الاحدثدولي

واشنطن وحلفاؤها في الشرق الأوسط: البراغماتية لا الاحترام والحماية | كتب أكرم بزي

تثبت التطورات المتسارعة في مطلع عام ٢٠٢٦ أن السياسة الأميركية في الشرق الأوسط لا تحكمها المبادئ أو الوفاء للحلفاء، بل تخضع لمنطق “البازار” الذي يبيع ويشتري في القضايا والشعوب وفق بورصة المصالح المتغيرة. وما مشهد تخلي واشنطن عن قوات سوريا الديمقراطية (قسد) إلا فصل متكرر من فصول “الاستهلاك الوظيفي”، حيث استخدمت الإدارة الأميركية الأكراد كرأس حربة في حرب استنزاف طويلة ضد تنظيم داعش، وبعد أن استنفدت قواهم البشرية والعسكرية وبنت على تضحياتهم أمجاداً إعلامية، قررت بدم بارد بيعهم مقابل أثمان بخسة في اتفاق مع الحكومة السورية الجديدة بقيادة أحمد الشرع، لتؤمن مصالحها مع قوى إقليمية مثل تركيا وإسرائيل.

هذه “الخديعة الكبرى” التي تجلت في إجبار قسد على الذوبان الفردي داخل الجيش السوري وفقدان أي خصوصية سياسية أو عسكرية، ليست حدثاً عابراً، بل هي نموذج صارخ لآلية العمل الأميركية التي لا تجد حرجاً في الانقلاب على شركاء الأمس بمجرد نضوج صفقة كبرى. لقد أدركت واشنطن في عهد ترامب أن الحفاظ على جيب كردي منفصل بات عبئاً يعيق تفاهماتها الاستراتيجية مع دمشق الجديدة، فكان القرار هو سحب الغطاء وترك الأكراد يواجهون قدرهم أمام الزحف العسكري للحكومة المركزية، مع الاكتفاء ببيانات خشبية وإجراءات تحذيرية لا تسمن ولا تغني من جوع، وهو ما وصفته القيادات الكردية المصدومة بأنه “خيانة موصوفة” وضرب من انعدام المبادئ.

إن هذا السلوك الأميركي الذي استباح دماء الأكراد وتضحياتهم، يحمل في طياته إنذاراً شديد اللهجة لحلفاء واشنطن في لبنان، الذين يبنون قصوراً من الأوهام فوق رمال متحركة. فلبنان، الذي كان دائماً “صندوق بريد” أو ساحة لتصفية الحسابات، ليس بمنأى عن هذه السياسة الاستهلاكية. والتاريخ اللبناني يغص بالدروس التي يبدو أن البعض يصر على نسيانها؛ فمنذ “خطوط كيسنجر الحمراء” عام ١٩٧٦ التي شرعنت التدخول السوري، وصولاً إلى الانسحاب المذل للمارينز في الثمانينيات، وانتهاءً بصفقة عام ١٩٩٠ التي منحت واشنطن بموجبها لبنان لدمشق ثمناً للمشاركة في حرب الخليج، كان الحلفاء اللبنانيون هم دائماً أول من يدفع ثمن المقايضات الأميركية.

اليوم، وبينما تنخرط واشنطن في ترتيبات أمنية جديدة تشمل الحدود اللبنانية والإسرائيلية والسورية، يبدو واضحاً أن الحلفاء المحليين في بيروت قد يجدون أنفسهم في أي لحظة على “طاولة البازار”. فالدعم المالي المحدود والوعود السياسية الفضفاضة التي يتلقاها حلفاء أميركا في لبنان اليوم ليست سوى مسكنات موقتة، قد تنتهي صلاحيتها في اللحظة التي ترى فيها واشنطن أن استقرار مصالحها مع القوى الإقليمية الكبرى يمر عبر التضحية بهؤلاء الحلفاء. فإذا كانت قسد، بجيشها المنظم وسيطرتها على مساحات شاسعة من النفط والموارد، قد بيعت مقابل اتفاق أمني وسياسي، فما الذي يمنع واشنطن من بيع حلفائها في لبنان الذين لا يملكون من أمرهم سوى الصراخ السياسي والارتهان للخارج؟

إن المشهد في أربيل، حيث أبلغ المبعوث الأميركي توم براك قادة قسد بأن “المصالح مع دمشق أبقى”، هو مشهد مرشح للتكرار في عوكر أو أي عاصمة قرار غربية. فالولايات المتحدة لا تتعامل مع حلفائها في المنطقة كشركاء بل كـ “أدوات استخدام لمرة واحدة”، وبمجرد انتهاء المهمة أو تبدل الظروف، يتم استبدالهم بآخرين أكثر فائدة للمرحلة القادمة. وفي ظل التقارب الأميركي الحالي مع دمشق والترتيبات الجارية لتأمين حدود إسرائيل، يصبح الرهان اللبناني على الحماية الأميركية نوعاً من الانتحار السياسي، فالسمسار الأميركي مستعد دائماً للتخلي عن الوكيل الصغير لإرضاء الأصيل الكبير.

ختاماً، إن ما جرى لقسد هو مرآة لما ينتظر كل من يربط مصيره بالاستراتيجيات العابرة للمحيطات على حساب الواقعية الوطنية والإقليمية. فالخديعة الأميركية ليست استثناءً بل هي القاعدة، وتجربة الأكراد المريرة يجب أن تكون درساً نهائياً لحلفاء واشنطن في لبنان، مفاده أن من يتغطى بالوعود الأميركية سيبقى عارياً في نهاية المطاف، وأن ثمن الصداقة مع واشنطن قد يكون أغلى بكثير من ثمن الخصومة معها، خاصة حين يحين موعد “البازار” وتُعرض الرؤوس للبيع مقابل حفنة من المكاسب الجيوسياسية.

الكاتب أكرم ناظم بزي

الكاتب والباحث السياسي أكرم ناظم بزي، صحافي وباحث لبناني، يكتب في الأدب والسياسة والعلاقات الدولية، لديه العديد من الأبحاث والمقالات، وفي الصحافة اللبنانية والعربية، لا سيما في دولة الكويت وهو عضو نقابة الصحافة اللبنانية، وجمعية الصحافيين الكويتية 2002، (شارك قي اعداد موسوعة العلوم السياسية لجامعة الكويت)، وعضو نقابة مخرجي الصحافة اللبنانية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى