الأربعاء 16 سبتمبر 2026 بيروت
النشرة البريدية
تحليل سياسي واقتصادي معمّق — بيروت
اشترك
16 سبتمبر 2026·بيروت النشرة
الملف الاستراتيجي
الأقسام النشرة
الأرشيف والخدمات
الرئيسيةالاحدث
الاحدث

“المازوشية السياسية” .. حين يتسابق بعض الساسة إلى رضا الأعداء ! | بقلم السفير رشاد فراج الطيب

وإلى الذين يقولون : “نخشى أن تصيبنا دائرة”

ثمة لحظات تاريخية تكشف الأمم والدول والنخب السياسية على حقيقتها ؛ إذ لا تعود المواقف فيها مجرد خيارات تكتيكية عابرة ، وإنما تصبح تعبيراً عن مستوى الوعي ، والثقة بالنفس ، والإيمان بالحق ، والقدرة على قراءة موازين القوى دون الوقوع في أسرها .

وفي مثل هذه المنعطفات ، يلفت النظر سلوك بعض الساسة والنخب الذين لا يكتفون بالتعامل مع الخصوم وفق مقتضيات المصلحة الوطنية ، بل يسارعون إلى طلب رضا من يمارس عليهم الضغط أو العدوان ، ويتسابقون إلى كسب ود من لا يخفي احتقاره لهم ، ويقدمون التنازلات قبل أن تُطلب منهم ، وكأن رضا القوة الخارجية أصبح بديلاً عن رضا شعوبهم ، وكأن الاحتماء بالآخر هو أقصر الطرق إلى النجاة .

ومن هنا أطرح مصطلح “المازوشية السياسية” بوصفه مدخلاً لتحليل هذه الظاهرة .
فالمازوشية ، في معناها النفسي ، ترتبط بالخضوع والاستلذاذ بالألم والانقياد ؛ أما في معناها السياسي الذي أقترحه هنا ، فهي حالة من الاستكانة الطوعية أمام قوة معادية أو متغلبة ، حين يتحول الخوف منها إلى تعلق برضاها ، والمسارعة إلى التقرب منها ، وقبول الإذلال والتنازل أملاً في الحماية والأمان .

وهنا ينبغي التمييز بين التفاوض والخضوع .
فالدول العاقلة تفاوض خصومها وأعداءها عندما تقتضي مصالحها ذلك ، وقد تقدم تنازلات محسوبة في إطار استراتيجية أوسع ، تماماً كما قد تتراجع في معركة تكتيكياً استعداداً لمعركة أخرى .
وليس في ذلك عيب ما دام القرار مستقلاً ، والهدف واضحاً ، والكرامة والمصلحة الوطنية مصانتين .
المرفوض هو أن يفقد القرار السياسي استقلاله ، فيصبح إرضاء الخارج غاية في ذاته ، حتى ولو جاء ذلك على حساب السيادة والكرامة والمصلحة الوطنية .

ولعل أبلغ تصوير قرآني لهذا المنطق قوله تعالى :
﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾
المائدة : 52
“نخشى أن تصيبنا دائرة” ليست مجرد عبارة عن الخوف ، وإنما تكشف عن منطق سياسي يقوم على الخشية من تبدل موازين القوى ؛ فيسارع صاحب هذا المنطق إلى الارتماء في أحضان الأقوى قبل أن تتغير الظروف ، ظناً منه أن التقرب منه أو الاصطفاف إلى جانبه سيحميه من تقلبات المستقبل .
لكن التاريخ لا يمنح مثل هذه الحسابات ضماناً . فالقوى الكبرى لا تتحالف مع الآخرين بدافع العاطفة ، وإنما وفق مصالحها المتغيرة ؛ ومن يجعل سيادته ثمناً للحماية قد يكتشف أن التنازل الأول لم يكن سوى بداية لسلسلة من التنازلات وشييء من الإستخدام والاستحمار .

وفي هذا السياق ، يفتح قوله تعالى :
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾
النساء : 97
باباً للتأمل في مسؤولية الإنسان عن موقفه من الاستضعاف ، وأن الضعف لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة دائمة للاستسلام متى توافرت بدائل الفعل والرفض والمقاومة .

في السودان تبدو هذه الظاهرة أكثر خطورة ؛ حين يصبح الخارج بديلا عن الداخل !
فقد عانى البلد ، إلى جانب أزماته الداخلية ، من تدويل الصراع وتعدد اللاعبين الخارجيين ، وتحول بعض القوى السياسية إلى البحث عن سند خارجي يعوض غياب السند الوطني ، والاستقواء به على الخصوم .
وهنا تكمن العلة .
فالسودان يحتاج إلى علاقات متوازنة مع العالم شرقاً وغرباً ، وإلى شبكة واسعة من المصالح الإقليمية والدولية .
وليس العيب في طلب الدعم أو بناء الشراكات الخارجية ، وإنما في تحول الاستعانة إلى ارتهان ، والشراكة إلى تبعية ، والعلاقة الخارجية إلى بديل عن المشروع الوطني .
فلا يمكن للخارج أن يبني دولة نيابة عن السودانيين ، ولا أن يمنحهم مشروعاً وطنياً جاهزاً .

والقوى الدولية والإقليمية ، مهما رفعت من شعارات ، تتحرك في النهاية وفق مصالحها وحساباتها .
ومن ثم ، فإن الرهان الحقيقي يجب أن يكون على إعادة بناء الدولة ، وتوحيد الإرادة الوطنية ، واستعادة القرار المستقل ، مع إدارة العلاقات الخارجية بواقعية واحتراف ، بعيداً عن سياسة التبعية والاستقواء بالخارج على الداخل .

وليست المسألة سودانية فحسب .
ففي عالمنا العربي والإسلامي ، نشهد أحياناً سباقاً إلى التقرب من القوى الكبرى أو إقامة علاقات مع قوى تمارس العدوان ، وكأن مجرد نيل رضاها يمكن أن يوفر الحماية أو يمنح حصانة من أخطار المنطقة .
والسؤال هنا ليس : هل نتعامل مع هذه القوى أم لا ؟ فالعلاقات الدولية لا تقوم على القطيعة الدائمة ، وإنما على المصالح .
السؤال الأهم هو : هل ندخل هذه العلاقات من موقع الاستقلال والمصلحة المتبادلة ، أم من موقع الخوف والحاجة والتبعية ؟

إن ما يجري في فلسطين ولبنان وايران وغيرها من ساحات الصراع يؤكد أن الرهان على رضا القوة المحتلة أو المتغلبة لا يمكن أن يكون بديلاً عن امتلاك عناصر القوة الذاتية لمعركة التحرير والسيادة .
فالعلاقات الدولية ليست جمعية خيرية ، والقوى الكبرى لا تقدم هبات مجانية .
ومن يملك عناصر القوة يجعل مصالحه جزءاً من حسابات الآخرين .
والقوة ليست عسكرية فقط ؛ إنها اقتصاد منتج ، وتعليم متقدم ، ومؤسسات قوية ، ووحدة وطنية ، وعدالة اجتماعية ، وأمن غذائي ومائي ، وقدرة تكنولوجية ، ودبلوماسية محترفة تعرف متى تفاوض ، ومتى تصمت ، ومتى تقول “لا” .
أما أن نهمل أسباب القوة في الداخل ، ثم نبحث عن الحماية في الخارج ، فذلك هو الوجه الأخطر من “المازوشية السياسية” .
فالأمة التي تعرف قدرها لا ترفض الحوار ، ولا تخشى التفاوض ، ولا تعادي العالم ؛ لكنها لا تجعل رضا الأقوياء والأعداء شرطاً لبقائها .
الدول تتغير ، والتحالفات تتبدل ، وموازين القوى تدور ، والتاريخ لا يقف عند لحظة واحدة .
أما الكرامة الوطنية ، فإذا أُرتهنت ، فاستعادتها ليست بالأمر السهل .

ولهذا آن الأوان للخروج من عقلية “نخشى أن تصيبنا دائرة ” إلى عقلية أكثر ثقة ووعياً : نعرف مصالحنا ، ونحسن إدارة خلافاتنا ، ونمد أيدينا للسلام حين يكون سلاماً عادلا ، ونرفض الإذلال حين يكون ثمنه ضياع السيادة والكرامة .
فالأمم لا يحميها رضا الأقوياء عنها ، وإنما يحميها وعيها بذاتها ، ووحدتها ، وعدالة قضيتها ، وقوة دولتها ، واستقلال قرارها .
وهنا فقط تنتهي “المازوشية السياسية” ، حين يتوقف السياسي عن سؤال : كيف أرضي الأقوى؟ ويبدأ في طرح السؤال الأهم :
كيف أحمي مصالح شعبي ، واحرر مقدساتي وأصون كرامة دولتي ، وأجعل الآخرين يحسبون لها ألف حساب ؟

عن الكاتب السفير رشاد فراج الطيب السراج السفير رشاد فراج الطيب السراج. دبلوماسي. وباحث مهتم بالشؤون الدولية والتحولات الجيوسياسية في الشرق الأوسط وأفريقيا.
تبحث عن المزيد؟