حصان طروادة على أسوار الدولة: هل يشكل أسرى داعش الـ 2250 تهديداً استراتيجياً للعراق؟ | بقلم م.م اماني جلال عبدالرسول

في لحظة إقليمية بالغة الحساسية، ومع استمرار التحولات الجيوسياسية في المشرق، يبرز ملف نقل معتقلي تنظيم “داعش” من شمال شرق سوريا إلى العراق بوصفه أحد أكثر الملفات تعقيداً وخطورة في مطلع عام 2026. فالأمر لا يتعلق بمجرد عملية لوجستية لنقل سجناء، بل بإعادة تموضع لتهديد أمني عابر للحدود، يتخذ من الجغرافيا العراقية مسرحاً جديداً لاحتمالات التصعيد. وفي قلب هذا المشهد، تبرز دفعة تضم نحو 2250 معتقلاً، يُنظر إليها في الأوساط السياسية والأمنية على أنها تمثل نموذجاً معاصراً لما يمكن تسميته بـ “حصان طروادة” الذي يتسلل إلى الداخل قبل أن ينفجر في لحظة حرجة.
إن استدعاء استعارة “حصان طروادة” في هذا السياق لا يأتي من فراغ بلاغي، بل يعكس فهماً عميقاً لطبيعة التهديد المركب. فهؤلاء المعتقلون لا يمثلون مجرد عناصر تم تحييدها ميدانياً، بل يشكلون مخزوناً أيديولوجياً وخبرة قتالية متراكمة، قادرة – إذا ما أُسيء التعامل معها – على إعادة إنتاج نفسها ضمن بيئات مغلقة كالسجون. وهنا يكمن جوهر الخطر: ليس في وجودهم الفيزيائي فقط، بل في قدرتهم على التحول إلى أدوات اختراق صامت داخل بنية الدولة.
من الناحية الاستراتيجية، يطرح نقل هذا العدد من المعتقلين سؤالاً محورياً حول ما إذا كانت العملية تمثل حلاً جذرياً لمشكلة أمنية، أم مجرد إعادة توزيع لها جغرافياً. فبدلاً من بقاء التهديد في الساحة السورية، يتم نقله إلى الداخل العراقي، بما يحمله ذلك من أعباء أمنية واستخبارية إضافية. هذا “الترحيل القسري للأزمة” قد يمنح أطرافاً إقليمية ودولية متنفساً للتخلص من عبء أمني ثقيل، لكنه في المقابل يضع العراق أمام اختبار معقد لإدارة تهديد عالي الكثافة.
التحدي الأكبر لا يكمن في احتجاز هؤلاء الأفراد بحد ذاته، بل في كيفية إدارة وجودهم داخل المنظومة العقابية. فالتجارب السابقة تشير إلى أن السجون قد تتحول – في ظل غياب استراتيجيات احتواء فعالة – إلى بيئات خصبة لإعادة إنتاج التطرف. ولعل ما شهدته المنطقة في العقد الماضي يوضح أن بعض أخطر القيادات المتطرفة تبلورت أفكارها داخل المعتقلات، حيث تلاقت الأيديولوجيا مع التجربة القتالية لتشكيل نواة تنظيمية جديدة.
في هذا السياق، يصبح الحديث عن “الاختراق من الداخل” أكثر من مجرد فرضية نظرية. إذ يمكن لهؤلاء المعتقلين،
عبر شبكاتهم التنظيمية وخبراتهم السابقة، أن يعيدوا بناء هياكل قيادية داخل السجون، مستفيدين من أي ثغرات إدارية أو أمنية. كما أن احتمالية التخطيط لعمليات هروب جماعي، أو ما يُعرف بـ “كسر الجدران”، تظل قائمة، خاصة في ظل وجود كتلة بشرية كبيرة تمتلك دافعاً أيديولوجياً قوياً.
أما على المستوى الأمني، فإن استيعاب 2250 معتقلاً من ذوي الخطورة العالية يتطلب إعادة تعريف مفهوم الحجز التقليدي. فالمسألة لم تعد تتعلق بأسوار وأسلاك شائكة، بل بهندسة أمنية متعددة الأبعاد تشمل العزل المكاني، والمراقبة التقنية، والتحليل السلوكي المستمر. كما يفرض هذا الواقع ضرورة تفكيك الكتلة العددية الكبيرة عبر توزيع المعتقلين على مواقع متعددة، بما يمنع تشكل بؤر قوة داخلية.
إلى جانب التحديات الأمنية، يبرز البعد القانوني بوصفه أحد أكثر الجوانب تعقيداً. إذ يضم هذا العدد الكبير فئات مختلفة من المعتقلين، تتراوح بين مقاتلين مباشرين وعناصر لوجستية وأفراد انخرطوا بدرجات متفاوتة في نشاط التنظيم. هذا التنوع يفرض على النظام القضائي العراقي تطوير آليات دقيقة للتكييف القانوني، بما يضمن تحقيق العدالة دون فتح ثغرات يمكن استغلالها لاحقاً، سواء عبر الطعون القانونية أو عبر استثمار الملف في
الحملات الإعلامية والدعائية.
ولا يقل البعد المجتمعي أهمية عن الجانبين الأمني والقانوني. فالمجتمعات المحلية القريبة من مراكز الاحتجاز قد تنظر إلى هذه التطورات بقلق متزايد، خصوصاً في ظل الذاكرة القريبة لتجارب العنف وعدم الاستقرار. هذا القلق، إذا لم تتم معالجته بسياسات تواصل فعالة، قد يتحول إلى عامل ضغط داخلي ينعكس على الاستقرار العام. ومن هنا، تبرز أهمية بناء خطاب شفاف يوازن بين ضرورات الأمن وطمأنة الرأي العام.
على المستوى الدولي، لا يمكن فصل هذا الملف عن سياق الضغوط السياسية والاعتبارات الجيوستراتيجية. فبعض الدول تسعى إلى إغلاق ملف مقاتليها الأجانب عبر نقلهم إلى بلدان المنشأ أو إلى ساحات بديلة، مما يضع العراق في موقع متقدم ضمن هذه المعادلة. هذا الواقع يفرض على صانع القرار العراقي التعامل بحذر مع أي ترتيبات دولية، بما يضمن عدم تحويل البلاد إلى ساحة لتصفية الحسابات الأمنية للآخرين.
في ضوء كل ما سبق، يصبح ملف الـ 2250 معتقلاً اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة العراقية على إدارة التهديدات المعقدة. فنجاح هذه العملية لا يقاس فقط بمدى القدرة على احتجاز الأفراد، بل بمدى القدرة على تفكيك البنية الفكرية التي يحملونها، ومنع إعادة تدويرها في أشكال جديدة. وهنا تبرز
أهمية برامج “تفكيك التطرف” التي تتجاوز المعالجة الأمنية إلى مقاربات فكرية ونفسية واجتماعية شاملة.
ختاماً، يقف العراق أمام مفترق طرق استراتيجي: إما أن يتمكن من احتواء هذا “الحصان الخشبي” وتحويله إلى فرصة لتعزيز قدراته الأمنية والاستخبارية، أو أن يواجه خطر انفجار كامن قد يعيد إنتاج دورات العنف. إن التحدي الحقيقي لا يكمن في ما تم نقله إلى الداخل، بل في كيفية إدارة ما قد يخرج من داخله. وفي عالم تتداخل فيه التهديدات الصلبة والناعمة، تبقى اليقظة الاستراتيجية هي السلاح الأهم في مواجهة ما قد تحمله الأيام القادمة.
