
في مشهد يكاد يفوق الخيال السياسي سخريةً وعبثاً، خرج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يدعو دول المنطقة إلى اغتنام “فرصة السلام” والانضمام إلى ما يسمى بـ« الاتفاق الإبراهيمي »، وذلك في أعقاب واحدة من أكثر الفترات دموية واضطراباً في تاريخ المعاصر للشرق الأوسط.
وكأن المطلوب من شعوب المنطقة بعد كل هذا الخراب أن تصفق للجلاد، ثم توقّع له شهادة حسن سلوك !
فبينما كانت سماء المنطقة مشتعلة بالصواريخ والطائرات والقاذفات، وكانت غزة تُسحق تحت الركام، ولبنان يُدفع نحو الانهيار، وإيران تُهدد حضارتها العريقة بالإزالة من الوجود، كان البيت الأبيض يفكر بكل برود استراتيجي في كيفية تحويل الدماء والحرائق إلى فرصة تسويق سياسي جديدة لمشروع التطبيع.
لقد بدا الأمر وكأن الإدارة الأمريكية تقول للعرب والمسلمين : “نحن نحطم الإقليم أمام أعينكم، ثم نمنحكم فرصة ذهبية للانضمام إلى نادي المنتصرين !”
أي منطق سياسي هذا ؟ وأي سلام يُولد من رحم القصف والتجويع والإبادة ؟
لقد تعرضت إيران، وهي دولة عضو في الأمم المتحدة وذات سيادة كاملة لعدوان عسكري مباشر، خارج أي تفويض قانوني أو غطاء أممي، في سابقة تؤكد أن النظام الدولي لم يعد تحكمه القوانين، وإنما موازين القوة والغطرسة العسكرية.
ثم جاء التهديد الأخطر والأكثر فجاجة، حين جرى الحديث عن “إزالة الحضارة الإيرانية من الوجود”، وكأننا عدنا إلى عصور الغزوات الإمبراطورية القديمة، حيث كانت الأمم تُمحى بقرار من إمبراطور غاضب أو جنرال منتشٍ بالقوة !
أما في قطاع غزة، فقد شاهد العالم واحدة من أبشع صور العقاب الجماعي في العصر الحديث :
مدن كاملة سويت بالأرض.
آلاف الأطفال والنساء والعجزة قُتلوا تحت الأنقاض.
تجويع ممنهج وحصار خانق.
تدمير المستشفيات والمدارس والبنية الأساسية.
تحويل الحياة الإنسانية إلى جحيم مفتوح.
ثم ويا للمفارقة يُطلب من الضحية أن توقع على “اتفاق سلام” مع من حاصرها ودمّرها !
لقد أصبح السلام في القاموس السياسي الجديد يشبه عقد إذعان : توقّع أولاً… ثم اسأل لاحقاً عن حدود دولتك وحقوق شعبك وكرامتك الوطنية.
بل إن الأمر تجاوز التطبيع التقليدي إلى ما يشبه “الدرع الإبراهيمي”، أي تحويل المنطقة إلى منظومة حماية أمنية وسياسية للكيان المحتل، بينما تبقى الشعوب العربية والإسلامية مطالبة فقط بدفع الفاتورة السياسية والاقتصادية والأخلاقية.
وفي لبنان، تكررت المأساة ذاتها : قصف واسع وتدمير للبنية التحتية و استهداف للمدنيين، وإغراق دولة صغيرة منهكة بالأزمات في مزيد من الانهيار والفوضى.
وكل ذلك جرى مرة أخرى بلا مسوغ قانوني واضح، وبلا احترام للقانون الدولي أو ميثاق الأمم المتحدة أو المبادئ التي طالما بشّرت بها القوى الغربية عن حقوق الإنسان وحق الشعوب في الحياة والسيادة.
لقد تحولت القواعد الدولية إلى مجرد شعارات للاستهلاك السياسي.
أما حين يتعلق الأمر بإسرائيل، فإن كل شيء يصبح مباحاً،
القصف مباح،
الحصار مباح،
التجويع مباح،
الاغتيال مباح،
والاحتلال نفسه يصبح “حقاً في الدفاع عن النفس” !
ثم يأتي من يحدثنا عن “السلام الإبراهيمي” !
إن أكثر ما يثير السخرية في هذه الدعوات أنها تُقدَّم وكأنها منحة تاريخية للعرب، بينما هي في حقيقتها محاولة لإعادة هندسة المنطقة وفق ميزان القوة وحده، وإجبار الجميع على الاعتراف بنتائج الحروب والإبادة والاحتلال كأمر واقع دائم.
فأي سلام هذا الذي يُقام فوق جماجم الأطفال ؟ وأي تطبيع هذا الذي يُولد من رحم المجازر ؟ وأي شراكة إقليمية تلك التي تبدأ بإلغاء حق شعب كامل في إقامة دولته المستقلة ؟
لقد جعلت الولايات المتحدة وإسرائيل العالم يسير بلا قواعد حقيقية.
عالمٌ تُعاقَب فيه بعض الدول لأنها احتلت شبراً، بينما تُكافأ دول أخرى رغم احتلالها المستمر لعقود.
عالمٌ تُفرض فيه العقوبات على الضعفاء، بينما تُمنح الحصانة المطلقة للأقوياء.
إن أخطر ما في هذه المرحلة ليس فقط الحروب ذاتها، بل محاولة تحويل نتائجها إلى نظام سياسي دائم، وإقناع شعوب المنطقة بأن الاستسلام هو الطريق الوحيد للسلام.
غير أن التاريخ يقول شيئاً مختلفاً، فالسلام الحقيقي لا يُبنى بالقهر، ولا بالتجويع، ولا بالإبادة، ولا بفرض الوقائع بالقوة العسكرية.
السلام الحقيقي يبدأ بالعدالة، واحترام حقوق الشعوب، والاعتراف المتبادل بالكرامة والسيادة الإنسانية المتساوية.
أما تحويل المنطقة إلى سوق مفتوح للخوف والابتزاز السياسي والبلطجة، ثم تسمية ذلك “اتفاقاً إبراهيمياً”، فهو أقرب إلى السخرية السوداء منه إلى أي مشروع سلام حقيقي.
وربما كان الأجدر بالسيد ترامب قبل أن يدعو الآخرين للتوقيع على اتفاقات جديدة أن يسأل أولاً، كيف يمكن للعالم أن يثق في نظام دولي تُكتب قواعده بالصواريخ، وتُفسَّر مبادؤه وفق هوية الضحية ؟




