الاحدثالشرق الاوسط

عندما تصبح الهجرة ورقة غير شرعية للتلاعب بالأنظمة | بقلم فاطمة مقني

كيف تحولت أجساد المهاجرين إلى سلاح جيوسياسي؟

الهجرة لم تعد مجرد قوارب تائهة في المتوسط. في العشرية الأخيرة، دخلنا مرحلة جديدة وخطيرة: تَسْليح الهجرة Weaponized Migration. أي تحويل التدفق البشري الجماعي، بشكل متعمد ومُدار، إلى أداة ضغط غير شرعية لابتزاز دولة أخرى وإجبارها على تقديم تنازلات سياسية أو مالية أو دبلوماسية.

وهي الورقة الأكثر قذارة في السياسة الدولية اليوم، لأن الذخيرة فيها ليست رصاصا، بل إنسان.

كيف تعمل هذه الورقة؟ الآلية من 3 خطوات

الدول التي تستخدم هذه الورقة لا تحتاج لحشد جيش. تحتاج فقط لصنبور حدود.

الخطوة الأولى: صناعة الحشد

دعوات مجهولة على تيك توك وفيسبوك لـ “هجرة جماعية” أو “اقتحام” في يوم محدد. يتجمع آلاف الشباب والقاصرين في نقطة تماس حدودية واحدة، كما رأينا البارحة وأول أمس في الفنيدق قرب سبتة، حيث تدفق آلاف المهاجرين خلال الليل إلى المدينة رغم الانتشار الأمني، وفي موجات سابقة وصل العدد إلى ما بين ألفين وثلاثة آلاف شخص عبروا في يوم واحد.

الخطوة الثانية: الارتخاء المحسوب

فجأة، يخفّض حرس الحدود من مستوى المراقبة. لا ينسحبون، بل يغضون الطرف لساعات. هذا ما وثقته تقارير دولية حرفيا: المغرب استغل هذه القضية في أبريل 2021، عندما خفف من قيود مراقبة الحدود، مما سمح بدخول حوالي 8,000 مهاجر إلى سبتة، وذلك كرد فعل على استقبال إسبانيا لزعيم جبهة البوليساريو.

الخطوة الثالثة: المقايضة

بعد أن تغرق المدينة المستهدفة – سبتة، لامبيدوزا، جزر الكناري، الحدود البولندية – يأتي الاتصال الدبلوماسي: تريدون أن نوقف التدفق؟ تريدون أن نعود لنحبط 14,600 محاولة في شهر كما فعلنا في غشت 2023؟ إذن عليكم أن تدفعوا الثمن.

لماذا هي ورقة “غير شرعية”

لأنها تضرب 3 منظومات في نفس الوقت:

تضرب القانون الدولي: منظمة العفو الدولية قالتها بوضوح في أزمة سبتة، طالبي اللجوء والمهاجرون يُستخدمون كقطع شطرنج في لعبة سياسية. وهذا محظور، لأنه استخدام لمدنيين كأداة إكراه.

تضرب نظام اللجوء نفسه: عندما يدخل 8000 شخص مرة واحدة بهذه الطريقة، بينهم 2000 طفل غير مصحوب، فأنت لا تطلب حماية، أنت تُغرق نظام الحماية عمدا حتى ينهار، فيخسر اللاجئ الحقيقي الفار من الحرب مصداقيته.

تضرب الدولة المستهدفة أخلاقيا: تضعها بين خيارين أحلاهما مر: إما تفتح الباب وتخسر سيادتها – وهو ما وصفه رئيس وزراء إسبانيا بأنه “انتهاك للسيادة الإقليمية” – وإما تغلق بالقوة وتظهر كدولة قمعية تضرب قاصرين بالهراوات والغاز المسيل للدموع.

في الحالتين، الدولة التي سلّحت الهجرة هي الرابح.

ليست حالة مغربية – إسبانية فقط، بل نموذج عالمي

ما حدث في سبتة هو مجرد مثال متكرر لنفس الكتاب:

– تركيا – اليونان: كلما توترت العلاقات مع الاتحاد الأوروبي، تلوح أنقرة بفتح معبر أدرنة.

– بيلاروسيا – بولندا وليتوانيا 2021: نظام لوكاشينكو استقدم آلاف العراقيين والسوريين بطائرات ونقلهم بالحافلات إلى الحدود لاقتحام الاتحاد الأوروبي.

– تونس وليبيا – إيطاليا: نفس المنطق. التلويح بتدفقات من صفاقس وطرابلس أصبح ورقة تفاوض يومية للحصول على تمويلات أوروبية تحت عنوان “مكافحة الهجرة غير النظامية”.

القاسم المشترك: الدولة التي تملك حدودا برية أو بحرية مع أوروبا اكتشفت أنها تملك سلاحا أرخص من النفط وأقوى من السلاح.

من الخاسر الحقيقي؟

ليس الاتحاد الأوروبي. الخاسر هو المهاجر نفسه.

هو الشاب الذي يُدفع عبر تطبيق تيك توك ليسبح 8 كيلومترات ببدلة غطس وزعانف، ليموت غرقا. هو القاصر الذي يُستخدم كدرع بشري في اقتحام سياج، ثم يُرحّل وحيدا. هو المواطن في بلد العبور الذي يرى بلاده تتحول إلى مخزن بشري كبير.

عندما تصبح الهجرة ورقة، يسقط الإنسان من المعادلة. لا يعود له اسم ولا قصة، يصبح مجرد رقم في بيان وزارة الداخلية: “عاد 25 ألف مهاجر طواعية” أو “دخل 49 ألف مهاجر في 24 ساعة”.

الخلاصة

الدول القوية لا تحمي حدودها بابتزاز جيرانها بأبنائها. والدول الذكية لا تشتري صمت جيرانها بالمال مقابل حبس البشر.

الحل ليس في بناء أسوار أعلى في سبتة ولا في دفع مليارات أكثر لحرس الحدود. الحل في تجريم هذا النمط الجديد من الحروب الهجينة دوليا، واعتباره شكلا من أشكال الاتجار بالبشر المُدار من طرف الدولة.

ما لم يتم ذلك، سنشاهد نفس الفيلم كل صيف: دعوة على فيسبوك، تجمع في الفنيدق أو صفاقس أو أدرنة، آلاف يعبرون ليلا، وبيان متناقضان صباحا. وفي المنتصف، آلاف الأحلام التي تُسحق لأنها تحولت من حق مشروع في التنقل، إلى مجرد ورقة غير شرعية على طاولة قمار جيوسياسية.

فاطمة مقني، صحفية وإعلامية تونسية

فاطمة مقني صحفية وإعلامية تونسية متخصصة في الاتصال البيئة وملفات الطاقة والطاقات المتجددة، إضافة إلى الصحافة الاستقصائية وبرامج الشأن العام على المستويين الوطني والدولي. حاصلة على الإجازة في سياسات السوق من كلية العلوم الاقتصادية والتصرف بصفاقس، وتعمل في مؤسسة الإذاعة التونسية-إذاعة صفاقس حيث راكمت خبرة ميدانية وإعلامية عميقة في إنتاج وتقديم المضامين الإذاعية ذات البعد التنموي والمجتمعي. تركز في عملها على ربط الإعلام بقضايا البيئة والطاقة، مع إبراز دور الإعلام العمومي في خدمة المصلحة العامة وتقديم محتوى مسؤول يساهم في رفع الوعي وتحفيز الحوار المجتمعي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى