الاحدثالشرق الاوسط

تونس.. الدولة الوطنية في مواجهة مشروع الفوضى | بقلم أ. إدريس احميد

شهدت تونس منذ استقلالها أولى إنجازاتها الكبرى بفضل المشروع البورقيبي، الذي وضع الإنسان التونسي في مقدمة مشروعه النهضوي والحضاري، فكانت البداية ببناء الإنسان والأسرة، مع منح المرأة مكانة محورية أسهمت في تعزيز استقرار الأسرة والمجتمع. كما واصلت الدولة بناء مؤسساتها من خلال تطوير منظومتي التعليم والصحة، إلى جانب الاهتمام بقطاعات الصناعة والزراعة وغيرها، لتصبح تونس نموذجًا للدولة الوطنية الحديثة في المنطقة.

وجاء عهد الرئيس زين العابدين بن علي ليستكمل مسيرة التنمية والبناء، وإن شاب تلك المرحلة عدد من الإشكاليات السياسية، وفي مقدمتها تقييد الحياة الحزبية والحريات العامة. إلا أن ذلك لم يمنع الدولة من تحقيق مستويات من الأمن والاستقرار، ومواجهة الإرهاب والتيارات المتشددة، والحفاظ على مؤسسات الدولة.

وعندما اندلعت الثورة التونسية، كان هدفها التغيير والإصلاح وترسيخ الديمقراطية، وقد تميزت عن كثير من ثورات العالم العربي، لأن المجتمع التونسي كان يمتلك رصيدًا من الوعي الوطني، وخبرة مؤسساتية، جعلته أكثر استعدادًا لخوض مرحلة انتقالية نحو مستقبل أفضل.

غير أن هذا المسار، وفق هذه القراءة، واجه مشروعًا آخر قفز على تضحيات التونسيين، تمثل في صعود حركة النهضة الإخوانية إلى واجهة المشهد السياسي. ويرى أصحاب هذا الرأي أن الحركة كانت إحدى الأدوات التي أفرزها مشروع الربيع العربي، الذي يعتبرون أنه جاء ضمن ترتيبات وخطط أمريكية لإعادة تشكيل المنطقة، وأنه استغل الخطاب الديني لتوظيف الإسلام في الصراع السياسي وإحداث الفوضى داخل الدول العربية.

وخلال سنوات وجودها في السلطة، أحكمت حركة النهضة نفوذها على المشهد السياسي والاجتماعي والاقتصادي، لكنها ـ بحسب منتقديها ـ لم تتجه نحو الإصلاح والتنمية أو ترسيخ الديمقراطية كما كانت تعلن، بل دخلت البلاد في دوامة من الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وشهدت تونس اغتيالات سياسية، وتراجعًا في أداء مؤسسات الدولة، إلى جانب حالة من الاستقطاب والانقسام، حتى أصبحت مشاهد الاشتباكات داخل البرلمان، التي حولته في بعض الجلسات إلى ما يشبه حلبة ملاكمة، عنوانًا للأزمة التي وصلت إليها الحياة السياسية بعد اثني عشر عامًا من حكم النهضة وشركائها.

وأمام هذا الواقع، لم يجد الرئيس قيس سعيّد، بحسب مؤيديه، سوى التدخل في 25 جويلية (يوليو) 2021، حيث أعلن جملة من الإجراءات الاستثنائية استنادًا إلى الفصل 80 من الدستور، باعتبارها خطوة لإنقاذ الدولة من حالة الانسداد السياسي واستعادة هيبة المؤسسات. وأعقب ذلك اتخاذ إجراءات قانونية بحق عدد من قيادات حركة النهضة وآخرين متهمين في قضايا مختلفة.

ومنذ ذلك التاريخ، دخلت تونس مرحلة سياسية جديدة، رافقتها حملات إعلامية وسياسية داخلية وخارجية. ويرى مؤيدو مسار 25 جويلية أن بعض هذه الحملات استغلت شعارات حقوق الإنسان والحريات بهدف ممارسة ضغوط سياسية وإثارة الفوضى، في حين تؤكد أطراف أخرى أن مواقفها تأتي دفاعًا عن المسار الديمقراطي والحريات العامة، ليبقى الجدل قائمًا حول مستقبل التجربة التونسية، في ظل تحديات اقتصادية وسياسية تتطلب الحفاظ على الدولة الوطنية ومؤسساتها.

أ. إدريس احميد، صحفي وباحث ليبي متخصص في الشأن السياسي المغاربي

أ. إدريس احميد صحفي وباحث ليبي متخصص في الشأن السياسي المغاربي، يهتم بمتابعة وتحليل القضايا السياسية والاستراتيجية وقضايا البيئة في الشأن المغاربي والعربي والدولي وشمال أفريقيا، مع تركيز على التحولات السياسية والإقليمية وتداعياتها على الواقع الليبي والمغاربي. يقدّم قراءات وتحليلات تستند إلى متابعة مستمرة للتطورات السياسية والبيئية، ويشارك في النقاشات الإعلامية والفكرية المتعلقة بالشؤون المغاربية والعلاقات الإقليمية. كما يكتب في عدد من المنصات الإعلامية، متناولاً قضايا السياسة والأمن والتوازنات الإقليمية من منظور بحثي وتحليلي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى