كيف يمكن لإيران مساعدة الصين لتجنب الوقوع في فخ ثيوسيديدز التقليدي، لوراثة النظام الدولي | بقلم حيدر المنصوري
كسارة البندق الإيرانية لتكسير أصابع الهيمنة الأمريكية

التوصيف الدقيق للتوفيق بين الأيديولوجيا الثورية مع البراغماتية الإيرانية هو الانفصام الاستراتيجي. حيث تستخدم إيران العقلية الأيديولوجية الثورية لقلب الطاولة على النظام العالمي الظالم وفق منظورها. وفي نفس الوقت تستخدم البراغماتية لتثبيت مكانتها في نفس النظام العالمي الذي تريد قلب طاولته.
تمزج إيران بين رغبة عقائدية ثورية في صدمة النظام الدولي الحالي ومحاولة تدمير أسسه الظالمة لتفكيك الهيمنة الغربية لإثبات وجودها من جهة. وبين حاجة حيوية للبقاء والاعتراف بها كقوة إقليمية طبيعية داخل هذا النظام من جهة أخرى.
لابد أولاً -من أجل فهم هذا التناقض- من فهم الفرق بين العقلية الروسية المتمردة التي تريد قلب الطاولة تماما، والعقلية الصينية التي تريد وراثة النظام الحالي.
فهم هذا الأمر يجعلنا نعرف كيف ولماذا تتصرف الدول بهذه الطريقة.
مقارنة بين العقلية الروسية والصينية:
في الفلسفة الاستراتيجية العميقة (Grand Strategy) التي تحرك كلاً من بكين وموسكو في مواجهة النظام الدولي الحالي نجد هذا التباين الجوهري في العقلية والأسلوب وهو ما يجعل الصين منافساً نظامياً ذكياً للولايات المتحدة، بينما تبدو روسيا كقوة تخريبية متمردة.
الصين لا تحاول تدمير الوضع القائم على المؤسسات الدولية الحالية بل تحاول وراثة قيادته من الولايات المتحدة، بينما على النقيض تماما تحاول روسيا تغيير القواعد كاملة لأنها لم تكن يوماً جزءاً من المؤسسات الدولية وتشعر ان هذه المؤسسات وجدت لتدميرها.
الفروق الجوهرية بين العقلية الصينية والروسية في التعامل مع النظام الدولي والمؤسسات القائمة:
العقلية الصينية: الوارث الذكي للنظام القائم
الصين لا تريد هدم المعبد، بل تريد الجلوس على سدة عرشه وإدارته لحسابها الخاص، وذلك لعدة أسباب.
فهي ابنة النظام الاقتصادي العالمي. بكين تدرك أن صعودها التاريخي المذهل ليصبح اقتصادها الثاني عالمياً، لم يكن ليحدث لولا النظام الليبرالية الجديدة الذي أرسيت قواعده في ثمانينيات القرن المنصرم ومؤسسات النظام الرأسمالي العالمي (منظمة التجارة العالمية، البنك الدولي، صندوق النقد الدولي) وتأسيس الشركات العابرة للقارات مما سهل دخول رأس المال الاستثماري القادم من الغرب وتحويل الصين لمصنع العالم.
الصين مستفيدة من العولمة، ولذلك تحمي الاستقرار لأنه يضمن تدفق صادراتها واستثماراتها. وتداخل اقتصادها مع اقتصادات دول العالم وخصوصا الدول الغربية.
استراتيجية التسلل وإعادة الصياغة:
بدلاً من مقاطعة الأمم المتحدة ومؤسساتها، نجحت الصين في العقود الأخيرة في السيطرة تدريجياً على قيادة العديد من الوكالات المتخصصة التابعة للأمم المتحدة مثل منظمة الأغذية والزراعة FAO، والاتحاد الدولي للاتصالات. هي تريد قيادة هذه المؤسسات من الداخل لتغيير المعايير الدولية والقوانين تدريجياً لصالح نموذجها السلطوي، مستبدلةً الهيمنة الأمريكية بهيمنة صينية ناعمة.
الصبر الاستراتيجي البوذي:
تؤمن العقلية الصينية بالزمن الطويل. هم يرون أن أمريكا تضعف وتتراجع داخلياً وخارجياً بفعل ديونها وصراعاتها السياسية، وبالتالي فإن القيادة ستؤول إلى الصين حتماً كإرث طبيعي دون الحاجة لتدمير الهيكل الدولي وصدمة العالم بحروب كبرى. ودون الحاجة للصدام معها بل تركها تنزف حتى تنهار.
العقلية الروسية: المخرب اليائس الذي يشعر بالحصار.
على النقيض تماماً، تتصرف روسيا بعقلية اللاعب الذي يريد قلب طاولة الشطرنج لأن القواعد لم تُكتب لمصلحته أبداً. السبب في ذلك يكمن في:
عقدة المهانة بعد الحرب الباردة:
تشعر روسيا أن المؤسسات الدولية الحالية (وتحديداً حلف الناتو، والمؤسسات المالية الغربية) صُممت في الأساس بعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991 لعزلها، وتطويقها، ومنعها من استعادة مكانتها كقوة عظمى.
الاقتصاد الريعي المعزول:
على عكس الصين، روسيا ليست دولة مصنعة مندمجة في سلاسل الإمداد العالمية المعقدة؛ اقتصادها يعتمد بشكل أساسي على تصدير النفط والغاز والسلاح. لذلك، فإن فرض العقوبات الغربية عليها يفصلها عن النظام المالي تماماً (مثل نظام سويفت وبورصات الغرب)، مما يعزز قناعتها بأن هذه المؤسسات هي أسلحة جيوسياسية موجهة لتدميرها، ولا أمل في إصلاحها. وهو ما يتفق مع العقلية الثورية الإيرانية.
تبعية الموارد (Resource Dependency)
الورقة القوية في السياسة الخارجية الروسية هي تبعية الموارد (Resource Dependency) كأداة استراتيجية لتحقيق نفوذ جيوسياسي وتمويل ميزانيتها، وهو ما يُعرف في الأدبيات السياسية بـدولة الريع النفطي أو جيوسياسية الطاقة.
إستخدمت روسيا هذه الورقة لتدعيم موقعها العالمي ولقلب الطاولة على النظام القائم الذي تشعر فيه بالظلم من خلال الطاقة كسلاح جيوسياسي للضغط على أوروبا.
إمدادات الغاز الطبيعي عبر شبكات الأنابيب (مثل نورد ستريم) تستخدمها روسيا للضغط السياسي على الدول الأوروبية.
وكذلك لجذب الدول الآسيوية لشراء النفط وتقليل الإعتماد على المزودين الآخرين في الشرق الأوسط. توظف روسيا الأزمات في الشرق الأوسط لإقناع المشترين الآسيويين كاليابان وكوريا للإعتماد عليها كمورد قريب ورخيص.
العقلية العسكرية الصارمة:
تؤمن النخبة الحاكمة في موسكو بأن القوة العسكرية المباشرة (الصلبة) وخلق الفوضى في مناطق النفوذ (مثل أوكرانيا، والشرق الأوسط، وإفريقيا) هي الطريقة الوحيدة لإجبار الغرب على الاعتراف بها كقطب دولي. هم لا يملكون نفساً طويلاً للانتظار، بل يفضلون كسر القواعد الحالية لفرض واقع جديد بالقوة.
الانفصام البراغماتي الصيني الحذر: كسارة البندق الإيرانية.
تدير بكين حالياً واحدة من أكثر المناورات الدبلوماسية تعقيداً في التاريخ الحديث عبر تبني استراتيجية الانفصام البراغماتي الحذر.
فالصين تسعى لموازنة علاقتها الجيوسياسية مع روسيا (شريكتها في كسر الهيمنة الغربية) من جهة، وشريكتها التجارية الكبرى أمريكا من جهة أخرى، لضمان استقرار نموها الاقتصادي.
أما مع إيران فبكين ترى في تورط واشنطن في حرب مكلفة وطويلة مع إيران هدية استراتيجية لاستنزاف الخصم دون مواجهته. فكل صاروخ توماهوك تطلقه أمريكا في طهران هو قطعة سلاح تنقص من مخازنها في بحر الصين الجنوبي وتجاه تايوان.
تترك الصين لإيران مهمة تكسير أصابع الهيمنة الأمريكية. بالنسبة لبكين، إيران الان هي كسارة بندق قوية؛ فهي التي تدفع الثمن البشري والمادي لإضعاف الدولار وكسر هيبة الحصار الأمريكي، بينما تكتفي الصين بتقديم الدعم التكنولوجي والمالي من خلف الستار، وستكون من أكبر المستفيدين من إندثار الهيمنة الأمريكية في المستقبل.
هذه البراغماتية في المشهد الحالي (مايو 2026) حيث تستخدم الصين فن الحرب دون قتال لتجنب الصدام والوقوع في فخ ثيوسيديدز التقليدي. تطبق الصين حرفياً مقولة سون تزو: إذا رأيت عدوك يرتكب خطأً، فلا تقاطعه.
بالنسبة للصين، بقاء الحرب بين إيران والولايات المتحدة في حالة الاستعصاء هو الوضع المثالي. إذا انتصرت واشنطن بسرعة، ستعود لتركيز قوتها ضدهما. إذا انهارت إيران تماماً، ستسود فوضى قد تضر بطريق الحرير الصيني.
لذا، هي -وروسيا كذلك- يدعمان إيران بما يكفي لعدم السقوط، ويراقبان واشنطن وهي تغرق ببطء في رمال المنطقة المتحركة.
فواشنطن تخوض حرباً لتثبيت إمبراطورتيها، بينما الصين وروسيا تديران عملية وراثة هادئة لهذه الإمبراطورية عبر استنزاف قدراتها اللوجستية والمالية.
تحليل الاستراتيجية الإيرانية وموقعها المتأرجح بين العقلية الروسية التخريبية والعقلية الصينية الوارثة
الوجه الثوري الإيراني: التماهي مع العقلية الروسية (هدم القواعد).
في شقها العقائدي العسكري، تقف إيران قريبة جداً من الرؤية الروسية؛ حيث تشعر بالعداء الوجودي تجاه المؤسسات الدولية التي يسيطر عليها الغرب وتعاني من نفس المشاكل التي تعاني منها روسيا بسبب سياسة العقاب الذي ينتهجه الغرب ضدها. فقد قام الغرب بعزلها منذ زمن بعيد وعزل إقتصادها عن الاقتصاد العالمي عبر:
عقدة الحصار والعقوبات:
ترى طهران أن النظام المالي العالمي (مثل نظام سويفت والدولار)، والوكالة الدولية للطاقة الذرية، ومجلس الأمن، هي أدوات صممتها أمريكا خصيصاً لخنق ثورتها ومنعها من امتلاك عناصر القوة والردع.
محور المقاومة وحرب الوكالة:
تماماً مثل روسيا في أوكرانيا، تفضل إيران استخدام القوة الصلبة، وزعزعة الاستقرار، ودعم المليشيات المسلحة في المنطقة (في اليمن، ولبنان، والعراق، وسوريا) لفرض واقع جيوسياسي جديد بالقوة، وإجبار الغرب على التراجع والاعتراف بنفوذها.
التحالف العسكري مع موسكو:
تبلور هذا التماهي في تزويد روسيا بآلاف المسيرات والصواريخ، حيث يرى الطرفان أنهما يخوضان حرباً مشتركة لكسر الأحادية القطبية الأمريكية.
الوجه البراغماتي الإيراني: التماهي مع العقلية الصينية (الشرعية والبقاء)
في المقابل، تدرك الدولة الإيرانية (خاصة الجناح الدبلوماسي والتكنوقراطي) أن العزلة التامة والانفجار الشامل يعنيان انهيار الاقتصاد والداخل الإيراني. لذا، تحاول تقليد التسلل الصيني الناعم:
البحث عن الشرعية عبر المؤسسات الموازية:
سعت إيران بقوة للانضمام إلى التكتلات التي تقودها الصين وروسيا لإعادة صياغة النظام الدولي؛ فأصبحت عضواً رسمياً في منظمة شنغهاي للتعاون ومجموعة بريكس.
هي تريد أن تكون جزءاً من نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب ومحمي من العقوبات الأمريكية، وليس العيش في عزلة كليّة ككوريا الشمالية.
اتفاقية الـ 25 عاماً مع بكين:
وقعت طهران شراكة استراتيجية ضخمة مع الصين لضمان تدفق الاستثمارات في البنية التحتية والطاقة، والاعتماد على اليوان الصيني لتجاوز الدولار، رغبةً في بناء اقتصاد صلب ومستدام يفرض نفسه على الساحة الدولية.
المعضلة الإيرانية: فخ المفاوضات والاعتراف الغربي
التناقض الأكبر في استراتيجية إيران يكمن في أنها، ورغم تحالفها مع الصين وروسيا، لا تزال تتوق لعقد صفقة مع الغرب. وربما رفضت تضمين بعض الفقرات الدفاعية في اتفاقياتها مع هذين الحليفين أملاً في الحصول على اتفاق نووي يضمن لها بعض الاستقلالية النووية والجيو-إستراتيجية دون الوقوع في حضن الحليفين تماما.
إرث الاتفاق النووي (JCPOA):
طوال السنوات الماضية، ورغم كل شعارات الموت لأمريكا، ظلت طهران تفاوض واشنطن والأوروبيين لرفع العقوبات والعودة للاتفاق النووي. إحساسا منها بالرغبة في الاندماج المشروط. فإيران لا تريد تدمير النظام الرأسمالي العالمي، بل تريد انتزاع اعتراف غربي بها كقوة إقليمية مهيمنة، والسماح لها ببيع نفطها بالدولار بحرية، والوصول إلى التكنولوجيا والأموال المجمدة في البنوك الغربية، ولكن بشروطها وبدون التخلي عن نفوذها العسكري.
المنطقة الرمادية بين روسيا والصين:
تقع إيران في المنطقة الرمادية بين روسيا والصين؛ فهي تستخدم السلاح الروسي لتهديد الأمن الجيوسياسي لربيب أمريكا (إسرائيل وحلفائها في المنطقة)، وتستخدم المال والتكتلات الصينية لتحصين نفسها اقتصادياً.
كل ذلك بهدف واحد: رفع تكلفة مواجهتها أمام واشنطن، حتى تجلس أمريكا معها في النهاية وتمنحها الشرعية والبقاء الذي تطمح إليه داخل النظام الدولي.
الإستراتيجية الإيرانية: المناورة في مثلث القوى العظمى.
كان يمكن لإيران التي تتوق لاعتراف دولي بها أن تكون حليفا مخلصا للغرب لو أن الغرب عرف كيف يتعامل معها من منطق المصالح الاقتصادية وأهمية موقعها الجيو إستراتيجي وتاريخها الممتد كحلقة وصل عالمية بين الحضارات، بدل أن ينظر لها بعيون الكيان الصهيوني.
ولو رفع عنها الحصار وسمح بتداخل اقتصادها مع الاقتصادات الغربية لذابت إيران وانصهرت داخل بوتقة النظام العالمي الحالي ومؤسساته الغربية بدون الحاج للصدام معها.
معرفة العقلية الإيرانية مهمة جدا لفهم أن الصدام ومعاقبة إيران وعدم منحها موقعا في النظام العالمي -وهو ما تعتبره حقها الطبيعي- هو الذي يقوي جبهتها الداخلية ويعزز سيطرة الأيديولوجية الثورية في قرارها ضد أعدائها في الخارج.
فطهران تتوق لاعتراف أوروبي-أمريكي بها وسبق أن تعاملت ببراغماتية مطلقة في أوج ثوريتها، عندما احتاجت لمزود أسلحة أثناء الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينيات من القرن المنصرم، وقامت بالفعل بشراء أسلحتها والذخيرة وكثير من معدات الصيانة من إسرائيل.
كان يمكن تفعيل هذه البراغماتية لكسبها كحليف -أو على الأقل عدم معاداتها- لضمان حيادها. كما حصل أيام الحرب الباردة حين حُدد دورها بمنع الإتحاد السوفيتي من التمدد للوصول للمياه الدافئة.
ولو تعامل الغرب معها من هذا المنطق لَضمِن ولائها، لكن الغرب فضل النظر إليها بعيون إسرائيلية ولذلك وصلنا إلى ما وصلنا إليه اليوم.
ولهذا وبعد إنكسار عروة الثقة بينها وبين الغرب، تعمل طهران على توظيف موقعها الجيو-إستراتيجي وتحالفاتها مع كل من الصين وروسيا لمنع إدارة دونالد ترامب من فرض سياسة الضغط الأقصى الشاملة مجدداً عليها.
استراتيجية ايران الراهنة تعتمد على محاور واضحة:
استراتيجية المضيق خير من ألف صديق. والمضيق وقت الضيق.
استراتيجية إيران للاستقلال البراغماتي وحماية نفسها من صفقات الكبار، يمكن اختزالها بهذه المقولة التي تعبر بعمق عن الفلسفة الأمنية الإيرانية القائمة على الاعتماد التدميري المتبادل والاستقلال البراغماتي الصارم عن القوى الكبرى.
تدرك طهران، عبر قراءة دقيقة للتاريخ والواقع الحالي أن الصداقات الدبلوماسية مع قوى عظمى مثل الصين أو روسيا هي علاقات متقلبة ومحكومة بالمصالح الأنانية لتلك الدول.
إن الضمانة الوحيدة لمنع تحولها إلى ورقة مساومة هي امتلاك قدرة ذاتية على إيذاء العالم بأكمله إذا تعرضت هي للأذى.
سمحت إيران بمرور سفن تجارية صينية أثناء زيارة ترامب لبكين ولكنها منعت سفينة عسكرية صينية للحماية من المرور عبر المضيق، وهذه رسالة واضحة للصين أنها لن تسمح أن تكون على قائمة الطعام -من الآن وصاعدا- ولابد أن يكون لها مكان على الطاولة. أو تقلب الطاولة على الجميع في ورقة مضيق هرمز. ويجب الاعتراف بالمضيق كشأن امني عسكري إيراني داخلي وليس دولي.
المضيق كسلاح ردع ذاتي غير قابل للبيع.
الصديق (سواء كان الصين أو روسيا) يمكنه تغيير موقفه، أو الامتناع عن استخدام الفيتو، أو قطع العلاقات الدبلوماسية في أي قمة دولية. أما السيطرة الجغرافية والنارية على مضيق هرمز (الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط والغاز العالمية) فهي أصل استراتيجي ثابت لا يمكن لأحد سحبه من إيران.
ورقة المضيق حولت إيران إلى لاعب دولي مستقل لا يتبع للمعسكر الشرقي ولا المعسكر الغربي، ولابد من أخذ مصالحها بنظر الاعتبار.
فهو يمنح إيران قدرة على معاقبة أي دولة تتعرض للمصالح الإيرانية مثل -تجميد أموالها- عبر معاقبة واعتراض وحجز ومصادرة سفنها التي تعبر من المضيق، لتحصيل أموالها من تلك الدول.
إيران تقول للقوى الكبرى والصاعدة من خلال هذه الاستراتيجية: إذا نجحت مساوماتكم في خنقي اقتصادياً أو سمحتم لإسرائيل بضربي، فلن أموت وحدي؛ سأغلق المضيق، ليرتفع سعر برميل النفط إلى مستويات فلكية، مما يدمر الاقتصاد العالمي بأكمله وصناعات الصين واستقرار أمريكا. معادلة الردع الانتحاري هذه تعني القدرة على تفجير الوضع عالمياً مما يمنع الكبار من التضحية بها.
سياسة شعرة معاوية:
معاوية بن أبي سفيان، في مقولته الشهيرة: لو أن بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت، كانوا إذا مدوها أرخيتها، وإذا أرخوها مددتها. تعتمد إيران هذه السياسة من أجل إدارة الأزمات الكبرى (Crisis Management) فهي تبقي مصالحها مترابطة مع الدول كافة وخصوصا دول الجوار. وتترك خطوط الاتصال الساخنة مفتوحة للحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة مع القوى العظمى وكذلك مع دول المنطقة لتجنب التصعيد العسكري غير المقصود ضدها، في ذروة الخلافات.
الذبح بالقطنة:
السياسة الإيرانية المعروفة شعبياً بـ الذبح بالقطنة (أو الموت بآلاف الجروح) هو أفضل تجسيداً حياً لهذه الاستراتيجية، حيث ترتكز على استنزاف الولايات المتحدة الأمريكية عسكرياً واقتصادياً ببطء وهدوء، تمهيداً لإضعاف هيمنتها العالمية.
مفهوم الذبح بالقطنة كمصطلح مستوحى في العُرف السياسي من أسلوب التخلص من الخصم دون إحداث جلبة أو إثارة ردود فعل عنيفة وفورية. سياسياً، يعني تجنب مواجهة الجيش الأمريكي ترسانة لترسانة، والاستعاضة عن ذلك بإنشاء بؤر توتر مستمرة ومنخفضة الكثافة للإبقاء على لاستنزاف مستمر، عبر شبكة من الفاعلين الإقليميين (الحلفاء والوكلاء). الهدف هو إجبار واشنطن على البقاء في حالة استنفار دائم، وإنفاق مليارات الدولارات لمواجهة تهديدات منخفضة التكلفة.
في نفس الوقت تقوم بالفصل بين الملفات. هذا الجانب من الدبلوماسية البراغماتية يديرها التيار البراغماتي في الإدارة الإيرانية، من أجل الحفاظ على الحياد الإيجابي تجاهها لضمان عدم دخولهم في حرب ضدها إلى جانب إسرائيل.
كذلك تسمح لدول كثيرة (مثل قوى الشرق الأوسط أو جنوب شرق آسيا) بتقديم عروض الوساطات الدولية لكسب الوقت، واختبار صبر الطرف الآخر. حيث تسمح لدول لتقديم وساطتها مثل قطر، وعمان، وباكستان للاحتفاظ بعلاقات مقبولة مع جميع الأطراف في المنطقة.
إبريق الشاي: استغلال النفط كورقة حماية مع بكين:
تدرك إيران أن مصافي النفط المستقلة في الصين (المعروفة باسم إبريق الشاي) تعتمد على النفط الإيراني الرخيص المخفض السعر.
طهران تستخدم هذه التبعية الاقتصادية لضمان قيام بكين بصد أي محاولات أمريكية في مجلس الأمن لفرض عقوبات أممية خانقة.
ابتزاز الغرب بـ الارتماء الكامل في حضن روسيا:
تبعث إيران برسائل واضحة لواشنطن والأوروبيين بأن استمرار عزلها سيدفعها لتزويد موسكو بتقنيات صاروخية وعسكرية أكثر تدميراً عما قُدم سابقاً في حرب أوكرانيا، مما يعني تحول إيران إلى مغذٍ رئيسي لتهديد الأمن الأوروبي.
مكمن خطورة المقايضة على إيران بين بكين و واشنطن.
هنا يظهر خطر المساومة الكبرى بين ترامب وشي جين بينغ، فالرئيس الأمريكي يتعامل كسمسار عقارات ويطالب بالتخلية الكاملة للعقار، فهو يبحث عن انتصار سريع في الشرق الأوسط يضمن خفض التصعيد وحماية مصالح حلفائه (إسرائيل ودول الخليج) في ملف من أعقد ملفات السياسة الجيو-إستراتيجية في مواجهة عقلية حائك السجاد الصبور.
وهذا ما سيدفعه لتقديم تنازلات كبيرة لبكين قبل إيران لإرضاء غروره الكاذب بالنصر.
قد يعرض ترامب على الصين تخفيف قيود الرسوم الجمركية أو غض الطرف جزئياً عن مبيعات الرقائق الإلكترونية لتايوان، في مقابل أن تقوم بكين بـ خنق إيران اقتصادياً عبر التوقف عن شراء نفطها والضغط على قيادتها السياسية لتقديم تنازلات جوهرية لإسرائيل وأمريكا.
إيران لا تريد أن تجد نفسها مجرد ورقة تفاوضية يتم التضحية بها على طاولة القوى العظمى. ولذلك تجد نفسها اليوم في موقف معقد للغاية؛ حيث تقع استراتيجيتها القومية في قلب التناقض الفلسفي والجغرافي بين حليفيها الدوليين الأكبر. روسيا (التي تريد هدم النظام الدولي القائم) والصين (التي تريد وراثة قيادته والحفاظ على استقراره التجاري).
ولذلك فهي تجمع بين هذين التناقضين في سياستها. وربما وجدت فيهما تناغما للتوفيق بين سياستها الخارجية والداخلية، بين المحورين الداخليين الذين يديران السياسة الإيرانية. الأيديولوجيا الثورية التي يديرها المتشددون والبراغماتية التي يديرها المعتدلون.
هذا التناقض يفرض على طهران إدارة استراتيجية شديدة الحذر والمناورة للبقاء، وتتلخص معالم هذه الاستراتيجية في النقاط التالية:
استغلال روسيا كـ درع عسكري لتوليد الردع:
عبر التماهي مع رغبة موسكو في الفوضى، تدرك إيران أن روسيا المستبعدة من النظام الدولي بحاجة ماسة لشركاء يشتتون انتباه الولايات المتحدة. لذا، تستخدم طهران هذا التوجه لتبادل التكنولوجيا العسكرية الحساسة (مثل تزويد روسيا بالمسيرات والصواريخ مقابل الحصول على مقاتلات سوخوي-35 وأنظمة دفاع جوي متطورة)، مما يقوي موقف إيران العسكري في الشرق الأوسط.
ورقة حرق الأوراق المتطرفة:
تستخدم إيران تحالفها مع روسيا كرسالة تهديد مبطنة للغرب، مفادها أنه إذا تم قمعها بالكامل، فستتحول إلى دولة مارقة بالكامل تشارك روسيا في تدمير الاستقرار الإقليمي والأوروبي دون أي قيود.
استغلال الصين كـ شريان حياة اقتصادي يحميها من السقوط
عبر الاتكاء على الحاجة الصينية للاستقرار وتنويع مواردها النفطية. تدرك إيران أن الصين لا تريد حروباً كبرى في الشرق الأوسط تفجر أسعار الطاقة أو تعطل طرق التجارة وبناء حزام واحد طريق واحد. لذلك، تحاول إيران تسويق نفسها لبكين كـ قوة مسؤولة يمكنها ضبط استقرار مضيق هرمز وإمدادات النفط إذا منحتها الصين الحماية الاقتصادية والسياسية.
الاحتماء بالفيتو الدبلوماسي:
تعتمد إيران على رغبة الصين في التسلل الهادئ للمؤسسات الدولية. ومن خلال انضمامها لـ بريكس ومنظمة شنغهاي، تضمن طهران غطاءً سياسياً يحول دون إجماع مجلس الأمن الدولي على فرض عقوبات أممية خانقة ضدها، مستفيدة من حاجة بكين لعدم تمدد النفوذ الأمريكي في الخليج.
معضلة التضحية: الخوف الإيراني من الخيانة البراغماتية
تكمن العقدة الكبرى في الاستراتيجية الإيرانية في علمها بأنها قد تكون ضحية لـ فجوة الأولويات بين روسيا والصين، فروسيا تريد التصعيد، حيث تفضل موسكو بقاء إيران في حالة صراع مستمر مع أمريكا وإسرائيل لأن ذلك يسحب الذخائر والتركيز الأمريكي بعيداً عن جبهة أوكرانيا.
بينما الصين تريد التهدئة. حيث تفضل بكين أن تتوصل إيران لصفقة أو تهدئة مع إدارة دونالد ترامب لحماية الاستثمارات الصينية الضخمة وسلاسل الإمداد العالمية.
الخوف من المقايضة الكبرى:
خشية طهران حالياً من أن تنجح قمة بكين الحالية بين ترامب وشي جين بينغ في صياغة صفقة تجارية قليلة إن لم نقل معدومة، للأسباب التي ذكرتها.
فالصين لن تقوم بخنق حلفائها لمجرد إرضاء ترامب. وهي تريد أن يراها العالم وريثة عادلة للنظام الدولي الحالي ولذلك لن تلجأ لنفس أسلوب الإمبراطورية الجريحة المنهارة التي تتخلى عن حلفاءها. وخصوصا انها تراها محاولة يائسة للتقرب من أمريكا ورئيسها البائس.
الهروب من فخ التبعية المطلقة لروسيا أو الصين
تتوجس إيران تاريخياً من القوى الكبرى، وترى أن الارتماء الكامل في أحضان أي منها يمثل انتحاراً سياسياً. ولذلك تعلم طهران أن بكين شريك تجاري بارد وبراغماتي؛ فالصين تشتري النفط الإيراني بخصومات هائلة مستغلة العقوبات، لكنها في ذات الوقت تمتلك استثمارات أضخم بمليارات الدولارات في دول الخليج العربية. لذا، تدرك إيران أن الصين لن تحارب أمريكا من أجلها، وتتخوف أن تبيعها لترامب مقابل صفقة جمركية أو قضية تايوان.
كما تدرك إيران أن موسكو تستخدمها كمشتت للانتباه الأمريكي في الشرق الأوسط لتخفيف الضغط عنها في أوكرانيا. واستفادتها اقتصاديا من ارتفاع أسعار النفط والغاز بعد أن كان اقتصادها على وشك الانهيار، وروسيا تاريخياً تخلت عن حلفائها أو أجَّلت تسليم صفقات سلاح استراتيجية لإيران (مثل أنظمة S-300 سابقاً) لترتيب علاقاتها مع واشنطن وإسرائيل.
الموازنة الدقيقة بين المطرقة والسندان:
تتبع إيران استراتيجية تسمى الموازنة الدقيقة بين المطرقة والسندان؛ فهي ترفض الارتماء الكامل في حضن الراديكالية الروسية حتى لا تخسر الصين وتدمر أي فرصة مستقبلية لرفع العقوبات الغربية عنها، وفي ذات الوقت لا تعتمد كلياً على الوعود الاقتصادية الصينية الباردة التي قد تبيعها في أول صفقة كبرى مع واشنطن. لذلك، تظل إيران متمسكة بـ المضيق كصديق مخلص لها إضافة لمحور المقاومة وقدراتها الصاروخية الذاتية كضمانة أخيرة لبقائها.
لكي لا تعتمد على ألف صديق خارجي، أنشأت إيران شبكة من الأصدقاء المخلصين عقائديا لها داخل الإقليم (حزب الله، الحوثيون، الفصائل العراقية).
وهذا ما ساعدها في توسعة استراتيجيتها من مضيق هرمز إلى مضيق باب المندب والبحر الأحمر عبر أنصار الله الحوثيين، مما يمنحها القدرة على خنق الملاحة الدولية من نقطتين استراتيجيتين مختلفتين. وهذان المضيقان هما الصديقين والنصيرين الوفيين اللذين تراهما إيران وقت الضيق. معتبرة أن قوتها على الأرض هي الوحيدة التي تمنع حلفاءها وأعداءها من التضحية بها.
في عالم تحكمه الصفقات والمقايضات بين استعراضات ترامب وبحثه عن نصر ولو شكلي لإرضاء قاعدته وشعبيته المتدنية وشي جين بينغ السياسي الصبور، تؤمن إيران بأن الحق يُنتزع بالقوة على الأرض وليس بالدبلوماسية في الغرف المغلقة.
استراتيجية المضيق هي أداة إيران لفرض نفسها كـلاعب إجباري لا يمكن تجاوزه أو بيعه، لأن ثمن بيعها سيعني تفجير شريان الطاقة العالمي، وهو ثمن لا ترغب أمريكا، ولا الصين، ولا العالم في تحمله.



