الخميس 1 أكتوبر 2026 بيروت
النشرة البريدية
تحليل سياسي واقتصادي معمّق — بيروت
اشترك
1 أكتوبر 2026·بيروت النشرة
الملف الاستراتيجي
الأقسام النشرة
الأرشيف والخدمات
الرئيسية›الاحدث
الاحدث

الزمن المعلق “ومتاهة الذاكرة” : حين تغدو الاستحقاقات السياسية خديعةً وجودية في الشرق الأوسط | بقلم د. خطار حاطوم

في مجتمعات الشرق الأوسط، وفي لبنان على وجه الخصوص، بات الانتظارُ حالة وجودية قاهرة (Ontological Condition)، تتوهم من خلاله الشعوبُ احلام النجاة، فنلوذ بسيكولوجية “التأجيل المستمر”، ونُسقط قلقنا الوجودي على رزنامات الآخرين، حتى غدت عبارة “لا حرب قبل الانتخابات” تسليةً نفسية جمعية، ودرعاً واهياً نختبئ خلفه من حتمية المواجهة مع الواقع.

من المنظور النفسي التحليلي، يُعتبر الرهان على الأجندات الانتخابية الخارجية نوعاً من الإنكار الجمعي (Collective Denial) وآلية دفاعية للهروب من قلق التهديد المستمر (Existential Anxiety). إن العقل الجمعي المجهَد يتشبث بأي جدول زمني مفترض ليصنع منه سقفاً وهمياً للأمان، مفترضاً أن العالم يدار بعقلانية سردية منضبطة.

غير أن هذا “الزمن المعلق” يجرد الشعوب من فاعليتها وإرادتها، لتتحول المجتمعات من ذواتٍ صانعة لتاريخها إلى كائنات سلبية تنتظر قراراً يُرسم في كواليس الاقتراع البعيدة. إننا نبيع أنفسنا وهم الهدوء المشروط، نسياناً منا أن الهدوء ليس سوى الوجاهة الظاهرة لغليانٍ يتراكم تحت السطح.

فالذاكرة الجمعية تختزن في الشرق الأوسط إرثاً ثقيلاً من “الطمأنينة الخادعة”، والتاريخ الإقليمي يخبرنا بأن أعنف التحولات العسكرية والجيوسياسية لم تتأطر يوماً باللياقة الإجرائية للصناديق بل إن الاستحقاقات السياسية غالباً ما تُستخدم كغطاء تمويهي (Camouflage) لتغيير المعادلات الميدانية وفرض وقائع جديدة قبل إغلاق نهار الاقتراع أو فتحه.

إن الربط المشترط بين السلام والانتخابات يُسقط طبيعة “الردع”؛ فالردع ليس اتفاقاً أخلاقياً أو بروتوكولاً زمنياً، بل هو معادلة حسابية صلبة قائمة على كلفة الدمار وشغف السيطرة. وحين تتغير تلك المعادلة، تتهاوى كل المهل السياسية كأوراق الخريف.

أن يُطلب من لبنان والمنطقة أن يعيشا على إيقاع صندوق اقتراع خارجي، هو إعادة إنتاج لمأساة “انتظار جودو”؛ حيث الغد المحمّل بالخلاص لا يأتي أبداً، وحيث الزمن المقتطع بين استحقاق وآخر هو كل ما نملك من حياة.

الخطر الحقيقي لا يكمن في اليوم الذي تُفتح فيه الصناديق أو تُغلق، بل في التخدير النفسي الذي يجعلنا نستكين لسكينةٍ مغشوشة، بينما يستمر فتيل التاريخ بالاحتراق في العتمة.

إن تحرير الإرادة الجمعية يبدأ من تفكيك خديعة الانتظار. الحروب لا تستأذن المهل الدستورية، والسلام لا يُصنع بالصُدفة التقويمية، وحين ندرك أن قدرنا يُرسم باستعادة الفاعلية الذهنية والوجودية، نتحرر من كوننا مجرد رقمٍ مؤجل في معادلات الآخرين.

عن الكاتب الدكتور خطّار حاطوم، باحث وأكاديمي الدكتور خطّار حاطوم باحث وأكاديمي لبناني مقيم في الولايات المتحدة الأميركية، متخصّص في علم النفس، ومحاضر في الصحة النفسية، وكاتب في عدد من الصحف والمنصّات الثقافية. له إسهامات بحثية ومقالات تحليلية تتناول قضايا نفسية معاصرة من منظور علمي نقدي. صدر له مؤخرًا كتاب جديد في علم النفس يندرج ضمن هذا المسار الفكري. يشارك بفاعلية في النقاشات الأكاديمية والإعلامية ذات الصلة، ويسهم في ربط البحث العلمي بالفضاء العام من خلال الكتابة والنشر المتخصّص.
تبحث عن المزيد؟