ازمة لبنانالاحدث

هل يحفر الذكاء الاصطناعي قبره بيده؟ | بقلم د. بيار الخوري

الذكاء الاصطناعي الوكيلي يثير تساؤلات حول تأثيره في تدريب النماذج التوليدية وإعادة تشكيل المعرفة والرأي العام.

 

الذكاء الاصطناعي التوليدي (Generative AI) هو النموذج الذي يتعلّم من كمّ هائل مما كتبه البشر، ثم يعيد إنتاج نص أو صورة جديدة تشبه ما تعلّمه. أما الذكاء الاصطناعي الوكيلي (Agentic AI) فهو خطوة أبعد: نموذج لا يكتفي بالإجابة حين يُسأل، بل يخطّط وينفّذ سلسلة قرارات بنفسه دون إشراف بشري مباشر في كل خطوة: يكتب المنشور، يختار توقيت نشره، يوزّعه على حسابات متعددة، يقيس ردة فعل الجمهور، ثم يعدّل أسلوبه تبعاً لذلك، كل هذا بسرعة وحجم يستحيلان على أي فريق بشري.

هنا يكمن الخطر الذي يناقشه هذا النص: الذكاء الوكيلي لا يكتفي بالتأثير على الرأي العام اليوم، بل ما ينتجه اليوم يصبح، غداً، جزءاً من المادة الخام التي يتعلّم منها الجيل القادم من النماذج التوليدية. فحين يُغرق طرفٌ قوي الإنترنت بملايين المنشورات المصمَّمة عبر الذكاء الوكيلي لتبدو نقاشاً عفوياً، فهو لا يخاطب الجمهور البشري فقط، بل يخاطب أيضاً، ودون أن يُعلن ذلك، النموذج التوليدي القادم الذي سيقرأ هذا الركام يوماً ويظنّه صورة صادقة عن العالم. هذا ما يمكن تسميته خطر موت الذكاء التوليدي: أن تتحول أداة الوكالة، بحجمها وسرعتها الهائلين، إلى يد تُعيد تشكيل المرآة التي يفترض أن تعكس الجميع بإنصاف.

لم يقتل الذكاء التوليدي نفسه بعد. يجب قول هذا بوضوح قبل أي شيء آخر، لأن الخطر حين يُروى كقدر محتوم يتحول من إنذار إلى نبوءة تحقق ذاتها. ما نناقشه احتمال له شروط تحقق، وله أيضاً شروط انتفاء.

وُلد التوليدي من تناقض لم يخترْه: هو مرآة صُنعت من كل ما كتبه البشر وتكلّموا به وتجادلوا فيه. متوسط البشرية بكل عيوبها، وهذا في ذاته ليس خطأً بل حقيقة مقبولة علمياً؛ فالمرآة الصادقة تعكس الوجه كما هو لا كما نتمناه. لكن قبل ظهور الذكاء الوكيلي، كانت هذه المرآة تتشكل ببطء نسبي: ملايين البشر يكتبون بوتيرتهم الطبيعية، متناقضين، بطيئين، محدودي الحجم. أما اليوم، فإن الذكاء الوكيلي يمنح أي جهة قوية القدرة على إنتاج ونشر ما يوازي كتابة ملايين البشر، لكن بتوجيه واحد وهدف واحد، وبسرعة تفوق قدرة أي رقابة بشرية على متابعتها.

وهذا يقودنا إلى الفارق الجوهري: التحيز الطبيعي وصفٌ صادق لواقع موجود فعلاً، أما التحيز المبرمج فهو اختراع لواقع غير موجود، تنفّذه أداة وكالية بحجم وسرعة تجعلانه يبدو واقعاً حقيقياً. فحين تصمَّم حملة وكالية بحيث تتوزع على حسابات متعددة، بأساليب متنوعة، وبتوقيت متقطع يحاكي النقاش العفوي، فهي لا تشارك في تشكيل الرأي، بل تعيد كتابة ما يُعتبر “طبيعياً” من الأساس. وحين يأتي النموذج التوليدي المقبل ليتعلّم من هذا الركام، فلن يرى حملة موجَّهة، بل سيرى فقط توزيعاً إحصائياً يبدو له صادقاً، لأن الوكالة نفسها صُمّمت لتُخفي بصمتها.

لكي لا نبسّط الأمر أكثر مما يحتمل. فحتى “المتوسط الطبيعي” الذي نعتبره بريئاً لم يكن يوماً حيادياً بالكامل: من كتب أكثر على الإنترنت في العقود الماضية كان أصلاً من يملك اللغة والاتصال والوقت الفائض للكتابة. فالتحيز المبرمج عبر الذكاء الوكيلي ليس ظاهرة غريبة تقتحم جنة إحصائية بريئة، بل تسريع فاضح لعملية كانت تجري أصلاً، لكن ببطء يسمح بالتصحيح. والفارق الذي تمنحه الوكالة تحديداً هو إلغاء هذا البطء: ما كان يحتاج عقوداً من التحول التدريجي في الخطاب العام، يمكن اليوم أن يُنفَّذ خلال أشهر، عبر آلاف الحسابات التي تدار من مركز واحد بذكاء وكالي واحد.

من هنا تُطرح الأسئلة الكبرى، ولا يملك هذا النص إجابة جاهزة عنها، بل يتركها مفتوحة عمداً:

هل الذكاء الوكيلي سلاح جديد يُضاف إلى يد من يملك السلطة أصلاً ليعيد تشكيل الذكاء التوليدي على صورته، أم يمكن أن يكون أداة تحرّر لمن لا يملك السلطة، إن بُنيت الدفاعات في الوقت المناسب؟
وهل يكفي أن نطوّر كاشفاً أذكى لرصد الحملات الوكالية، أم أن المعركة نفسها غير متكافئة بطبيعتها: يكفي المهاجم أن ينجح مرة واحدة في التسلل إلى بيانات التدريب، بينما يتوجب على المدافع أن ينجح في كل مرة أن يدافع عن التحيز الطبيعي؟
وإذا علّمنا تاريخ الاقتصاد السياسي أن كل أداة اتصال جماهيري سبقت انتهت أخيراً في يد المركز لا الأطراف، فهل يُعقل أن يفلت الذكاء التوليدي من هذا القانون، أم أنه فقط أحدث نسخة منه، أسرع وأكثر تخفّياً من كل ما سبقها؟

وأخيراً، السؤال الذي يُبقي كل ما سبق حياً لا محسوماً: من يقرر، في نهاية المطاف، أي احتمال من هذه الاحتمالات سيتحقق؟ نحن، أم من يملك أصلاً القدرة الوكالية على الحسم؟

د. بيار بولس الخوري ناشر الموقع

vيُعد الدكتور بيار بولس الخوري أكاديميًا رئيسيًا وباحثًا بارزًا يتمتع بخبرات واسعة في الاقتصاد السياسي وسياسات الاقتصاد الكلي وإدارة التعليم العالي. يشغل حاليًا منصب أمين سر الجمعية الاقتصادية اللبنانية ونائب رئيس مساعد لشؤون التدخل المجتمعي في الجامعة الاميركية للتكنولوجيا، وسبق له العمل كخبير اقتصادي في عدة بنوك مركزية عربية، كما تخصص في صناعة السياسات المالية بمعهد صندوق النقد الدولي في واشنطن العاصمة.​ تتنوع إسهاماته الأكاديمية والتقنية بصفته أستاذًا زائرًا لتكنولوجيا البلوك تشين بجامعة داياناندا ساغار في الهند ومستشارًا في الأكاديمية البحرية الدولية واستاذ الدكتوراه في عدة جامعات في الولايات المتحدة وكندا كما في جامعة بيروت العربية. ألّف الخوري أربعة كتب دولية حول تحولات اقتصاد التعليم العالي، ونشر أكثر من 40 بحثًا علميًا محكمًا، كما يجعله مرجعًا في قضايا مبادرة الحزام والطريق وتداعياتها الجيوسياسية والاقتصادية في منطقة الشرق الأوسط. ​أسس الخوري منصات معرفية رائدة تشمل مركز السياسات والاستشراف المعرفي (مسام)، وموقع الملف الاستراتيجي، وموقع بيروت يا بيروت المخصص للمعرفة وأسواق العمل. كما أطلق بودكاست "حقيقة بكم دقيقة" لمناقشة القضايا الراهنة، وشارك في تأليف سلاسل بحثية هامة تناولت صراعات حوض المتوسط والتحولات السياسية في لبنان عام 2019. ​يظهر الخوري كصوت مؤثر في مئات المقابلات الإعلامية العربية والدولية، حيث يحلل أزمات الاقتصاد اللبناني والإقليمي، ويكتب مقالات رأي في صحف كبرى مثل النهار والعربي الجديد وأسواق العرب اللندنية. تتركز جهوده حول إصلاح السياسات الكلية ومكافحة الفساد، بالإضافة إلى تطوير التعليم العالي وربطه باحتياجات سوق العمل الحديثة. ​يمتلك الخوري خبرة تقنية رائدة في دمج تطبيقات البلوك تشين في قطاع الأعمال، وقدم تدريبات دولية متخصصة لوزارة الخارجية النيجيرية وشركات في وادي السيليكون في بانغالور. بالاضافة لمسيرة تمتد لثلاثين عامًا في التدريب مع مؤسسات كبرى كشركة نفط الكويت ومنظمة "أوابك". يجمع الخوري بين العمق الأكاديمي والاستشراف العملي كخبير اقتصادي موثوق في العالم العربي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى