اجتماعالاحدث

حين تستعيد الأمة حق السؤال والتفكير | بقلم السفير رشاد فراج الطيب

نايف بن نهار وضياء العوضي .. الاجتهاد في مواجهة التقليد والجمود

في كل مرحلة من مراحل التاريخ تظهر شخصيات وأفكار تخرج عن المألوف ، لا لأنها تبحث عن الشهرة أو الإثارة ، وإنما لأنها تمتلك الجرأة على مساءلة المسلمات التي اعتاد الناس التعامل معها بوصفها حقائق نهائية لا تقبل النقاش .

وتكون قيمة هذه الظواهر الفكرية في كثير من الأحيان أكبر من قيمة النتائج التي تنتهي إليها لأنها تحرك
المياه الراكدة ، وتوقظ العقل من سباته ، وتعيد فتح أبواب الاجتهاد التي أوصدتها العادة أو الخوف أو سلطان النموذج السائد .

ومن هذا المنظور يمكن النظر إلى ظاهرتي الدكتور نايف بن نهار والدكتور ضياء العوضي بوصفهما نموذجين مختلفين في المجال والتخصص ، ولكنهما يلتقيان في نقطة جوهرية تتمثل في الجرأة على إعادة طرح الأسئلة الكبرى ، والتمرد على حالة الاستسلام الفكري التي أصبحت سمة بارزة في كثير من مجتمعاتنا العربية والإسلامية .

لقد جاء نايف بن نهار من بوابة الفكر والنقد الحضاري وأسئلة الهوية والمعرفة ، بينما جاء ضياء العوضي من بوابة الطب والتغذية والصحة العامة .

لكن كليهما انطلق من ملاحظة واحدة مفادها أن كثيراً مما نتعامل معه اليوم باعتباره حقائق نهائية أو مناهج مكتملة إنما هو في الحقيقة اجتهادات بشرية قابلة للنقد والمراجعة والتصويب .

فعلى امتداد العقود الماضية ترسخت في العالم العربي حالة من التسليم شبه المطلق بمخرجات النموذج الغربي المعاصر ، ليس فقط في العلوم الطبيعية والتقنية ، وإنما كذلك في الفلسفة والاجتماع والسياسة والاقتصاد وأنماط الحياة .

وتحول كثير من النخب إلى مجرد وسطاء ينقلون ما ينتجه الآخرون ، بدلاً من أن يكونوا شركاء في إنتاج المعرفة أو مراجعة منطلقاتها ومآلاتها .

والعجيب أن بعض الناقلين والمقلدين الرافضين للاجتهاد والتجديد أشد تمسكاً ودفاعاً عن تلك المنقولات من أهلها الذين أنتجوها ، وباستماتة مدهشة .

وفي هذا السياق برز نايف بن نهار داعياً إلى إعادة النظر في كثير من المفاهيم المؤسسة للوعي الحديث ، ومساءلة المرجعيات الفلسفية والحضارية التي تشكل رؤيتنا للإنسان والدين والتاريخ والمجتمع .

لم يكن مشروعه دعوة إلى القطيعة مع العالم أو الانغلاق على الذات ، وإنما دعوة إلى التحرر من التبعية الفكرية والانقياد الأعمى ، واستعادة حق الأمة في النظر والاجتهاد وإنتاج المعرفة من داخل منظومتها القيمية والحضارية .

أما ضياء العوضي فقد خاض معركته في ميدان مختلف ، حين دعا إلى مراجعة كثير من المسلمات المتعلقة بالغذاء والصحة وأنماط المعيشة الحديثة ، وأعاد فتح أسئلة ظن كثيرون أنها حسمت نهائياً .

وقد اتفق معه البعض واختلف معه آخرون ، لكن الأثر الأهم الذي أحدثه يتمثل في تحفيز الناس على التفكير ، والخروج من حالة التلقي السلبي ، والبحث عن العلاقة بين الفطرة والصحة وأسلوب الحياة .

وليس المقصود هنا الحكم بصحة جميع الأطروحات أو تبني كل ما قيل في هذا السياق ، فذلك شأن يقرره الدليل والبحث العلمي والنقاش الموضوعي .

وإنما المقصود الإشارة إلى قيمة أعمق تتمثل في إعادة الاعتبار لفكرة الاجتهاد نفسها ، وفي كسر الاحتكار الذي تمارسه أحياناً بعض المؤسسات أو النخب على حق التفكير وإنتاج الرأي .

فالمجتمعات الحية لا تتقدم عبر الإجماع المصطنع ، ولا عبر إغلاق أبواب النقاش ، وإنما تتقدم عندما تتعدد الاجتهادات وتتنافس الأفكار وتتلاقح الرؤى .

وما دام النقاش منضبطاً بأدب الحوار ومنهج العلم واحترام الحقائق ، فإنه يمثل مصدر قوة لا مصدر تهديد .

ولعل الخطأ الذي وقعت فيه أمتنا خلال العقود الأخيرة أنها تأرجحت بين نوعين من التقليد؛ تقليد الماضي دون تجديد ، وتقليد الحاضر الغربي دون نقد .

وفي الحالتين غاب العقل المنتج ، وحضر العقل المستهلك .

فأصبحنا نستورد النظريات كما نستورد السلع ، ونستعير الحلول كما نستعير الأدوات ، دون أن نسأل أنفسنا : هل هذه الحلول صالحة لواقعنا ؟ وهل تعبر عن احتياجاتنا ؟ وهل تنطلق من منظومتنا القيمية والثقافية ؟

إن مجتمعاتنا العربية والإسلامية ليست في حاجة إلى مزيد من الحفظ والتلقين ، بقدر حاجتها إلى مزيد من العقول الحرة والمجتهدة والباحثة عن حلول أصيلة وفعالة تتناسب مع ظروفها وتحدياتها الخاصة .

فمشكلاتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لا يمكن أن تُحل دائماً عبر وصفات جاهزة صُنعت لبيئات أخرى وتجارب أخرى .

وما نجح في الغرب ليس بالضرورة صالحاً لكل زمان ومكان ، كما أن ما نجح في الشرق ليس قدراً محتوماً على بقية الأمم .

لقد أرهقت أمتنا لعقود طويلة موجات من الاستيراد الفكري والسياسي والاقتصادي ، مرة باسم الليبرالية ، ومرة باسم الاشتراكية ، ومرة باسم العولمة ، ومرة باسم الحداثة وما بعدها .

وفي كل مرة كان يُطلب منها أن تتخلى عن خصوصيتها لتلتحق بقطار الآخرين .

لكن النتيجة لم تكن نهضة حقيقية ، بل مزيداً من التبعية والارتباك وفقدان الثقة بالذات .

والحقيقة أن هذه الأمة ليست أمة هامشية في التاريخ حتى تعيش على موائد الآخرين الفكرية والحضارية .

إنها أمة تملك من الطاقات البشرية والموارد المعرفية والرصيد الحضاري ما يؤهلها لتكون شريكاً في صناعة المستقبل لا مجرد متفرج عليه .

وهي أمة شرفها الله تعالى بحمل رسالة عالمية ، ووصفها بأنها خير أمة أخرجت للناس ، وجعل بين يديها كتاباً هو خاتم الكتب السماوية ، وأرسل إليها نبياً هو خاتم الأنبياء والمرسلين ، بما يحمله ذلك من مسؤولية حضارية وأخلاقية تجاه الإنسان والكون والحياة .

ومن هنا فإن استعادة روح الاجتهاد والإبداع ليست ترفاً فكرياً ، وإنما ضرورة وجودية وحضارية .

ولعل تاريخ هذه الأمة يقدم البرهان العملي على هذه الحقيقة ، فحين كانت أبواب الاجتهاد مفتوحة ، لم يكتف المسلمون بحفظ ما أنتجه غيرهم من الأمم أو ترجمة علوم السابقين ، بل انطلقوا إلى آفاق أرحب من الإبداع والإضافة والتجديد .

ففي الطب برز الرازي وابن سينا والزهراوي وابن النفيس ، وفي الرياضيات والفلك لمع الخوارزمي والبتاني والبيروني والطوسي ، وفي الكيمياء وضع جابر بن حيان أسس المنهج التجريبي ، بينما أحدث ابن الهيثم ثورة معرفية في علم البصريات ومنهج البحث العلمي ، وقدم الإدريسي في الجغرافيا ، وابن خلدون في العمران والاجتماع ، وكذلك برز ابن رشد والغزالي في الفلسفة والفكر واصول المعرفة اسهامات سبقت عصرها وما زالت محل تقدير ودراسة حتى يومنا هذا .

ولم يكن سر هؤلاء أنهم أحسنوا تقليد من سبقهم ، وإنما أنهم امتلكوا الجرأة على السؤال والبحث والتجريب والمراجعة ، فكانوا منتجين للمعرفة لا مجرد ناقلين لها ، وصناعاً للحضارة لا مجرد متفرجين عليها .

ومن اللافت أن معظم هؤلاء الأعلام لم يكونوا أسرى لتخصص ضيق أو أفق محدود ، بل جمعوا بين علوم متعددة وتحركوا بثقة بين العقل والوحي ، وبين النظر والتجربة ، وبين الأصالة والانفتاح على العالم .

ولذلك لم تدخل أسماؤهم سجل الخلود لأنهم أحسنوا التلقي ، وإنما لأنهم أحسنوا الاجتهاد والإبداع وأضافوا إلى الرصيد الإنساني ما جعل الحضارة الإسلامية شريكاً أصيلاً في صناعة التاريخ الإنساني لا تابعاً له .

ولعل المتأمل في تاريخ الحضارة الإسلامية يلاحظ أن أعظم عصور الإبداع لم تكن عصور الإجماع الجامد ، وإنما عصور التنوع والاجتهاد وتعدد المدارس الفكرية والعلمية .

ففي تلك الأزمنة لم يكن العلماء يخشون مراجعة المألوف ، ولم تكن الأسئلة الجديدة تُقابل بالمصادرة أو الاتهام ، بل كانت تُستقبل بالنقاش والاختبار والتمحيص .

ومن رحم ذلك المناخ ولدت المدارس الفقهية ، وتطورت علوم الطب والفلك والرياضيات والعمران ، وأسهم المسلمون في بناء واحدة من أعظم التجارب الحضارية في التاريخ الإنساني .

وإذا كان بعض المفكرين في العصر الحديث قد تحدثوا عن نهاية التاريخ وعن النموذج الإنساني الأخير ، فإن أمتنا تملك من المقومات الروحية والأخلاقية والمعرفية ما يجعلها قادرة على تقديم نموذج إنساني أكثر توازناً وعدلاً وإنسانية ؛ نموذج يجمع بين العقل والوحي ، وبين الحرية والمسؤولية ، وبين التقدم المادي والسمو الأخلاقي ، وبين حقوق الفرد ومصالح الجماعة .

لهذا فإن ظواهر مثل نايف بن نهار وضياء العوضي ، مهما اختلف الناس حولها ، ينبغي ألا تُقابل بالتخوين أو المصادرة أو الحجر الفكري ، كما لا ينبغي أن تُرفع فوق النقد والمراجعة .

فالطريق الصحيح هو الحوار، والنقاش ، والاحتكام إلى البرهان والحجة والدليل .

فالأفكار لا تُهزم بالقمع ، ولا تنتصر بالضجيج ، وإنما تتقدم أو تتراجع بقدر ما تملكه من قوة الإقناع وقدرتها على الصمود أمام الاختبار .

إن النهضة التي تنتظرها أمتنا لن يصنعها المقلدون ، وإنما يصنعها المجتهدون .

ولن تبدأ من تكرار الإجابات القديمة أو استيراد الإجابات الجاهزة ، وإنما من امتلاك الشجاعة لطرح الأسئلة الصحيحة ، والثقة في قدرة هذه الأمة على أن تفكر بنفسها ، وتجتهد لنفسها ، وتنتج حلولها بنفسها ، وتسهم من جديد في إثراء الحضارة الإنسانية كما فعلت في أزهى عصورها .

وحين تستعيد الأمة هذه الثقة ، وتفتح أبواب الاجتهاد والإبداع أمام أبنائها ، فلن تكون مجرد تابع في ذيل الأمم ، بل ستعود إلى موقعها الطبيعي شريكاً في صناعة التاريخ ، ومسهماً فاعلاً في رسم مستقبل الإنسانية .

السفير رشاد فراج الطيب السراج

السفير رشاد فراج الطيب السراج. دبلوماسي. وباحث مهتم بالشؤون الدولية والتحولات الجيوسياسية في الشرق الأوسط وأفريقيا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى