ماذا بعد نكسة العاشر من حزيران سنة 2014؟ | بقلم علي الهماشي

عندما توثِّق الأمم لحظات الانكسار، فإنها تكون على استعداد للوقوف من جديد، وهذا ما يجب أن نفعله مع سقوط الموصل وبقية المناطق التي احتلتها عصابات داعش الإرهابية سنة 2014.
كما أجد أن مسؤوليتي تحتم عليَّ مناقشة هذا الحدث الجلل الذي عاصرته، وكنت أرى ملامح حدوثه في الأفق، لكنني لم أتوقع مثل هذا الانهيار الكلي للقوات الأمنية بهذه الطريقة المرعبة، لا من ناحية الخسائر فحسب، بل من خلال الانسحابات وتخلّي مَن كانوا في قيادات الوحدات العسكرية عن مسؤولياتهم الوطنية والأخلاقية، إذ لم يتحلَّوا بشرف العسكرية.
وربما يجدني بعضهم مُصِرًّا على مناقشة هذه المرحلة الزمنية من تاريخ العراق أكثر من أي حدث آخر، وذلك لأنني أرى أن البيئة التي سبقت العاشر من حزيران سنة 2014 ما زالت هي نفسها بيئة قابلة للهزيمة.
فالهزيمة أو الانهيار نتيجة، أما ما قبلها فهو القابلية على الهزيمة، وهو ما لم تتم معالجته حتى هذه اللحظة. فما زالت الأجواء لم تتغير، وبنية الهزيمة ذاتها بطبقاتها المختلفة ما زالت قائمة. فعلى المستوى المعرفي ما زلنا نراوح في المكان نفسه، وما زالت النفوس مأزومة، ولم يتحرر المجتمع من عقده، مع وجود غطاء سياسي هش، وهي أمور تدعو إلى احتمال الهزيمة أو الانهيار أمام أي تحدٍّ قادم مشابه لما كان في تلك الفترة.
وهذه البنية ليست خافية على العدو، ومن يبحث في نظرية المؤامرة عليه أن يدرس البنية الداخلية لديه قبل أن يلقي باللوم على المتآمرين.
ومن السهل أن أرمي بكل المشكلة على الطبقة السياسية، وسيؤيدني كثير من الناس في ذلك، لكن هذا لن يكون حلاً، ولن يكون الطريق المنهجي للإصلاح؛ لأن القضية لا تحتمل مجرد إلقاء اللوم عليهم، وإن كانوا المعنيين بالدرجة الأولى، فالبناء الرصين بحاجة إلى أسس متينة.
إن تغيير البنية من الهزيمة إلى النصر، أو إلى الصلابة، بحاجة إلى زراعة وعي جديد يتغلغل في الطبقات الاجتماعية، لينتج معرفة جديدة تتغير معها القراءات، وينتقل همُّ الفرد من القرارات اللحظية إلى القرارات المصيرية المتعلقة بوجوده، فلا يكون همه قوت يومه فحسب، وإنما النظر في امتداده ومستقبله.
وهذه الدعوات ينبغي أن تُطهِّر العقلية التي تجمع أولئك الذين لا يفرقون بين الضاد والظاء، على غرار ما قيل عن معاوية بن أبي سفيان حين جهز جيشًا لعلي بن أبي طالب لا يفرق بين الناقة والجمل.
نعم، لقد قال لي بعض المتشائمين إن دعواتك في زمن الفوضى تشبه صيحات الاستغاثة في مجموعة من الصم والبكم.
فقلت له: لا أحبذ هذا الجو القاتم وهذه النظرة التشاؤمية، بل أنظر وسط كل هذا الركام إلى جناح طائر يحاول أن يرفرف ليرتقي، ويحث بقية فصيله على العمل نفسه.
هذا الطائر هو المثقف الواعي، وهو الباحث الاجتماعي، وأستاذ الجامعة، وصاحب الوجاهة الاجتماعية، ورئيس العشيرة، وكذلك السياسي الذي يريد لمجتمعه أن ينتقل من بيئة مأزومة قابلة للهزيمة والانكسار إلى بيئة متصالحة مع نفسها، متواصية بالحق والصبر، جاهزة للتحدي والمقاومة.




