بهذه الضمانات الى تعطيل نهائي للاتفاق النووي الايراني بل تحاول التاثير في الاتفاق كونها عضو استراتيجي في المباحثات وذات وزن قادر على فرض الشروط على جميع القوى الدولية والاقليمية. قد لا تسمح موسكو بمرور هذا الملف في الوقت الحالي وقد تحاول الحصول من جميع الاطراف على تنازلات للمضي قدما في هذا الاتفاق، وقد لا تسمح لطهران بالرغم من الشراكة الاستراتيجية معها لسد الفراغ من حاجة القوى الدولية الى النفط والغاز الروسي وتعويضه بالايراني بعد رفع الحظر عن صادرات طهران.

ان روسيا اليوم في صراع عسكري غير مباشر مع الغرب وقد يمتد هذا الصراع الى كافة ارجاء المعمورة ولا يمكن لروسيا تمرير الاتفاق في ظل الحرب الاقتصادية المفروضة عليها، بل ستحاول الى وضع يدها على الملف ولن تفرج عنه سوى بالحصول على هذه الاستثناءات او الوصول الى مفاوضات شاملة ومباشرة مع الجانب الاميركي تشمل جميع القضايا بما فيها قضية حيادية اوكرانيا والاعتراف بسيادة لوغانسك ودونيتسك الانفصاليتين.

اما ايران التي تضيق بها الخيارات فهي في حيرة كبيرة، ولديها خيارات محدودة جدا وهي اقناع الجانب الروسي بالسير قدما في الاتفاق والذي ليس بالسهل الوصول اليه او مطالبة واشنطن بالاستثناءات التي طلبتها موسكو والذي اكد الجانب الاميركي رفضا مسبقا لها. ويبقى الخيار الصعب امام طهران وهو الاتفاق الاحادي مع واشنطن والذي ترفضه طهران حاليا كونه يؤدي من شانه الى توتر العلاقات مع موسكو وقد يؤثر على الصراعات السياسية لا سيما في سوريا والعراق واليمن وقد يقلب الاوراق السياسية رأسا على عقب خاصة بعد انجذاب بعض الدول العربية للمحور الشرقي وهو ما لا تسعى له طهران بشكل قاطع. ويبقى خيار ايران الوحيد القادر على استقرار الامور السياسية مع روسيا وهو الحوار معها واقناعها بضرورة السير قدما لانهاء الملف والذي قد ياخذ وقتا لا سيما مع موقف روسيا في الاتفاق مع الغرب على كل شيئ او عدم الاتفاق على شيئ.

محمود أحمد الحمصي

الدكتور محمود الحمصي، باحث ومحلل سياسي، مولود في بيروت حاصل على دكتوراه الفلسفه في الادارة العامة ومحاضر في جامعة بيروت العربية، شارك في العديد من المقالات العلمية والبحثية المتعلقة بالشؤون الإقليمية والدولية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى