الاحدثدولي

بايدن في الامم المتحدة … خطاب مليئ بالخداع والتضليل | كتب د. عوض سليمية 

للاشتراك بالنشرة البريدية اضغط هنا

 

 

خطاب الرئيس بايدن على منصة الامم المتحدة في دورتها الـــ 77 المنعقدة في نيويورك بتاريخ 12 سبتمبر، حمل في طياته جملة كبيرة من التناقضات والتضليل للمواقف الامريكية، وسنركز في هذا المقال التحليلي على اهم هذه المغالطات في مواقف الولايات المتحدة من الازمة الاوكرانية والقضية الفلسطينية.

 

بدأ الرئيس بايدن خطابه بهجوم حاد على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وحربه الوحشية التي لا داعي لها في اوكرانيا وفق وصفه، معلناً التزام الولايات المتحدة ومن اطلق عليهم الشركاء بإستمرار دعم اوكرانيا بكل الوسائل العسكرية والامنية والاقتصادية، وواصل حديثه مُركزاً على شيطنة روسيا، بإعتبارها الدولة الغازية ضد دوله جاره ذات سيادة وعضو في الامم المتحدة، بهدف مسحها عن الخارطة. واضعاً أمريكا في الصفوف الاولى للمدافعين عن الديموقراطية والحرية وحقوق الانسان والقانون الدولي ومواثيق الامم المتحدة.

في الواقع، يبدو ان الرئيس بايدن اغفل تجاهل بلاده وحلفائها للمطالب الامنية التي سبق وان تقدم بها الرئيس بوتين على مدار سبعة شهور قبل اندلاع الازمة الاوكرانية، والتي ركزت في جوهرها على ضرورة ابقاء اوكرانيا منطقة بيضاء محايدة، وان تلتزم واشنطن وبروكسل بتعهداتها السابقة منذ العام 1991 قبيل انهيار الاتحاد السوفييتي، بعدم توسع حلف الناتو شرقاً نحو الحدود الروسية، لان من شأن ذلك ان يهدد الامن القومي الروسي،  وان السبب الرئيس لاطلاق بوتين العملية العسكرية الخاصة في الدونباس، يعود الى عدم تقديم هذه الضمانات من قبل واشنطن وحلفائها. الى جانب تجاهل الادارة الامريكية لتحذيرات بوتين من خطورة تغذية وتشكيل ميليشيات تحمل الفكر النازي والكراهية لكل ما هو روسي على الارض الاوكرانية، وإستمرار تزويد واشنطن والغرب لهذه الجماعات المتطرفة بالسلاح، بهدف استمرار قصف مواطني الدونباس المنفصل عن اوكرانيا منذ العام 2014، وفي هذه النقطة، تظهر المعايير المزدوجة لمواقف بايدن، فهو مدافع صلب عن حقوق الانسان الاوكراني وخياره الديموقراطي طالما بقي هذا المواطن خاضع لتابعه زيلينسكي في كييف، لكن حقوقه تسقط تلقائياً عندما يطالب نفس المواطن بالانفصال عن تابع امريكا والعودة الى وطنه الام في روسيا.

 

 وفي السياق، أكمل بايدن مرافعته عن القانون الدولي، ودعا قادة العالم ان يكونوا حازمين في مواقفهم لردع العدوان الروسي على الاراضي الاوكرانية، معتبراً ان روسيا اخترقت دون خجل القوانين والمواثيق الدولية، وواصل حديثه، بان بوتين يهدد أمن اوروبا بإستخدام أسلحة الدمار الشامل بما فيها الأسلحة النووية، مخترقاً بذلك معاهدة حظر انتشار الاسلحة النووية، واصفاً خطوة اعلان الاستفتاء للمقاطعات الاوكرانية المحررة بانها خطوة وهمية، واطلق عليها اسم (ضم الاراضي) وصنفها بانها بمثابة انتهاك خطير للغاية لميثاق الامم المتحدة، وان بوتين قد جعل له هدف واضح هو، إبطال حق اوكرانيا في الوجود كدولة وحق الاوكرانيين كشعب موجود، وهنا وجه كلامه لبوتين، لا يمكنك الاستيلاء على اراضي الغير بالقوة.

 

بينما تُظهر هذه الكلمات الصادرة عن الرئيس بايدن، الحرص الشديد للادارة الامريكية على تفسير بنود القانون الدولي والقاضي بعدم انتهاك المواثيق والقرارات الدولية، مع إظهار أعلى درجات الغضب من قضية ضم أراضي دولة مستقله الى حدود دولة قوية بهدف توسيع حدودها، نقول: ان هذا الحرص على إنفاذ القانون الدولي غير صحيح، وان موقفه من ضم الاراضي بإعتبارها جريمة خطيرة أيضاً لا اساس له من الصحة، لاننا ببساطة شديدة، لا نجد هذا الغضب من ممارسات دولة الاحتلال الاسرائيلي الخارجة عن القانون الدولي، ويتناسى السيد بايدن على ما يبدو ان هذه الجرائم كاملةً تنطبق على سلوك اسرائيل وممارساتها بحق الشعب الفلسطيني منذ العام 1948، وان المجازر التي ارتكبتها اسرائيل بحق الشعب الفلسطيني وممتلكاته فاقت في دمويتها وبشاعتها مجازر النازيين الالمان، ويتجاهل السيد بايدن أن حكومات بلاده وإداراتها داست كل القوانين الدولية التي اشار اليها، واعلنت صفقة القرن بالتنسيق مع اسرائيل فقط، والتي بموجبها شُطب حق الشعب الفلسطيني ليس فقط في اقامة دولته المستقله على الحد الادنى من ارضه، بل حقه في الوجود، وان المُشرع الامريكي في الكونجرس يدعم سياسات اسرائيل في ضم ما تبقى من الارض الفلسطينية التي احتلتها عام 1967، ولم يعتبروا ذلك جريمة ولا انتهاك خطير لمواثيق الامم المتحدة، ونسي ايضاً، ان حكومات الولايات المتحدة هي المُشرعن والممول والحامي الدولي لبناء المستوطنات في الضفة الغربية والقدس المحتلة، على بالرغم من صدور القرار الدولي الصريح رقم 2338، وان إسرائيل قد منعت كل اشكال الممارسة الديموقراطية لابناء الشعب الفلسطيني بما فيها حقه في الانتخابات. ويبدو انه يخجل ان يقول لقادة الاحتلال لا يمكنكم الاستيلاء على اراضي الغير بقوة.

 

وفي سلسلة تصريحاته المتناقضة، أعلن بايدن تضامنه مع الشعب الاوكراني، وشرع يذكر ارتفاع تكاليف فاتورة الحرب على الاعيان المدنية والمدنيين الاوكران، والتي وصفها بالفظائع وجرائم حرب يرتكبها الروس بحقهم، موجها دعوته لدول العالم أن تتوحد في إدانة الغزو الروسي لاوكرانيا، مؤكداً ان على مجلس الامن أن يدافع عن مبادئ ومواثيق الامم المتحدة، وان لا يستخدم اعضائه حق النقض الا في حالات استثنائية نادرة، لضمان بقاء مصداقية لهذا المجلس.

يبدو السيد بايدن في هذا الحديث، كمن يخيط بالابرة من ثقب ضيق، فهو لم يذكر في خطابه امام قادة العالم، ان بلاده افشلت كل المشاريع والطلبات الفلسطينية المنادية بانهاء الاحتلال، ومحاسبته على جرائمه المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني، ونسي ان بلاده أعلنت حرب على أعضاء محكمة الجنايات الدولية ومنظمات حقوق الانسان وغيرها من المؤسسات صاحبة السلطة للتحقيق في ممارسات اسرائيل وتوثيق جرائمها، الى جانب استخدام بلاده لحق النقض الفيتو اكثر من 53 مرة لاسقاط مشاريع قرارات تدين ممارسات اسرائيل، وتمنع الفلسطينين من إعلان تجسيد السيادة الكاملة على أرضهم، وان بلاده زودت اسرائيل بكل انواع الاسلحة بما فيها المحرمة في القانون الدولي لاستخدامها ضد المدنيين الفلسطينيين وممتلكاتهم.

 

وعلى طريقة اسلافه من الرؤساء الامريكيين الذين قسموا العالم الى محورين: محور الخير ومحو الشر، يبدو ان كل ما يهم السيد بايدن هو ان يقف امام المرآة ليؤكد وجوده، فقد أعلن في كلمته تقسيم العالم مرة أخرى الى قسمين: ديموقراطي واستبدادي، وانه كرئيس للولايات المتحدة يصيغ رؤية طليعية للدول الديموقراطية في العالم، والدفاع عنها. للعمل من اجل السلام، مستشهداً بحديث الرئيس الامريكي السابق هاري ترومان 1945 “أن ميثاق الأمم المتحدة  هو دليل على أن الدول، مثل الرجال، يمكنها بيان خلافاتها، ويمكنها مواجهتها، ومن ثم إيجاد أرضية مشتركة للوقوف عليها”. ويضيف انه يرفض العنف والحرب لغزو الامم وتوسيع الحدود من خلال اراقة الدماء.

 

ومع علمنا المسبق ان البريد الوارد للادارة الامريكية ممتلئ بالرسائل، ولا يسعه الاجابه على هذه التساؤلات، ومع ذلك، نسأل السيد بايدن، هل يوجد أرضية مشتركة لحل الصراع الاسرائيلي الفلسطيني وإحلال السلام العادل والشامل الذي ذكرته، اكثر صلابةً وقبولاً من قرارات مجلس الامن الدولي، والجمعية العامة للامم المتحدة، ومبادرة السلام العربية، واتفاقيات اوسلو وخارطة الطريق، التي سحقتها حكومات اسرائيل المتعاقبة بدعم مباشر من بلادكم، مع توفير غطاء دولي كامل يبرر لاسرائيل ممارسة العنف والغزو والضم والتوسع وإراقة الدماء، والذي تنكرونه على الروس. ومع ذلك، تنظرون الى اسرائيل كواحة فريدة ووحيدة للديموقراطية في الشرق الاوسط، وما زال مشرعوا الكونجرس في بلادكم حتى اليوم يصنفون منظمة التحرير الفلسطينية كمنظمة ارهابية وفق المعايير الامريكية المزدوجة والسياسات الملتوية، ثم ان سيادتكم يستحضر كلمات هاري ترومان، والذي اعترف باسرائيل بعد 15 دقيقة من إعلانها كدولة مستقلة قامت على ارض فلسطين التاريخية، أليس من الاجدر بكم أن تقابل هذا الاعتراف بأن تعلن إعترافكم بدولة فلسطين على حدود الرابع من حزيران عام 1967، بعد قرابة 74 عاماً على نكبة الشعب الفلسطيني، حتى يتم استحضار إعلانكم هذا في خطابات الرؤساء القادمين للولايات المتحدة من على منصة الامم المتحدة، وتُخلد إرثك السياسي كصانع سلام في ارض السلام.

في الواقع تؤكد الاحداث الجارية في العالم، ان الجمعية العامة للامم المتحدة فقدت وظيفتها الاساس في ترسيخ مفهوم الامن والاستقرار والازدهار لشعوب العالم، وبات المتحكمون في قراراتها يضعون عدد كبير من الدول في مأزق، ما هو الموقف الذي يجب ان تأخذه، أو أن تفضل الجلوس على السياج حرصاً على مصالحها، على الرغم من إدراكها وقناعاتها بمظلومية الشعب الفلسطيني وحقه المقدس في تقرير مصيره على ارضه، الامر الذي يستدعي من كافة دول العالم الخاضعة لهذا الابتزاز ضرورة البحث في اعادة تشكيل النظام العالمي بعيداً عن الرؤية الامريكية، وبعيداً عن هذه المنظمة التي اثبتت عجزها الكامل في إنفاذ قراراتها، واصبح من الضروري إعلان وفاتها وتشييعها مرة والى الابد.

د. عوض سـليميـة

حاصل على الدكتوراة في العلاقات الدولية في تاثير اللوبي الإسرائيلي على السياسة الخارجية تجاه القضية الفلسطينية من جامعة university utara Malaysia. زميل ابحاث ما بعد الدكتوراة في السياسة الخارجية الأمريكية. مدير برنامج السياسة الخارجية الامريكية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى