اجتماعالاحدث

أفول القوميين العرب .. غياب في زمن الحضور ! | بقلم السفير رشاد فراج الطيب

لم تكن القومية العربية مجرّد تيار فكري أو شعار سياسي ، بل كانت مشروعاً نهضوياً حملته أجيال كاملة رأت فيه التعبير الأصدق عن إرادة الأمة في التحرر والوحدة واستعادة دورها التاريخي .

 

كان الحلم كبيراً ، وكانت رمزيته أكبر ، حتى بدا في لحظة ما أنه الإطار الجامع الذي ينهض به العرب جميعاً .

 

لكن الزمن دار دورته ، وتراجع التيار ، وتبدلت عناصر القوة التي كان يرتكز عليها ، وتعطلت المؤسسات التي صاغت خطابه ، فانكفأ القوميون العرب وغابت مواقفهم في اللحظة التي أصبحت فيها الأمة أحوج ما تكون إلى كل صوت حر .

 

فمنذ أواخر السبعينيات بدأت علامات الانحسار تظهر حين تحولت الأحزاب القومية إلى أجهزة بيروقراطية ثقيلة ، وانفصل القيادي عن قاعدته ، وغابت الحيوية الفكرية التي كانت توقد الشرارة وتخلق الوجدان السياسي المشترك .

 

وبعد أن توالي توقيع اتفاقيات السلام مع الكيان الصهيوني .. وظهرت رغبات الهرولة نحو التطبيع دون أن يكون مشروطا باحقاق الحقوق وإقامة الدولة الفلسطينية .

 

ثم جاء سقوط بغداد عام 2003 ليشكل لحظة كاشفة عن عمق الأزمة ، إذ انهارت إحدى أهم قواعد المشروع القومي ، فازداد التيار تشرذماً ، وتلاشى ما تبقى من قدرته على المبادرة ، ودخل في مرحلة من الجمود لا يزال أسيراً لها حتى اليوم .

 

ومع اشتداد توحش الصهيونية ، وتزايد مشاريع الهيمنة ، وتفاقم الاستبداد والقمع داخل العالم العربي ، وجد الناس أنفسهم يتساءلون ، أين التيار الذي كان يملأ الساحات ؟

أين أصحاب “الأمة الواحدة ذات الرسالة الخالدة” ؟

أين الناصريون الذين جعلوا تحرير فلسطين جوهر مشروعهم ؟

وأين البعثيون الذين رفعوا راية الوحدة والتحرر ؟

لقد أصبح الصوت القومي ضعيفاً ، متقطعاً ، موزعاً بين حرج الصمت وإكراهات الواقع السياسي ، لا يصل إلى الناس كما كان في سابق عهده ولا يعبر عن آمالهم كما كانوا ينتظرون إلا في الاجتماعات السنوية او المناسبات المتباعدة .

 

وحين اندفعت بعض الأنظمة نحو التطبيع وفتحت أبوابها أمام مشروعات الاندماج مع الكيان الصهيوني .

 

كان من الطبيعي أن يتوقع الناس موقفاً قومياً صلباً يواجه موجة الانحراف الكبرى هذه ، لكن الصوت غاب أو خفت حتى أصبح بلا أثر .

 

والشيء نفسه حدث أمام الإبادة الجماعية في غزة ، تلك اللحظة التي كشفت بشاعة المشروع الصهيوني ، وأظهرت للصديق والخصم أن القضية الفلسطينية لم تعد مسألة سياسية بل معركة وجود .

 

ومع ذلك ، لم يظهر التيار القومي بالحجم الذي يليق بتاريخ مواقفه ولا بالتضحيات التي قدمها أبناؤه في سبيل فلسطين .

 

والأمر ذاته ينسحب على السودان ، ذلك البلد الذي كان في قلب الدوائر القومية ، والمساند الأول لقضايا الأمة ، والمدافع عن هويتها ومصيرها .

 

ومع تعرض السودان لعدوان وتمزيق وتدخلات إقليمية خطيرة ، لم يجد موقفاً قومياً صلباً يقف إلى جانبه كما كان يحدث في العقود الماضية . وكأن السودان خرج فجأة من خارطة الوعي القومي رغم أنه أحد أعمدتها الثقافية والتاريخية والإنسانية .

 

وفي خضم هذا المشهد المعقد ، يصبح من غير الحكيم أن تُترك الأمة فريسة لاستقطاب عقيم بين التيار القومي والتيارات الإسلامية .

 

فالحقيقة أن بينهما مشتركات واسعة ، كلاهما يرى الأمة وحدة حضارية ، وكلاهما يواجه ذات الأخطار ، وكلاهما يتصدى للصهيونية والهيمنة والتفكيك ، وكلاهما يدرك أن العروبة والإسلام متداخلان في نسيج واحد ، لا يمكن فصله ولا اختزاله دون أن تتشقق هوية الأمة ذاتها .

 

وليس للأمة مصلحة في أي جفاء أو خلاف أو صراع بين هذين التيارين اللذين يمثلان أهم القوى الحية في مجتمعاتنا .

 

وقد أدرك الشيخ المفكر الراحل الدكتور حسن الترابي هذه الحقيقة مبكراً ، حين بادر إلى إنشاء المؤتمر الشعبي العربي والإسلامي ، في محاولة ناضجة وشجاعة لتجميع الإسلاميين والقوميين والليبراليين في صف واحد لمواجهة التحديات الكبرى .

 

كانت المبادرة آنذاك رؤية متقدمة عن زمانها ، لأنها حاولت أن تكسر الحواجز الأيديولوجية التي شتّتت الجهود وأضعفت الأمة عن مواجهة أعدائها الحقيقيين .

 

وما تزال تلك الفكرة التي تم وأدها و إلى اليوم أكثر إلحاحاً ، لأن التهديدات لم تعد تستثني أحداً ، ولأن المشروع الصهيوني والاستبداد والتدخلات أصبحت في أعلي درجات الغلو والاستعلاء تتغذى على كل انقسام وفراغ .

 

ومن المؤسف أن نري بعضا من القوميين وقد تخلوا عن مباديء الأفكار القومية ، وأصبحوا يتماهون تماما مع شعارات الغرب ورؤاه الليبرالية والرأسمالية وأصبحوا يحترفون التكسب من المنظمات الغربية التي بدورها تمتهن التمول من المتبرعين لبث الدعايات الغربية الكاذبة المدعية الدفاع عن حقوق الإنسان والديمقراطية في بلداننا المقهورة بفعل ازدواجية الغرب نفسه !
وامتهن بعضهم مناهضة التيارات الإسلامية والمقاومة خدمة للغرب وللمشروع الصهيوني من حيث يعلمون أو لايعلمون .

 

إن أفول القوميين العرب لا يعني سقوط الفكرة نفسها ، بل يعني أن حاملها التاريخي فقد القدرة على التجديد .

 

فالأمة لا تزال تحتاج إلى مشروع عربي جامع ، ولكن ليس بالشعارات القديمة بل برؤية جديدة تتأسس على الوعي بوحدة المصير ، وعلى التقاء العروبة بالإسلام ، وعلى استعادة المعنى الأخلاقي للسياسة ، وعلى مقاومة الاحتلال والظلم والهيمنة بكل أشكالها .

 

إن لحظة الانكسار الكبرى هذه ليست قدراً محتوماً ، بل دعوة لإعادة بناء المشروع العربي ، لا عبر التناحر بين التيارات ، بل عبر جمعها في جبهة واحدة تضع مصالح الأمة فوق كل اعتبار حتي تتمكن من النهوض من جديد بجهود احرارها المخلصين من التيارات كافة .

السفير رشاد فراج الطيب السراج

السفير رشاد فراج الطيب السراج. دبلوماسي. وباحث مهتم بالشؤون الدولية والتحولات الجيوسياسية في الشرق الأوسط وأفريقيا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى