ازمة لبنانالاحدث

قانون معالجة الفجوة الماليّة: مصير ودائع المئة ألف دولار | بقلم د. رنا منصور

إنّ النقاش الدائر اليوم حول مشروع قانون معالجة الفجوة الماليّة في لبنان ليس نقاشاً تقنيّاً أو مصرفيّاً فحسب، بل هو نقاش يتصل مباشرة بمصير الاقتصاد اللبنانيّ، وبحقوق المودعين، وبقدرة الدولة على استعادة الثقة، وبمدى قدرة البلاد على الصمود في ظل الخناق الاقتصاديّ المتزايد نتيجة الحرب وتداعياتها الإقليميّة، ولاسيّما إذا استمر التصعيد في المنطقة وامتدت الحرب على إيران حتى عام 2027.
يقف لبنان أمام ثلاثة تحديّات متزامنة: فجوة ماليّة ضخمة داخل النظام المصرفيّ، واقتصاد مُنهك بفعل الإنكماش والحرب وتراجع مصادر الدولار الأمريكيّ، ومخاطر خارجيّة ناتجة عن ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب التجارة العالميّة. وهذه العوامل، إذا اجتمعت من دون خطة إنقاذ واضحة، قد تدفع البلاد إلى مرحلة أشد قسوة من تلك التي بدأت عام 2019.
أولاً: قانون الفجوة الماليّة… محاولة لتنظيم الخسائر لا لإلغائها
مشروع قانون معالجة الفجوة الماليّة، أو ما يُسمّى أيضاً قانون الإنتظام الماليّ واستعادة الودائع، يأتي في جوهره لمحاولة تنظيم الخسائر التي تراكمت منذ الإنهيار الماليّ. فالمشكلة الأساسيّة أنّ النظام الماليّ اللبنانيّ لم يعد قادراً على الإيفاء بكامل التزاماته تجاه المودعين، لأنّ الفجوة بين الموجودات والمطلوبات كبيرة جداً، وتتوزّع مسؤوليتها بين الدولة، ومصرف لبنان، والمصارف التجاريّة، وبدرجة أقل بين كبار المودعين الذين استفادوا من فوائد مرتفعة خلال سنوات الهندسات الماليّة.
تكمن أهميّة هذا القانون في أنّه يحاول للمرة الأولى وضع إطار رسميّ لتحديد حجم الخسائر وتوزيعها، بعدما بقيت الأزمة لسنوات تُدار بالتعاميم، والسحوبات المحدودة، والقيود غير القانونيّة على الودائع. لكن في المقابل، لا يمكن إنكار أنّ المشروع يواجه اعتراضات حادة، خصوصاً من جمعيّة المصارف وبعض كبار المودعين، الذين يعتبرون أنّه يُحمّل المصارف والمودعين أعباء خسائر تسبّبت بها الدولة ومصرف لبنان بصورة أساسيّة.
وهنا لا بد من التأكيد أنّ أي حل عادل لا يُمكن أن يقوم على مبدأ تحميل الحلقة الأضعف وحدها الكلفة. فالمودع، ولا سيما صاحب الوديعة الصغيرة والمتوسطة، لا يجوز أن يتحوّل إلى كبش محرقة لانهيار نتج عن سياسات ماليّة ونقديّة خاطئة، وعن عجز مزمن في الماليّة العامة، وعن توظيفات مصرفيّة عالية المخاطر، وعن غياب الرقابة والمحاسبة.
ثانياً: مصير ودائع المئة ألف دولار
النقطة الأكثر حساسيّة في مشروع القانون تتعلّق بمصير الودائع التي تبلغ 100 ألف دولار أميركيّ أو أقل. وبحسب الطرح المتداول، فإنّ هذه الودائع يُفترض أن تُعاد إلى أصحابها خلال فترة تمتد إلى أربع سنوات، لجميع المودعين دون استثناء، على أن تُعامل المبالغ التي تتجاوز هذا السقف بطريقة مختلفة، من خلال تحويلها إلى سندات طويلة الأجل تمتد بين 10 و20 عاماً، مع حسم سنويّ بعد السنة الرابعة.
من حيث المبدأ، إن إعطاء أولوية لودائع المئة ألف دولار وما دون هو أمر منطقيّ اجتماعيّاً واقتصاديّاً، لأنّ هذه الفئة تمثّل شريحة واسعة من المودعين، وغالباً ما تضم مدخرات عائلات، وتعويضات نهاية خدمة، وأموالاً مخصّصة للتعليم والطبابة والسكن. لكن السؤال الأساسيّ يبقى: من أين ستأتي السيولة؟
إذا لم يكن هناك تمويل واضح، وإعادة رسملة جديّة للمصارف، ومساهمة فعليّة من الدولة، وتحديد دقيق لمسؤوليّة مصرف لبنان والمصارف، فإنّ وعد إعادة ودائع المئة ألف دولار خلال أربع سنوات قد يتحوّل إلى التزام نظريّ يصعب تنفيذه عمليّاً.
لذلك، يجب أن يكون القانون واضحاً في ثلاث نقاط:
1. تحديد مصادر الدفع: هل ستأتي من أصول الدولة؟ من أرباح مستقبليّة؟ من مساهمات المصارف؟ من إعادة هيكلة ميزانيّة مصرف لبنان؟ أم من دعم خارجيّ مرتبط باتّفاق مع صندوق النقد الدوليّ؟
2. حماية صغار المودعين فعليّاً: لا يكفي القول إنّ الودائع ستُعاد، بل يجب تحديد جدول زمنيّ ملزم وآلية دفع شفافة.
3. عدم المساس بالذهب أو أصول الدولة السياديّة بطريقة عشوائيّة: لأن استخدامها يجب أن يكون ضمن خطة إنقاذ وطنيّة لا ضمن سياسة ترقيعيّة جديدة.
بمعنى آخر، إنّ مصير ودائع المئة ألف دولار مرتبط ليس فقط بنص القانون، بل بمدى قدرة الدولة على تطبيقه، وبمدى توافر السيولة، وبمدى نجاح إعادة هيكلة القطاع المصرفيّ.
ثالثاً: بين حق المودع ومسؤوليّة الدولة والمصارف
لا يمكن معالجة الفجوة الماليّة بمنطق “قسمة الغرماء” فقط، أي توزيع الخسائر بين الجميع بشكل حسابيّ بارد. المطلوب قبل توزيع الخسائر هو تحديد المسؤوليّات. فالدولة هي المدين الأكبر، وقد راكمت العجز والإستدانة لسنوات طويلة. ومصرف لبنان إعتمد سياسات ماليّة ونقديّة كلّفت الاقتصاد خسائر هائلة. والمصارف التجاريّة استثمرت بكثافة في دين الدولة ولدى مصرف لبنان طمعاً بالفوائد المرتفعة، من دون احترام كافٍ لقواعد إدارة المخاطر. أمّا المودع العاديّ، فكان يثق بالنظام المصرفيّ وبالدولة وبمصرف لبنان. لذلك، من غير العادل مساواته بالجهات التي صنعت الأزمة أو استفادت منها.
من هنا، فإنّ أي قانون لا يتضمّن محاسبة، وتدقيقاً جنائيّاً، وفرزاً بين الأموال المشروعة وغير المشروعة، وإعادة رسملة حقيقيّة للمصارف، ودمجاً أو تصفية للمصارف غير القابلة للإستمرار، سيكون قانوناً ناقصاً، وقد يؤدي إلى شرعنة الخسائر بدلاً من حلّها.
رابعاً: إقتصاد لبنان تحت الخناق
في موازاة الأزمة المصرفيّة، يواجه الاقتصاد اللبنانيّ خناقاً متزايداً بسبب الحرب على لبنان وانعكاساتها على الثقة والاستثمار والسياحة والتحويلات والصادرات. فلبنان بلد صغير ومكشوف، يعتمد على الإستيراد، وعلى تحويلات المغتربين، وعلى الموسم السياحي، وعلى تدفق الدولار النقديّ إلى السوق.
ومع استمرار الحرب، تزداد المخاطر في أكثر من اتّجاه:
– تراجع حاد في الإيرادات السياحيّة، قد يتجاوز 75%.
– إنخفاض تحويلات المغتربين، خصوصاً من دول الخليج إذا اتّسعت رقعة التوتر.
– ضعف الصادرات نتيجة اضطراب النقل والتأمين والأسواق.
– إرتفاع كلفة الإستيراد، ولاسيّما الغذاء والدواء والمحروقات.
– إنكماش اقتصاديّ قد يتجاوز 8% إذا طال أمد الحرب.
– إرتفاع البطالة والفقر، وتراجع القدرة الشرائيّة.
صحيح أنّ مصرف لبنان نجح نسبيّاً في الحفاظ على استقرار نقديّ هش من خلال ضبط الكتلة النقديّة بالليرة اللبنانيّة، وامتصاص السيولة، والحد من المضاربة، لكن هذا الإستقرار لا يعني أنّ الإقتصاد بخير. هو أقرب إلى استقرار إداريّ أو نقديّ مضبوط، لا إلى تعافٍ اقتصاديّ حقيقيّ.
فالإحتياطيّ بالعملات الأجنبيّة، رغم أنّه يُقدّر بنحو 11.5 مليار دولار، ليس كلّه متاحاً للإستخدام، إذ إنّ جزءاً كبيراً منه يعود فعليّاً إلى أموال المودعين. كما أنّ الإلتزامات الشهريّة، سواء عبر تعاميم السحب أو مدفوعات القطاع العام، تضغط تدريجيّاً على هذا الإحتياط. وبالتالي، إذا استمرت الحرب وتراجعت مصادر الدولار، فإنّ هامش المناورة سيتقلّص.
خامساً: أثر الحرب على إيران وارتفاع أسعار الطاقة حتى العام 2027
إذا استمرت الحرب على إيران حتى العام 2027، فإنّ لبنان لن يكون أمام أزمة محليّة فقط، بل أمام صدمة عالميّة في الطاقة والتضخم وسلاسل الإمداد. فتعطّل الملاحة في مضيق هرمز، أو تهديد شحنات النفط والغاز من الخليج، قد يؤدي إلى ارتفاع كبير في أسعار النفط. وإذا وصلت الأسعار إلى نطاق 125 دولاراً للبرميل أو أكثر، كما تحذّر بعض السيناريوهات الدوليّة، فإنّ ذلك سيعني إرتفاعاً مباشراً في كلفة الطاقة والنقل والغذاء.
أما إذا ذهبت الأسعار إلى مستويات أعلى، مثل 150 أو حتى 200 دولار للبرميل في سيناريو شديد السوء، فإنّ العالم قد يدخل في ركود واسع، وستكون الدول المستوردة للطاقة، مثل لبنان، من الأكثر تضرّراً.
بالنسبة للبنان، إرتفاع النفط لا يعني فقط إرتفاع سعر صفيحة البنزين أو المازوت. بل يعني:
– إرتفاع كلفة الكهرباء الخاصة والمولدات.
– إرتفاع أسعار النقل.
– إرتفاع كلفة الإنتاج الزراعيّ والصناعيّ.
– ارتفاع أسعار الغذاء المستورد.
– تراجع القدرة الشرائيّة.
– زيادة الطلب على الدولار لتمويل الإستيراد.
– ضغط إضافيّ على ميزان المدفوعات.
وهنا تكمن الخطورة: لبنان لا يملك شبكة أمان اجتماعيّ كافيّة، ولا احتياطاً كبيراً قابلاً للإستخدام، ولا قطاعاً مصرفيّاً طبيعيّاً، ولا قدرة إنتاجيّة تكفي لتعويض الإستيراد. لذلك، فإن أي صدمة نفطيّة طويلة ستتحوّل بسرعة إلى تضخم داخليّ، وربما إلى اضطراب في سعر الصرف.
سادساً: هل يرتفع سعر صرف الدولار في لبنان؟
السؤال الأبرز اليوم هو: هل يمكن أن يرتفع سعر صرف الدولار في لبنان مجدّداً؟
الجواب الواقعيّ هو: نعم، الإحتمال قائم، لكنه ليس حتميّاً في المدى القصير إذا استمر مصرف لبنان في ضبط السيولة ولم تحصل صدمة كبرى في السوق.
حاليّاً، إنّ استقرار سعر الصرف يستند إلى عوامل عديدة:
– إنخفاض الكتلة النقديّة بالليرة.
– تراجع القدرة على المضاربة.
– سياسة امتصاص السيولة من مصرف لبنان.
– دفع الضرائب بالليرة، ما يدفع بعض المكلّفين إلى بيع الدولار.
– غياب طلب كبير ومفاجئ على الدولار حتى الآن.
– إستخدام حذر للإحتياطات.
لكن هذا الإستقرار يبقى هشّاً. فإذا استمرت الحرب، وتراجعت التحويلات والسياحة، وارتفعت فاتورة الإستيراد بسبب النفط، وزاد الطلب على الدولار كملاذ آمن، فقد يتعرّض سعر الصرف لضغط كبير.
أمّا الحديث عن تحرير كامل لسعر الصرف، فهو مسألة شديدة الخطورة. ففي اقتصاد طبيعيّ، تحرير سعر الصرف قد يساعد على توحيد الأسعار ووقف استنزاف الإحتياطيّ. أمّا في لبنان، حيث الثقة ضعيفة، والمصارف شبه معطّلة، والاقتصاد مدولر، والدولة عاجزة عن إنتاج خطة إنقاذ متكاملة، فإنّ التحرير غير المدروس قد يؤدّي إلى قفزة حادة في سعر الدولار.
لذلك، فإنّ انتقال الدولار من مستويات تقارب 89 ألف ليرة إلى 150 أو 200 ألف ليرة ليس مستحيلاً إذا حصلت صدمة سياسيّة أو عسكريّة أو نقديّة كبيرة. أمّا الحديث عن مستويات 500 ألف ليرة، فهو سيناريو شديد السلبيّة، يرتبط بفقدان السيطرة النقديّة، أو توقّف تدفّق الدولار، أو تحرير عشوائيّ لسعر الصرف، أو انهيار الثقة بالكامل.
إنّ قانون الفجوة الماليّة قد يكون بداية مسار إنقاذ، لكنه لن يكون حلّاً سحريّاً. فاستعادة ودائع المئة ألف دولار ممكنة فقط إذا توافرت الإرادة السياسيّة، والسيولة، والشفافيّة، والمحاسبة، وإعادة هيكلة جديّة للمصارف. أمّا إذا جرى تمرير القانون كأداة لتوزيع الخسائر من دون تحديد المسؤوليّات، فسيكون مجرّد محاولة لإقفال دفتر الأزمة على حساب المودعين.
في المقابل، فإنّ مصير الاقتصاد اللبناني بات مرتبطاً بعاملَيْن متلازمَيْن: الإصلاح الداخليّ والإستقرار الإقليميّ. فلا يمكن إنقاذ الليرة ولا حماية الودائع ولا إعادة بناء الثقة في ظل حرب مفتوحة، وارتفاع عالميّ في أسعار الطاقة، وانقطاع مصادر الدولار.
يعيش لبنان اليوم استقراراً نقديّاً مضبوطاً، لكنه ليس استقراراً مضموناً. وإذا استمرت الحرب حتى العام 2027، وارتفعت أسعار النفط، وتراجعت التحويلات والسياحة، فإنّ الضغط على الليرة سيزداد، وقد يصبح ارتفاع سعر صرف الدولار مسألة وقت لا أكثر.
لذلك، المطلوب ليس فقط قانوناً للفجوة الماليّة، بل خطة إنقاذ وطنيّة شاملة تبدأ من تحديد الخسائر والمسؤوليّات، وتحمي صغار المودعين، وتعيد هيكلة المصارف، وتضبط الماليّة العامة، وتؤمّن اتفاقاً واضحاً مع المؤسسات الدوليّة، وتحمي لبنان من التحول إلى ساحة مفتوحة لأزمات الآخرين.

د. رنا هاني منصور

د. رنا هاني منصور دكتوراه في العلوم الاقتصادية- بنوك وتمويل أستاذ محاضر في الجامعة اللبنانية، كلية العلوم الاقتصادية وإدارة الأعمال- الفرع الأول أمينة سر جمعية الخبراء الماليين عضو في اللجنة العلمية للجمعية اللبنانية لتقدم العلوم عضو في اللجنة الإستشارية لمجلة جويدي للإبتكار والتنمية والإستثمار لها أكثر من 150 مقال في العديد من المواضيع المالية، الاقتصادية، السياسية والاجتماعية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى