الاحدثالشرق الاوسط

عدوان على إيران أم على الأمة الإسلامية والسلم الدولي ؟ | بقلم السفير رشاد فراج الطيب

قراءة في السياق الاستراتيجي وتداعيات الصراع  

ليس من الدقة السياسية ، ولا من النزاهة التحليلية ، اختزال المواجهة الجارية في كونها نزاعاً ثنائياً بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة ، وإيران من جهة أخرى. فمثل هذا التبسيط يُغفل السياق الأوسع ، ويتجاوز الطبيعة المركبة للصراع ، ويُسقط من الاعتبار البعد الاستراتيجي الذي يتجاوز الجغرافيا الإيرانية إلى فضاء العالمين العربي والإسلامي بل والفضاء الدولي بأكمله .

إن القراءة المتأنية لمسار الأحداث ، واستدعاء الخلفيات الفكرية والسياسية للقوى الفاعلة ، يقودان إلى نتيجة مفادها أن ما يجري هو جزء من مشروع ممتد ، تشكل عبر عقود داخل دوائر اليمين الصهيوني ، وتقاطعت معه مصالح وتوجهات تيارات يمينية إنجيلية متطرفة في الولايات المتحدة .

مشروع يستهدف ، في جوهره ، إعادة تشكيل الشرق الأوسط بما يضمن تفوقاً دائماً لإسرائيل ، ويُحيّد أو يُقصي كل قوة إقليمية يُحتمل أن تعترض هذا المسار .

وفي هذا الإطار ، لا يمكن فصل استهداف إيران عن موقعها في معادلة الصراع ، لا باعتبارها نموذجاً سياسياً يُحتذى ، ولكن بوصفها دولة أعلنت بدرجات متفاوتة رفضها للهيمنة الصهيونية ، ووقفت في وجه سياسات الاحتلال والتوسع والاستيطان ، وما يرتبط بها من مشاريع التهويد وتهجير الشعب الفلسطيني .

ومن ثم ، فإن استهدافها يصبح مفهوماً ضمن منطق “كسر الحلقات الصلبة” في الإقليم ، تمهيداً لإعادة ترتيب موازين القوى بما يخدم المشروع الصهيوني الأشمل .

لقد ظل الحديث عن “ الشرق الأوسط الجديد ” و“ إعادة هندسة المنطقة ” حاضراً في أدبيات هذا التيار ، مقروناً بتصورات لا تخفي طموحها إلى تكريس واقع جيوسياسي يسمح بتمدد النفوذ الإسرائيلي ، ويمنحها موقع المركز في منظومة إقليمية مفككة .

وفي هذا السياق ، يبرز خطاب “إسرائيل الكبرى” من البحر إلى النهر ليس كشعار دعائي فحسب ، بل كمرجعية فكرية تؤطر سياسات عملية على الأرض .

وإذا ما نظرنا إلى طبيعة هذه الحرب من زاوية القانون الدولي ، فإنها تفتقر إلى الأساس الشرعي الذي يمكن أن يمنحها صفة “ الحرب العادلة ” .

فهي حرب عدوان علي دولة مستقلة ذات سيادة لا تستند إلى تفويض دولي ، ولا تأتي في إطار دفاع مشروع بالمعنى القانوني ، بل تتعارض مع مبادئ ميثاق الأمم المتحدة ، خاصة ما يتعلق بحظر استخدام القوة وتهديد السلم والأمن الدوليين .

وهو ما يفسر ، إلى حد كبير ، حالة التحفظ أو الاستنكار التي صدرت عن قوى دولية عدة ، بما في ذلك أطراف أوروبية وشرقية تدرك مخاطر الانزلاق نحو فوضى استراتيجية أوسع ، وترفض الانخراط في غمارها أو تكون طرفا فيها.

وعليه ، فإن توصيف هذه الحرب باعتبارها “حرب إسرائيل” المدعومة من تيار يميني إنجيلي إمبريالي في الولايات المتحدة ، ليس توصيفاً دعائياً بقدر ما هو قراءة لواقع التحالفات والأجندات .

فثمة تلاقٍ واضح بين مشروع صهيوني يسعى إلى تثبيت الهيمنة الإقليمية ، وبين رؤية أمريكية يمينية متطرفة ترى في استخدام القوة وسيلة مشروعة لإعادة تشكيل النظام الدولي وفق مصالحها .

غير أن أخطر ما في هذا المسار لا يكمن في لحظته الراهنة فحسب ، بل في مآلاته المحتملة .

فإذا ما أفضت هذه المواجهة إلى انتصار هذا التحالف – لاقدر الله – فإن ذلك سيُفضي على الأرجح إلى مرحلة جديدة من الاستهداف الممنهج لدول أخرى في العالمين العربي والإسلامي ودول أخرى ، تحت ذرائع متعددة ، وسيكرّس منطق الهيمنة الأحادية ، ويمنح التيارات اليمينية المتطرفة زخماً إضافياً لفرض رؤيتها على النظام الدولي .

وفي المقابل ، فإن إدراك هذه الحقائق لا يستوجب بالضرورة الانخراط في المشروع الإيراني أو تبني خياراته السياسية .

فثمة تمييز لازم بين الموقف من السياسات ، والموقف من طبيعة الصراع .

إذ يمكن ، بل ينبغي ، رفض العدوان من منطلق مبدئي ، مع الاحتفاظ بمسافة نقدية من سياسات الأطراف المختلفة .

إن ما هو محل نظر ، في هذا السياق ، هو أن كسر هذا المخطط الصهيوني أياً كانت الجهة التي تتصدى له ، من شأنه أن يفتح أفقاً لنظام دولي أكثر توازناً ، ويحد من اندفاع مشروع الهيمنة ، ويمنح دول المنطقة مساحة أوسع للحركة والاستقلال في القرار .

وهو ما يجعل من نتيجة هذه المواجهة شأناً يتجاوز حدود إيران ، ليطال مستقبل التوازنات الدولية برمتها .

وعليه ، فإن المسؤولية لا تقتصر على الحكومات ، بل تمتد إلى النخب الفكرية والسياسية ، التي يقع على عاتقها تفكيك الخطاب السائد ، وإعادة تقديم قراءة واعية لطبيعة الصراع ، بعيداً عن التبسيط أو الاصطفاف غير المدروس .

كما أن للأحرار في العالم دوراً في مقاومة هذا المشروع ، دفاعاً عن مبادئ العدالة ، ورفضاً لسيادة منطق القوة المجردة والغطرسة.

خلاصة القول ، إن السؤال لم يعد : هل هو عدوان على إيران ؟ بل : إلى أي مدى يُشكّل هذا العدوان حلقة في مشروع أوسع يستهدف إعادة إخضاع المنطقة ، وتكريس نظام دولي أحادي القطب ؟

والإجابة في ضوء المعطيات ، تميل بوضوح إلى أن ما يجري هو اختبار لمستقبل الأمة ، ولموقعها في عالم يتشكل على وقع الصراعات الكبرى .

كما هو اختبار لكل العالم الحر وصدقية التزامه بشعارات ومواثيق الشرعية الدولية والحقوق المتساوية للدول والشعوب في العيش بسلام وكرامة دون هيمنة أو استعلاء من قوة غاشمة وظالمة .

السفير رشاد فراج الطيب السراج

السفير رشاد فراج الطيب السراج. دبلوماسي. وباحث مهتم بالشؤون الدولية والتحولات الجيوسياسية في الشرق الأوسط وأفريقيا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى