ازمة لبنانالاحدث

قبل السلاح… من يعالج جذور الأزمة اللبنانية؟ | بقلم أ. إدريس احميد

لم يعد المشهد اللبناني مجرد قضية داخلية، بل أصبح نقطة تقاطع لمصالح إقليمية ودولية متشابكة، تتداخل فيها الحسابات الأمنية والسياسية مع الصراع العربي الإسرائيلي. وبين الضغوط الأمريكية، والمطالب الإسرائيلية، والانقسام الداخلي، يبرز سؤال جوهري: هل المشكلة في سلاح حزب الله وحده، أم أن السلاح كان نتيجة لظروف تاريخية وسياسية لم تُعالج حتى اليوم؟
منذ الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 واحتلال بيروت، نشأت المقاومة في بيئة رأت أن الدولة اللبنانية لم تكن قادرة على حماية أراضيها. وحتى كثير من القوى اللبنانية، رغم اختلافها في تقييم دور حزب الله اليوم، لا تنكر أن ظروف الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية كانت من أهم العوامل التي أدت إلى ظهور المقاومة.

لكن لبنان لم يكن ضحية الاحتلال وحده، بل كان أيضًا ضحية الحرب الأهلية التي تركت مجتمعًا منقسمًا ونظامًا سياسيًا يقوم على المحاصصة الطائفية. وقد ساهم هذا النظام، على مدى عقود، في إضعاف مؤسسات الدولة، وإبقاء الولاءات السياسية والطائفية أقوى من مفهوم الدولة الوطنية، وهو ما جعل أي أزمة داخلية قابلة للتحول إلى أزمة إقليمية.

وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل حجم التدخلات الخارجية. فقد لعبت سوريا لعقود دورًا مؤثرًا في لبنان؛ ويرى مؤيدو هذا الدور أنه ساهم في إنهاء الحرب الأهلية والحفاظ على قدر من الاستقرار، بينما يرى منتقدوه أنه قيّد القرار اللبناني وأضعف استقلالية مؤسساته. كما أصبح لإيران نفوذ واضح من خلال دعمها لحزب الله، في حين ارتبط الدور السعودي تاريخيًا بدعم قوى سياسية واقتصادية مختلفة، وسعت فرنسا إلى الحفاظ على حضورها التقليدي في لبنان عبر المبادرات السياسية والدبلوماسية، بينما تبقى الولايات المتحدة لاعبًا رئيسيًا، تدعم أمن إسرائيل وتربط كثيرًا من مقارباتها تجاه لبنان بهذا الاعتبار.

ومن هنا، تبدو الرؤية الأمريكية في كثير من الملفات اللبنانية متقاطعة مع الأولويات الأمنية الإسرائيلية، وعلى رأسها ملف سلاح حزب الله. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل يمكن تحقيق استقرار دائم إذا اقتصر التركيز على نزع السلاح دون توفير ضمانات حقيقية تمنع تكرار المواجهات والاعتداءات وتدعم سيادة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها؟

كما أن النقاش حول مستقبل سلاح حزب الله لا يمكن أن يكون مستدامًا إذا جاء نتيجة ضغوط خارجية فقط. فنجاح أي معالجة لهذا الملف يتطلب توافقًا لبنانيًا واسعًا، ضمن رؤية شاملة تعزز مؤسسات الدولة، وتضع استراتيجية دفاعية واضحة، وتوفر بيئة سياسية وأمنية مستقرة تحظى بثقة اللبنانيين.

وفي المقابل، تبقى لدى الحكومة اللبنانية أوراق تفاوض مهمة، منها الشرعية الدولية، والدعم العربي والدولي لإعادة بناء مؤسسات الدولة، وإمكانية الدفع نحو تثبيت اتفاقات وقف إطلاق النار، والمطالبة بتطبيق القرارات الدولية بصورة متوازنة، بما يشمل احترام سيادة لبنان وأمن حدوده.

وفي خضم هذه التطورات، تتداول تحليلات سياسية وإعلامية فرضيات حول احتمال سعي بعض الأطراف إلى استثمار التوترات في المنطقة أو توظيف جماعات مسلحة في الساحة اللبنانية. إلا أن مثل هذه الطروحات تبقى محل جدل، ولا يمكن الجزم بها دون أدلة موثقة، بينما يظل المؤكد أن أي انزلاق أمني جديد داخل لبنان سيخدم حالة الفوضى ويزيد من تعقيد المشهد.

أما السيناريو الأخطر فهو أن يؤدي تصاعد الضغوط والانقسامات إلى اقتتال داخلي جديد. فالتجربة اللبنانية أثبتت أن الحروب الأهلية لا تفرز منتصرًا حقيقيًا، بل تضعف الدولة وتستنزف المجتمع وتفتح الباب أمام مزيد من التدخلات الخارجية. وفي مثل هذا السيناريو، سيكون الخاسر الأول هو لبنان، بينما قد تستفيد أطراف خارجية من استمرار الانقسام وإضعاف الدولة.

إن مستقبل لبنان لا ينبغي أن يُبنى على إرادة الخارج، بل على توافق وطني يعالج جذور الأزمة السياسية والطائفية، ويعيد بناء مؤسسات الدولة، ويحصّن السيادة، ويؤسس لاستراتيجية أمنية ودفاعية يتفق عليها اللبنانيون أنفسهم. فاستقرار لبنان لن يتحقق بفرض حلول من الخارج، بل بإرادة لبنانية جامعة، مدعومة بضمانات تحترم سيادة البلاد وتمنع عودة دوامة العنف.

أ. إدريس احميد، صحفي وباحث ليبي متخصص في الشأن السياسي المغاربي

أ. إدريس احميد صحفي وباحث ليبي متخصص في الشأن السياسي المغاربي، يهتم بمتابعة وتحليل القضايا السياسية والاستراتيجية وقضايا البيئة في الشأن المغاربي والعربي والدولي وشمال أفريقيا، مع تركيز على التحولات السياسية والإقليمية وتداعياتها على الواقع الليبي والمغاربي. يقدّم قراءات وتحليلات تستند إلى متابعة مستمرة للتطورات السياسية والبيئية، ويشارك في النقاشات الإعلامية والفكرية المتعلقة بالشؤون المغاربية والعلاقات الإقليمية. كما يكتب في عدد من المنصات الإعلامية، متناولاً قضايا السياسة والأمن والتوازنات الإقليمية من منظور بحثي وتحليلي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى