الاحدثالشرق الاوسط

الضعين… حين تنكشف الحقيقة!!!!! | بقلم نجم الدين دريسة 

حين يُختبر الضمير في لحظة الألم، تسقط الأقنعة وتبقى الحقيقة وحدها

في لحظات الكوارث الكبرى، لا تُقاس الفواجع بعدد الضحايا فقط، بل بما تكشفه من حقائق كامنة كانت تُدارى خلف الشعارات والاصطفافات الرمادية. ومجزرة الضعين، بكل ما حملته من ألم إنساني بالغ، لم تكن مجرد حادثة دامية في سياق حرب ممتدة، بل كانت لحظة كاشفة أعادت ترتيب المشهد السوداني أخلاقياً وسياسياً، وفضحت طبيعة الاصطفافات الحقيقية داخل بنية الدولة والمجتمع.

 

لقد كشفت هذه المأساة عن نمط ممنهج من الاستهداف الذي يطال كيانات اجتماعية بعينها، في سياق يتجاوز العنف العشوائي إلى ما يشبه إعادة تشكيل المجال الاجتماعي بالقوة. غير أن الأخطر من ذلك، هو ما أظهرته من هشاشة مواقف كثير من القوى المدنية والسياسية والأهلية، التي وجدت نفسها، عن وعي أو بدونه، في موقع المتواطئ بالصمت أو التبرير، أو حتى الاصطفاف غير المعلن مع قوى تُعيد إنتاج الاستبداد بأدوات جديدة.

 

هذه اللحظة الكاشفة أعادت طرح سؤال الشرعية من جذوره: أي دولة هذه التي لا تستند إلى حوامل أخلاقية أو قانونية؟ وأي سلطة تلك التي تتأسس على سرديات متناقضة مع واقع الناس ومعاناتهم؟ إن ما يتبدى اليوم ليس مجرد أزمة حكم، بل أزمة بنيوية عميقة في مفهوم الدولة ذاته، حيث تتجلى ملامح كيان أقرب إلى “دولة أوليغارشية” تُدار لصالح نخبة ضيقة، معزولة عن قضايا المجتمع، وغير معنية ببناء عقد اجتماعي حقيقي يقوم على المواطنة والعدالة.

 

لقد تأسست هذه البنية على سرديات زائفة، رُوّج لها طويلاً باعتبارها حقائق نهائية، بينما هي في جوهرها أدوات للهيمنة وإعادة إنتاج السيطرة. ومع مرور الوقت، تحولت هذه السرديات إلى ما يشبه “الوعي الزائف” الذي تسرب حتى إلى بعض الفئات المهمشة، فباتت تتعامل معه كواقع لا يمكن تجاوزه. وهنا تتجلى واحدة من أعقد أزمات المجتمعات المقهورة: أن يقف الضحية، أحياناً، في صف الجلاد، ليس اقتناعاً، بل نتيجة تراكمات نفسية عميقة من القهر والتهميش.

 

إن هذه الظاهرة ليست عفوية، بل ترتبط بما يمكن وصفه بـ”السيكولوجيا الجمعية للقهر”، حيث تُعاد برمجة الوعي عبر مؤسسات وإعلام وخطابات مستمرة، تجعل من الهيمنة أمراً طبيعياً، ومن التمرد عليها فعلاً غير مألوف أو محفوفاً بالمخاطر. ولذلك، فإن أي مشروع للتغيير لا يمكن أن يقتصر على البعد السياسي أو العسكري، بل يجب أن ينطلق من معركة الوعي، باعتبارها الأساس الذي يُبنى عليه كل تحول حقيقي.

من هنا، تبرز الحاجة الملحة إلى رسم خرائط توعوية جديدة، تستهدف تفكيك هذا الوعي الزائف، وإعادة بناء الإدراك الجمعي على أسس من المعرفة والكرامة والحقوق. فالتغيير، في جوهره، ليس مجرد انتقال للسلطة، بل هو إعادة تعريف للعلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين الفرد وذاته، في إطار من الحرية والمسؤولية.

 

ورغم محاولات التشويه المستمرة، التي تقودها قوى مرتبطة بمصالح ضيقة أو بأجندات خارجية، فإن جوهر القضية يظل واضحاً: هناك مطالب مشروعة لشعب يسعى إلى السلام والاستقرار، وإلى بناء دولة تقوم على المواطنة المتساوية، والعدالة الاجتماعية، واحترام التنوع الثقافي والاجتماعي. وهذه المطالب لا يمكن إلغاؤها أو تشويهها بخطابات إعلامية، مهما بلغت حدتها.

 

إن النضال من أجل هذه القيم ليس ترفاً فكرياً، بل ضرورة تاريخية، تفرضها معاناة الناس اليومية، وتؤكدها تجارب الشعوب التي نجحت في تجاوز أزماتها عبر إعادة تأسيس دولها على قواعد أكثر عدلاً وإنصافاً. وفي هذا السياق، تصبح مجزرة الضعين، رغم قسوتها، نقطة تحول محتملة، إذا ما أُحسن استثمار دلالاتها في إعادة بناء الوعي الجمعي، وتجاوز حالة الإنكار أو التبرير التي عطلت مسارات التغيير طويلاً.

 

في النهاية، لا يمكن لأي مشروع وطني أن ينجح دون أن يستند إلى قاعدة أخلاقية صلبة، تعترف بكرامة الإنسان وحقه في الحياة والحرية والعدالة. فالدول لا تُبنى بالقوة وحدها، بل تُبنى بالشرعية التي تنبع من رضا الناس، وبالعدالة التي تُشعرهم بأنهم شركاء في المصير، لا مجرد أدوات في صراع لا ناقة لهم فيه ولا جمل.

وهنا، تكمن الحقيقة التي كشفتها الضعين بوضوح: أن المعركة الحقيقية ليست فقط على الأرض، بل في الوعي… وأن النصر، في نهاية المطاف، سيكون لمن يملك القدرة على تحرير الإنسان قبل أن يحرر الجغرافيا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى