
قبل مئة عام، وتحديدًا في عام 1923، شكّل “مؤتمر لوزان” محطة مفصلية في التاريخ الحديث للشرق الأوسط. لم يقتصر ذلك المؤتمر على تكريس نهاية السلطنة العثمانية وانكفائها داخل الحدود الجغرافية لما يُعرف اليوم بجمهورية تركيا، بل جاء تتويجًا لترتيبات دولية أعادت رسم خرائط النفوذ في المنطقة وفق منطق الغلبة في أعقاب الحرب العالمية الأولى. لقد أُعيد توزيع الجغرافيا بين الإمبراطوريات المنتصرة، وفق منطق القوة لا وفق إرادة الشعوب.
واليوم، وبعد مرور قرن كامل على تلك اللحظة التأسيسية، نشهد تحولًا موازياً في طبيعته وإن اختلفت أدواته. فخريطة النفوذ لم تعد تُرسم عبر الاتفاقيات الاستعمارية التقليدية، بل باتت تُصاغ عبر آليات معقدة من التنافس الجيو-اقتصادي، ترتكز على أدوات التكنولوجيا، والتحالفات العابرة للحدود، والبنى الرقمية، وسلاسل الإمداد.
الشرق الأوسط، بموقعه الاستراتيجي وثرواته الطبيعية والبشرية، عاد إلى قلب المعادلة الدولية. بيد أن منسوب التدخل لم يعد عسكريًا كما كان في السابق، بل اقتصاديًا واستثماريًا بامتياز. الولايات المتحدة، التي خففت من انخراطها العسكري المباشر، انتقلت إلى توسيع نطاق نفوذها من خلال أدوات القوة الناعمة: الشركات متعددة الجنسيات، المؤسسات المالية الدولية، ومنصات التكنولوجيا الكبرى. إنه نمط جديد من الهيمنة، مغلّف بخطابات الشراكة والتنمية، لكنه يكرّس علاقات تبعية محدثة.
في هذا السياق، يمكن قراءة “اتفاقيات إبراهام” ليس فقط كمسار تطبيعي سياسي، بل كمدخل إستراتيجي لإعادة دمج إسرائيل في البنى الاقتصادية والأمنية للمنطقة. فإسرائيل، التي لطالما وُصفت بأنها كيان أمني محاصر، باتت تُقدَّم اليوم باعتبارها شريكًا تقنيًا واقتصاديًا يتسلل تدريجيًا إلى أسواق المنطقة وبُناها التحتية، ضمن مظلة رعاية أمريكية، وتمويل خليجي، وتسهيلات تركية.
بالتوازي، تدخل قوى دولية وإقليمية جديدة على خط التنافس:
الصين، عبر مبادرة “الحزام والطريق”، تسعى إلى ترسيخ نموذجها القائم على مركزية الدولة والتحكم الرقمي، مقدمة نفسها كشريك لا يشترط الإصلاحات السياسية.
روسيا، التي توظف الحروب والنزاعات – كما في أوكرانيا وسوريا – لبسط نفوذها الطاقوي والعسكري، تركز على إعادة التموضع الجيوسياسي.
الهند، الصاعدة بثبات في مجالات التكنولوجيا والزراعة، تسعى إلى دور موازٍ ومتنامٍ في منظومات الجنوب العالمي.
أما الاتحاد الأوروبي، فيُعيد ترتيب أولوياته ضمن سياق الأمن الأخضر والانتقال إلى مصادر الطاقة النظيفة.
وفي المقابل، تحاول الولايات المتحدة إعادة تعريف دورها من خلال مبادرات تنموية ذات طابع عالمي، مثل مشروع PGII، الذي يقدّم بديلاً استثماريًا واستراتيجيًا للمبادرات الصينية، ضمن محاولة لاستعادة دور “الراعي التنموي” مقابل انحسار صورة “الغازي العسكري”.
غير أنّ جميع هذه المشاريع الدولية تشترك في شرط أساسي واحد: غياب الفوضى المسلحة. فالمناخ الاستثماري المستقر لا يمكن أن يتعايش مع وجود جماعات مسلحة خارجة عن إطار الدولة. ولهذا السبب، تواصل الولايات المتحدة وشركاؤها الضغط بشكل مباشر أو غير مباشر على الأنظمة السياسية الإقليمية لضمان غياب أي فصيل مسلح يمكن أن يهدد بيئة رأس المال، لا سيما في قطاعات حساسة كالبنى التحتية والطاقة والتكنولوجيا.
السعودية وتركيا تحتلان موقعًا محوريًا في هذا التوازن الجديد:
المملكة العربية السعودية، عبر “رؤية 2030″، تعمل على إعادة هيكلة اقتصادها بعيدًا عن الريع النفطي، وتسعى إلى التحول إلى مركز استثماري إقليمي فاعل.
تركيا، من جهتها، توظّف موقعها الجغرافي وثقلها التاريخي والديني في محاولة لاستعادة دورها كقوة ربط لوجستي وثقافي وتقني، عبر ما يمكن تسميته بـ”العثمانية الاقتصادية”.
لكن نجاح هذين النموذجين يتطلب قدرًا عاليًا من القدرة على المناورة بين المصالح الدولية المتضاربة، وبناء سياسات متوازنة ومستقلة. فالسعودية تبني شبكة معقدة من الشراكات: مع الصين تكنولوجيًا، مع الولايات المتحدة أمنيًا، ومع أوروبا اقتصاديًا وبيئيًا. وتركيا، بحكم موقعها كعضو في حلف شمال الأطلسي وارتباطها الوثيق بروسيا وإيران، مطالبة بتقديم نموذج سيادي قابل للاستمرار إن أرادت تثبيت موقعها كمحور إقليمي مستقل.
في ضوء هذه التحولات، لم يعد سؤال السيادة متعلقًا فقط بحيازة الأرض أو القوة العسكرية، بل بمن يمتلك البنى التحتية الرقمية، ومن يدير البيانات، ومن يتحكم بالمنصات التكنولوجية التي باتت تشكّل أساس الأمن القومي المعاصر. فمن لا يملك منظومة رقمية وطنية متكاملة، سيبقى عرضة للتبعية، حتى لو امتلك الثروات الطبيعية أو الموقع الجغرافي.
من هنا، تظهر الحاجة الماسّة إلى بلورة مشروع عربي جامع، لا يكتفي برد الفعل على مشاريع الآخرين، بل يقدّم رؤية سيادية متكاملة. يمكن أن يتمثل هذا المشروع في تأسيس اتحاد رقمي اقتصادي عربي، يُبنى على منظومات شاملة من التكامل التكنولوجي، وتبادل البيانات بين الدول العربية، وتأسيس بنى تحتية مشتركة تعتمد على تقنيات حديثة كالبلوكتشين، بما يضمن الشفافية والثقة ويعيد صياغة مفهوم السوق العربي من جديد.
غير أنّ هذا الطموح يصطدم بواقع عربي متشظٍ: دول منهكة بنزاعات مزمنة، وأخرى غارقة في التبعية الاقتصادية والسياسية، وأخرى منشغلة في صراعات بقاء داخلية. هذا الواقع الهش سمح لقوى إقليمية كإسرائيل أن تلعب دور الوسيط بين القوى الكبرى، مستفيدة من تقاطع المصالح الدولية، والدعم الأمريكي، والانفتاح العربي المتزايد.
ورغم ذلك، تبقى الفرصة متاحة. فالأدوات متوفرة، والموارد موجودة، والعقول القادرة حاضرة. لم تعد المعركة تُحسم عبر الجيوش، بل عبر امتلاك المعرفة، وتوجيه الابتكار، والاستثمار في الإنسان. إعادة تشكيل الشرق الأوسط لا يجب أن تكون حكرًا على قوى الخارج، بل هي فرصة تاريخية لشعوب المنطقة لفرض إرادتها وصوغ مستقبلها وفق مشروع تنموي، سيادي، وتكاملي.
إننا لا نعيش فقط على أعتاب مرحلة جديدة من إعادة توزيع النفوذ، بل أمام اختبار حقيقي لقدرة المنطقة على التحول من موضوع في المعادلة الدولية إلى طرف فاعل فيها.
وفي سباق الهيمنة العالمي، لم يعد مقبولًا أن نكتفي بدور المتفرج.
البدائل موجودة، والفرصة لم تُغلق بعد.




