الاحدثالشرق الاوسط

وداعاً زياد الرحباني: عبقريّ الفن الذي لا يموت | بقلم د. رنا منصور

بقلوب يعتصرها الحزن، يودّع لبنان والعالم العربيّ قامة فنيّة استثنائيّة، الفنان والموسيقار والمسرحيّ والكاتب زياد الرحباني، الذي غيّبه الموت عن عمر يناهز 69 عاماً.

لم يكن زياد مجرّد فنان عابر، بل كان حالة فكريّة وثقافيّة متكاملة، وصوتاً متمرّداً على الظلم، ومرآة صادقة عكست آمال اللبنانيّين وآلامهم على مدى عقود. برحيله، يفقد المشهد الفنيّ العربيّ عبقريّاً أحدث ثورة في الموسيقى والمسرح، تاركاً خلفه إرثاً فنيّاً خالداً سيظل يتردد صداه في الأجيال القادمة.

زياد الرحباني، نجل عملاقَيْ الفن اللبنانيّ فيروز وعاصي الرحباني. لم يعش في ظل والدَيْه، بل شق طريقه الخاص ليصنع لنفسه هويّة فنيّة فريدة. منذ صغره، أظهر زياد نبوغاً موسيقيّاً لافتاً. ففي السابعة عشرة من عمره، لحّن أغنية “سألوني الناس” التي غنّتها والدته فيروز، لتكون باكورة أعماله التي أحدثت انعطافة جديدة في مسيرتها الفنيّة. توالت بعدها عشرات الأغنيات التي حملت توقيعه، مثل ألبومَيْ “في أمل” و”كيفك أنت”، والتي مزجت بين أصالة الموسيقى العربيّة الكلاسيكيّة والجاز، ليخلق بذلك أسلوباً موسيقيّاً خاصاً به، تحوّل إلى صوت جيل بأكمله.

لم يقتصر إبداع زياد على الموسيقى فحسب، بل امتد ليشمل المسرح، حيث قدّم أعمالاً مسرحيّة ساخرة وناقدة للوضع الاجتماعيّ والسياسيّ في لبنان. بدأت مسيرته المسرحيّة بـ”سهريّة” عام 1973، تلتها “نزل السرور” عام 1974، و”بالنسبة لبكرا شو؟” عام 1978.

ولعلّ أشهر مسرحياته “فيلم أميركيّ طويل” عام 1980، التي جسّدت بأسلوب ساخر واقع لبنان خلال الحرب الأهليّة، وتدور أحداثها في مستشفى للأمراض العقليّة، حيث تشكّل شخصيّاتها نماذج مختلفة من المجتمع اللبنانيّ الذي عاصر تلك الحرب. كما قدّم مسرحيات أخرى مثل “شي فاشل” عام 1983، و”بخصوص الكرامة والشعب العنيد” عام 1993، و”لولا فسحة الأمل” عام 1994.

كانت أعماله المسرحيّة مرآة صادقة تعكس هموم بلده الذي مزّقته الطائفيّة والحرب، وعبّر من خلالها بسخريّة لاذعة لكن بواقعيّة صادمة عن آلام جيل كامل. ضمير حي وصوت متفرّد وصفه محبوه بـ”العبقريّ”، ونعاه الرؤساء والوزراء والفنانون، كلٌ بكلماته التي حاولت أن تصف عظمة هذا الفنان الإستثنائيّ.

لم يكن زياد الرحباني مجرد مبدع، بل كان ضميراً حيّاً، وصوتاً متمرّداً على الظلم، يكتب وجع الناس ويعزف على أوتار الحقيقة دون مواربة. فلقد جسّد التزاماً عميقاً بقضايا الإنسان والوطن، وقال من على خشبة المسرح، وفي الموسيقى والكلمة، ما لم يجرؤ كثيرون على قوله، ولامس آمال اللبنانيّين وآلامهم على مدى عقود.

تأثر بزياد جيل كامل، ووجد في أعماله تعبيراً عن معاناته وتطلّعاته. فأغانيه التي أدّاها بصوته، مثل “الحالة تعبانة” و”دلّوني عالعينين السود” و”بلا ولا شي”، أصبحت أيقونات فنيّة، كما أنّ ألحانه التي قدّمها لفيروز وغيرها من الفنانين، تركت بصمة لا تُمحى في تاريخ الموسيقى العربيّة.

لقد كان زياد الرحباني فناناً شاملاً، موسيقاراً، مسرحيّاً، وكاتباً، جمع بين الفكاهة والسخرية والعمق، وقدم فناً يعالج قضايا المجتمع بجرأة وشفافيّة.

برحيل زياد الرحباني، يفقد لبنان والعالم العربيّ فناناً لن يتكرر، لكن إرثه الفنيّ سيبقى خالداً. ستبقى ألحانه ومسرحياته وكلماته تتردّد في الأذهان، شاهداً على عبقريّة فنان آمن بقوة الفن في التعبير عن الحقيقة ومواجهة الواقع. “رحل العبقريّ”، هكذا نعاه الكثيرون، وصدقوا. فزياد الرحباني لم يرحل، بل ترك لنا كنوزاً فنيّة ستظل تنبض بالحياة، تذكرنا دائماً بـ”العبقريّ” الذي كتب وجع الناس وعزف على أوتار الحقيقة. وداعاً زياد الرحباني، ستبقى في قلوبنا وذاكرتنا، ولن يزورك النسيان.

د. رنا هاني منصور

د. رنا هاني منصور دكتوراه في العلوم الاقتصادية- بنوك وتمويل أستاذ محاضر في الجامعة اللبنانية، كلية العلوم الاقتصادية وإدارة الأعمال- الفرع الأول أمينة سر جمعية الخبراء الماليين عضو في اللجنة العلمية للجمعية اللبنانية لتقدم العلوم عضو في اللجنة الإستشارية لمجلة جويدي للإبتكار والتنمية والإستثمار لها أكثر من 150 مقال في العديد من المواضيع المالية، الاقتصادية، السياسية والاجتماعية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى