الاحدثالشرق الاوسط
كيف نجح د. الترابي في إعادة بناء مفهوم وحدة الأمة عبر المؤتمر الشعبي العربي والإسلامي | بقلم السفير رشاد فراج الطيب
قراءة في أهم تجارب الاجتماع السياسي في العصر الحديث

مثّلت تجربة العلامة الشيخ المفكر د. حسن الترابي في تأسيس ما عُرف بـ« المؤتمر الشعبي العربي والإسلامي » واحدةً من أكثر المبادرات الفكرية والسياسية جرأةً وفرادَةً في التاريخ السياسي المعاصر للعالمين العربي والإسلامي .
وقد تواصلت دوراته خلال التسعينات وكان أبرزها الدورة الثالثة التي انعقدت في الخرطوم خلال الفترة من ٣٠ مارس الي ٢ أبريل ١٩٩٥م بمشاركة واسعة وملفتة من أحزاب وجماعات وشخصيات عربية وإسلامية وربما مراقبين وضيوف أجانب وإعلام كثيف.
فلم تكن مجرد إطار تنظيمي عابر ، ولا تحالفاً سياسياً تقليدياً محدود الأهداف ، وإنما كانت محاولة لإعادة تعريف معنى الأمة في عصر التمزق واعادة تعريف العمل الجماعي المشترك ، وإحياء مفهوم الاجتماع الإسلامي علي قاعدة المقاصد الكبرى لا علي قاعدة التطابق الكامل في الرؤى والانتماءات والمذاهب والمواقف السياسية.
وقد جاءت هذه المبادرة في لحظة تاريخية بالغة الحساسية ؛ إذ كانت الأمة تعيش حالة انكسار استراتيجي عقب سقوط كثير من مشاريع التحرر والوحدة ، وتصاعد الهيمنة الغربية ، وتزايد الاختراق الصهيوني ، وتفجر الصراعات الداخلية بين الأنظمة والحركات ، بل وبين التيارات الإسلامية نفسها .
وفي خضم هذا الشتات الفكري والسياسي ، طرح الترابي رؤية مغايرة تقوم علي أن الواجب الشرعي والسياسي لا يقتضي إزالة الخلاف أولاً حتى يتحقق الاجتماع ، بل يقتضي الاجتماع علي القدر الممكن من المشتركات لمواجهة الأخطار الوجودية التي تستهدف الأمة جميعاً.
ومن هنا تأسست فكرة المؤتمر علي قاعدة مركزية عميقة في فقه السياسة الشرعية ، وهي أن وحدة المقصد مقدَّمة علي وحدة التنظيم ، وأن الاجتماع علي الضروريات والكليات أولى من التنازع حول الجزئيات والخلافيات ، وأن الوحدة السياسية للأمة واجب وفريضة مع وجود الاختلافات المذهبية والحزبية والسياسية .
ولذلك جمع المؤتمر طيفاً واسعاً من المسلمين علي اختلاف مدارسهم ومذاهبهم وجماعاتهم سنة وشيعة ، وجمع بين الإسلاميين والقوميين والمفكرين وقادة الحركات السياسية والمقاومة مسلمين ومسيحيين ، بل وحتى شخصيات كانت علي خلاف جذري مع حكوماتها أو مع غيرها من المشاركين .
وكان الجامع الأعظم بينهم هو قضية فلسطين ، ونصرة المقدسات ، ومقاومة الهيمنة الأجنبية ، والدفاع عن استقلال الأمة وهويتها الحضارية .
لقد انطلقت المبادرة من فهم سوسيولوجي عميق للسنن القرآنية الحاكمة لحركة الاجتماع البشري والصراع الحضاري .
فالقرآن الكريم قرر أن التفرق سبب للضعف والهزيمة وذهاب القوة ، فقال تعالى :
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ ، وهي آية تؤسس لفقه الوحدة علي قاعدة المرجعية العليا المشتركة ، لا علي قاعدة التطابق الكامل بين البشر ، إذ إن الاختلاف سنة من سنن الله في خلقه ، لكن المذموم هو التنازع الذي يؤدي إلى الفشل وذهاب الريح .
ولذلك قال تعالى أيضاً :
﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ .
كما استندت الفكرة إلي إدراك دقيق لقانون التحالفات والصراعات في العالم ، وهو ما أشارت إليه الآية الكريمة :
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ .
فالآية تشير بوضوح إلى أن أهل الباطل ـ رغم تناقضاتهم ـ يدركون ضرورة التنسيق والتناصر لتحقيق مصالحهم الكبرى ، وأن تقاعس أهل الحق عن بناء صيغ التعاون والتناصر يؤدي إلى الفتنة والفساد واختلال موازين القوة في الأرض .
ومن هنا كان المؤتمر الشعبي العربي والإسلامي محاولة لبناء حد أدنى من التوالي الحضاري والسياسي بين قوى الأمة المختلفة .
وفي ميزان فقه المقاصد ، يمكن النظر إلى التجربة باعتبارها سعياً لحفظ الضرورات الكبرى للأمة : حفظ الدين والهوية ، وحفظ الأرض والمقدسات ، وحفظ الاستقلال السياسي ، ومنع التبعية والاختراق الخارجي .
فالترابي لم يكن ينظر إلى السياسة بوصفها مجرد تنافس علي السلطة ، بل باعتبارها أداة لتحقيق المصالح الكلية ودفع المفاسد العامة .
ولذلك تجاوزت المبادرة الحسابات القطرية الضيقة ، وحاولت إعادة الاعتبار لفكرة الأمة باعتبارها وحدة حضارية متكاملة تتجاوز الحدود السياسية المصطنعة .
وكان من أهم ما ميّز هذه التجربة أنها أدركت مبكراً أن الصراع في المنطقة لم يعد مجرد خلافات داخلية بين أنظمة وشعوب ، بل أصبح صراعاً علي هوية المنطقة ومستقبلها وموقعها في النظام الدولي .
ولذلك تحولت قضية فلسطين داخل المؤتمر من مجرد قضية سياسية إلى محور جامع للوعي الإسلامي والعربي ، ورمز لوحدة الأمة ومركزية الصراع الحضاري مع المشروع الصهيوني والاستعماري .
ومن الناحية العملية ، مثّل المؤتمر سابقة غير معهودة ؛ إذ جمع علي منصة واحدة كما ذكرنا حركات إسلامية سنية وشيعية ، وقوميين ويساريين ولبراليين ، ومعارضين وحكومات ، في محاولة لتكوين فضاء حواري واستراتيجي مشترك .
وهذه التجربة بالذات تعبّر عن عمق فقه الواقع الذي حكم مرتكزاتها ؛ لأن إدارة التنوع والاختلاف أصبحت من أعظم تحديات الأمة الحديثة ، ولا يمكن لأي مشروع نهضوي أن ينجح إذا جعل التطابق الكامل شرطاً للتعاون .
غير أن التجربة ـ رغم عمقها الفكري ـ ورغم ما اكسبت السودان من شرف المحاولة وارتقت به مكانا عليا في ريادة العمل الوحدوي العربي والإسلامي، الا انها واجهت تحديات هائلة ، داخلية وخارجية .
حيث عارضت أطراف من داخل حكومة الإنقاذ في السودان المبادرة من حيث الشكل والمدي ، واعتبرت انها تجر البلاد الي المزيد من العداوات والضغط من قبل بعض العواصم سواء علي مستوي الجوار والإقليم أو علي المستوي الدولي .
حيث أثارت المبادرة بالفعل قلق قوى دولية وإقليمية رأت فيها محاولة لتشكيل فضاء إسلامي عابر للحدود يمكن أن يهدد ترتيبات النفوذ القائمة .
كما واجهت مقاومة من بعض الأنظمة والحكومات التي كانت تتحسس من أي تجمع شعبي أو فكري يتجاوز الشرعيات الرسمية القائمة .
إضافة إلى ذلك ، فإن التناقضات الحادة بين مكونات الأمة ، والصراعات المذهبية والسياسية ، والتجاذبات الدولية ، كلها عوامل حدّت من قدرة المشروع علي التحول إلى مؤسسة استراتيجية دائمة التأثير والوجود والاستمرار .
ومع ذلك ، فإن القيمة الحقيقية لهذه التجربة لا تُقاس فقط بنتائجها التنظيمية المباشرة ، وإنما بكونها محاولة مبكرة لإحياء فقه « الائتلاف الحضاري » داخل الأمة ، وتقديم نموذج عملي لفكرة الاجتماع علي المشتركات الكبرى .
لقد أراد الترابي أن ينقل الأمة من منطق « إدارة الخلاف » فقط إلى منطق « بناء المشترك » ، وأن يرسخ فكرة أن الأمة لا يمكن أن تواجه تحدياتها المصيرية وهي غارقة في صراعاتها الثانوية .
واليوم ، وبعد عقود من التمزق والحروب والاستقطابات الحادة ، تبدو تلك الفكرة أكثر راهنية وجدوي من أي وقت مضى .
فالأمة التي تتنازعها المشاريع الإقليمية والدولية ، وتواجه محاولات التفكيك والاختراق ، لا تزال بحاجة إلى استعادة فقه الاجتماع والتناصر والتكامل ، وإلى بناء صيغ جديدة من التعاون تقوم علي المقاصد العليا والمصالح الكلية ، لا علي العصبيات الضيقة والانقسامات المستدامة .
لقد كانت تجربة المؤتمر الشعبي العربي والإسلامي ، في جوهرها ، محاولة لإعادة اكتشاف المعنى والمقصود السياسي لقوله تعالى :
﴿إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ .
ومحاولة لإثبات أن الاجتماع ـ ولو علي الحد الأدنى من التوافق ـ ليس خياراً سياسياً فحسب ، بل فريضة حضارية وضرورة شرعية تفرضها سنن التدافع وبقاء الأمم وتحقيق مقاصد السياسة الشرعية والأوامر الربانية .




