المظاهر الجيوسياسية لبلقنة الإنترنت (Splinternet)
منظومة الاتصالات الرقمية العالمية تتجه بنحو متسارع نحو أزمة هيكلية حقيقية ستقسم العالم إلى شقين -أو أكثر- على صعيد البنية التحتية في الاتصالات الرقمية، شبيهة بما حدث في البلقان من تفكك وصدام بين القوميات التي كانت متعايشة بشكل سلمي في الدولة اليوغسلافية السابقة، ولذلك تسمى هذه المشكلة اليوم ببلقنة الإنترنت (Splinternet) لتشبيهها بما تمر فيه البنية التحتية للإتصالات الدولية، أو ما يسمى بالفصل التكنولوجي (Decoupling) في هذا المجال، ولكن هذه المشلكة اليوم ستكون على صعيد عالمي واسع، أو ربما كوني في ظل إستمرار الفصل لشبكات الربط الفضائي.
اليوم وبعد أربعة عقود من التوسع المرتكز على نموذج الشبكة المفتوحة الموحدة، تشهد البنية التحتية الفيزيائية والسيادية للإنترنت عملية إعادة تشكيل قسرية تحت دوافع التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين.
هذه المعركة لم تعد مقتصرة على طبقات التطبيقات وحجب المنصات، بل امتدت لتشمل الطبقة الفيزيائية (Physical Layer) وطبقة الربط البيني (Interconnection Layer) وهي الطبقة التحتية الأساسية التي تمر من خلالها البيانات.
ما يشهده العالم اليوم ليس مجرد تدافع اقتصادي، بل هو صراع نيو-إمبراطوري على النقاط الحاكمة للبنية التحتية التي تنقل أكثر من 99% من حركة البيانات العابرة للحدود عبر الألياف الضوئية البحرية (Submarine Fiber Optic Cables).
هذا التنافس التكنولوجي والصراع حول سلاسل التوريد والأسواق، قاد لهذا الفصل الحاصل في البنية التحتية، حيث بدء تصنيف كابلات الألياف الضوئية البحرية كأصول استراتيجية سيادية، بعد أن كانت مجرد مشاعات تجارية للشركات الباحثة عن تحقيق الربح.
هناك اليوم في سوق الألياف الضوئية والكابلات البحرية، أربع شركات عملاقة، تستحوذ وتسيطر على عمليات مدّ وتصنيع وصيانة هذه الكابلات. وتبلغ حصصها السوقية على الملاحة البحرية للبيانات كالآتي: فشركة SubCom الأمريكية تحتل ~40% من الحصة السوقية وهي المورد الرئيسي للمشاريع الأمنية الأمريكية ومشاريع شركات التكنولوجيا الكبرى (Hyperscalers).
وفي أوروبا هناك شركة ASN Alcatel Submarine Networks الفرنسية التي تحتل ~25% من الحصة السوقية. وهي المورد التاريخي للربط الأوروبي-الأوراسي، وهي خاضعة للتشريعات التنظيمية الأوروبية.
بينما في اليابان هناك شركة NEC Corporation التي تحتل ~20% من الحصة السوقية، وهي الشريك الرئيسي في المسارات الآسيوية وعبر الهادي، متحالفة بشكل وثيق مع واشنطن.
أما في الصين فهناك شركة HMN Tech سابقاً Huawei Marineالتي تحتل ~15% من الحصة السوقية، وهي تنمو بشكل تدريجي. وهي الذراع الصينية المشرفة على طريق الحرير الرقمي الصيني (Digital Silk Road).
آليات الفصل الهيكلي والسياسات التنظيمية
استخدمت الولايات المتحدة قانون Secure and Trusted Communications Networks Act لإجبار مشغلي الاتصالات على إزالة معدات Huawei وZTE من الشبكات المحلية، ومن أجل حظر المكونات والموردين الغير مرغوب فيهم (Rip and Replace).
امتد هذا التوجه إلى الشبكات البحرية، حيث فرضت اللجنة الفيدرالية للاتصالات (FCC) وفريق الإتصالاتTeam Telecom الأمريكي قيوداً صارمة تمنع نزول الكابلات البحرية المجهزة بمكونات صينية في الأراضي الأمريكية أو أقاليمها (مثل غوام).
تخلت التحالفات الدولية عن مسارات تقليدية نتيجة ضغوط جيو-أمنية مما تسبب ذلك في إعادة توجيه المسارات البحرية (Rerouting) مثل مشروع Pacific Light Cable Network (PLCN) الذي كان مخططاً له الربط بين لوس أنجلوس وهونغ كونغ، إلا أن واشنطن رفضت تشغيله حتى تم تعديل المسار ليربط بتايوان والفلبين مع إلغاء نقطة الإنزال Landing Station في هونغ كونغ.
وكذلك مشروع SEA-ME-WE 6 الذي انسحبت منه شركة China Telecom وChina Mobile بعد منح عقد الإنشاء لشركة SubCom الأمريكية بدلاً من HMN Tech الصينية، وقامت الشركات الصينية بالرد عبر إطلاق مشروع منافس وهو كابل EMA (Europe-Middle East-Asia).
لم يقف الانقسام عند حدود أسلاك كابلات الفايبر، بل إمتد التدافع نحو بروتوكولات الاتصال والبنية السيادية وكذلك إلى البرمجيات والبروتوكولات التي تدير نقل البيانات، وإمتدَّ الفصل الى طبقة التطبيقات والخدمات، ففي أمريكا مُنعت شركات WeChat, Alibaba, Baidu الصينية، بينما منعت الصين شركات Google, Meta, AWSالأمريكية.
في طبقة التحكم Control وطبقة بروتوكولات IP التقليدية، ولأن الولايات المتحدة والشركات التابعة لها دفعت بإتجاه منع الشركات التابعة للصين مثل شركات HMN Tech, Hengtong Optic ، من الوصول والإتصال معها، فقد منعت الصين بالمقابل شركات تابعة للولايات المتحدة وحلفائها في اليابان وكوريا الجنوبية مثل شركات SubCom ،NEC, ASN بنفس الطريقة.
اليوم المقترح الصيني لحماية نفسها أمنيا في الطبقة الفيزيائية للبنية التحتية، مبني على نظام جديد أسمته الصين New IP للتخلص من الهيمنة الأمريكية في هذه الطبقات.
الصين وبروتوكول New IP الجديد، وتحدي معايير IETF
تُروج الصين عبر الاتحاد الدولي للاتصالات (ITU) لإعادة هيكلة بروتوكولات الإنترنت الأساسية من خلال مقترح New IP. الذي تهدف الصين من خلال هذا البروتوكول إلى تزويد الشبكة بآليات تحكم ذاتية (Top-Down Governance)، تسمح بقطع المسارات والتفتيش العميق للحزم (Deep Packet Inspection) على مستوى الطبقة الأولى والثانية، مما يتناقض مع معايير IETF وICANN الغربية القائمة على اللامركزية.
في حال استمرار وتيرة الحظر والإنكار المتبادل للتكنولوجيا، يتجه العالم نحو أحد السيناريوهات الهيكلية الثلاثة للعزل الشبكي الكامل:
السيناريو الأول: الثنائية القطبية التكنولوجية (Technological Bipolarity) نشوء شبكتين عالميتين متوازيتين؛ شبكة تقودها الولايات المتحدة تعتمد على تقنيات Cisco, Ciena, Juniper ومزودة بكابلات تديرها SubCom.
وشبكة تقودها الصين تعتمد على Huawei, ZTE عبر طريق الحرير الرقمي الذي يربط آسيا بآفريقيا وإفريقيا بأوروبا.
السيناريو الثاني: الانفصال على مستوى بوابات العبور (BGP & Peering Isolation) وإلغاء اتفاقيات الترانزيت والتبادل المجاني (Peering Agreements) بين مزودي المستوى الأول (Tier 1 ISPs) التابعين للكتلتين.
سيؤدي ذلك إلى رفض توجيه البيانات إذا كانت العقدة المصدرية أو العابرة تستخدم معدات غير معتمدة أمنياً.
السيناريو الثالث: بلقنة جزئية وإعادة التوجيه من خلال مناطق محايدة، وظهور مراكز تبادل بيانات إقليمية محايدة (Neutral IXPs) في مناطق كالسعودية، الإمارات، أو سنغافورة، تعمل كجسر تحويل وتقييم للبيانات لتسهيل المرور بين المنظومتين التكنولوجيتين.
ستعتمد سيناريوهات العزل الشبكي الهيكلي (Network Isolation Scenarios) على تفكيك العلاقة الترابطية المتكاملة التي قام عليها الإنترنت العالمي لستة عقود.
هذا الفصل لا يحدث فجأة بقرار سياسي واحد، بل مرَّ ويمر حالياً عبر آليات تقنية مؤسسية تمتد من البنية التحتية الفيزيائية وصولاً إلى طبقات البرمجيات والأنظمة المستقلة (Autonomous Systems – AS).
ففي سيناريو الثنائية القطبية التكنولوجية المعزولة (Bipolar Technological Schism) سيقوم على إنشاء منظومتين موازيتين ومنفصلتين تماماً من الطبقة الأولى إلى الطبقة العليا، بحيث تكون كل كتلة ذاتية الكفاية ومغلقة أمام أجهزة وتقنيات الكتلة الأخرى.
هذا الانقسام في المكونات الصلبة (Hardware Split) سينعكس على المقاييس التنفيذية حيث تلتزم الكتلة الغربية بإنشاء شبكات نقل ضوئي (Optical Transport Networks – OTN) ومحولات (Switches) وأجهزة توجيه (Routers) مصنعة حصراً من شركات مثل Cisco, Ciena, Juniper Networks, Nokia.
بالمقابل، تعتمد الكتلة الشرقية على Huawei, ZTE, Hengtong Optic-Electric.
أما في الرقابة الحيوية على المكونات الإلكترونية سيتم فرض حظر تام على استخدام شرائح المعالجة التناظرية والرقاقات الضوئية (Photonic Integrated Circuits – PICs) المصنعة في أي من الكتلتين داخل أجهزة الكتلة الأخرى، لمنع التجسس على مستوى الأجهزة (Hardware Trojans & Backdoors).
كما سيقود ذلك لانقسام الكابلات البحرية وطرق العبور وسيشمل المسارات المتوازية حيث ستُبنى شبكات كابلات بحرية جديدة لا تلتقي في أي نقطة إنزال (Landing Station) واحدة.
الكابلات الغربية (مثل كابلات SubCom) التي تمر عبر المحيط الهادئ المحايد ومحطات في اليابان، غوام، أستراليا، وحلف شمال الأطلسي.
بينما طريق الحرير الرقمي (Digital Silk Road) حيث ُنشئ الصين مساراً يربط شرق آسيا عبر بحر الصين الجنوبي، والمحيط الهندي، ومحطات إنزال في باكستان (ميناء جوادر)، والشرق الأوسط، وصولاً إلى أفريقيا والشرق الأوروبي عبر كابلات مثل PEACE Cable و EMA Cable.
أما سيناريو الانفصال على مستوى بروتوكولات العبور والتبادل (BGP & Peering Isolation) وهو السيناريو الأكثر تدميراً للارتباط البيني، حيث يركز على طبقة التوجيه الديناميكي (Routing Layer) وعلى وجه الخصوص بروتوكول بوابة الحدود (BGP – Border Gateway Protocol).
فشبكة الكتلة الغربية ستمنع الشركات الصينية مثل Huawei / ZTE / HMN ، بينما شبكة الكتلة الشرقية ستمنع الشركات الغربية مثل Cisco Ciena / SubCom. والأخطر هو الإنقسام الكامل إلى كتلة غربية وكتلة شرقية، على مستوى BGP Routing Blocked / Filtered.
ويمكن تصور حجم الكلفة الهائلة التي ستنفقها الدول على هذه الإنقسامات، وإهدار الميزانيات، والإستنزاف الكامل لميزانيات الدول، في ظل زيادة الإنفاق على الدفاع والأسلحة الذي يشهده العالم، وخصوصا الولايات المتحدة والصين ودول الإتحاد الأوروبي، وما سيخلفه ذلك من إهمال لميزانية التعليم والرعاية الصحية والاجتماعية، وما يتركه من إخلال كامل في بنية الأمان الهيكلية للشعوب التي تحفظ إستقرارها، وما سيسببه ذلك حتما من إضطرابات وثورات إجتماعية كما بدء يحدث اليوم في أغلب الدول الأوروبية. وربما سيصيب بقية دول العالم.
وسيتم رفض تبادل مسارات البيانات Peering)وسيسبب ذلك انقطاع الترانزيت المباشر وتفتت جدول BGP.
وسيتم إلغاء اتفاقيات الترانزيت والتبادل المجاني (Peering Settlement) وسيقسم الإنترنت العالمي حالياً، فمزودوا المستوى الأول (Tier 1 ISPs) مثل Lumen, Telia, NT&T, China Telecom, Telecom Italia. حيث سيتبادل هؤلاء المزودون الحركة البيانية عبر اتفاقيات بيئية مجانية فيما بينهم (Settlement-Free Peering).
وفي حالة العزل ستقوم الهيئات التنظيمية في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بمنع مزودي المستوى الأول التابعين لها من توقيع أو تجديد اتفاقيات Peering مع الشبكات ذات الأرقام المستقلة (Autonomous System Numbers – ASNs) التابعة للشركات الصينية أو الدول الحليفة لها، إذا تبين أن هذه الشبكات تعمل بأجهزة غير معتمدة لديها.
سيتم فرض نظام فحص الأجهزة المعتمدة عبر BGP Route Filtering حيث يُمكّن تطوير امتدادات لبروتوكول BGP من تضمين توقيعات رقمية مشفرة (RPKI – Resource Public Key Infrastructure) وهي تثبت ليس فقط ملكية نطاق العناوين (IP Routing)، بل سيتم إضافة نوع البنية التحتية المصنعة للمعدات التي تعبرها الحزمة البيانية (Hardware Attestation)، والتي لم تكن موجودة سابقاً.
وإذا رصد جهاز التوجيه (Router) الغربي أن حزمة البيانات مرت عبر عقدة (Node) تعتمد على جهاز من تصنيع Huawei أو ZTE، يتم إسقاط الحزمة تلقائياً (Drop Packet)، مما يجعل الربط المباشر بين الشبكتين مستحيلاً.
أما سيناريو البلقنة الجزئية عبر مناطق الترانزيت المحايدة (Neutral Gateway Buffering) ففي هذا السيناريو، لا ينقطع الإنترنت كلياً بين الكتلتين، بل يتخلى عن طابعه المباشر الفوري، ليصبح معتمداً على مراكز فلترة ومعالجة وسطية في دول تتبنى موقف الحياد التكنولوجي. وهنا يمكن لبعض الدول إستخدام ذلك في صالحهم لخلق بيئة عالية الكفاءة والربحية لزيادة دخلها الاقتصادي القومي.
ففي المرحلة الأولى سيتم حظر الربط المباشر وإغلاق جميع نقاط الإنزال المباشر للكابلات التي تربط بين أراضي الدول المتنافسة (مثل قطع الربط المباشر بين كاليفورنيا وهونغ كونغ)، وإجبار الحركة على المرور عبر محطات وسيطة.
إما المرحلة الثانية وهي التي يمكن للدول المحايدة إستغلالها، فسيتم تأسيس نقاط التبادل المحايدة (Neutral IXPs) من أجل التكيف الهيكلي وستتحول دول في الشرق الأوسط (مثل الإمارات، السعودية) وسنغافورة إلى مناطق ترانزيت محايدة.
وسيتم تأسيس مراكز بيانات ضخمة فيها (Data Hubs) تحتوي على جدران عزل أمنية (Air-Gapped Buffers). وقد ذكرت بالتفصيل كيف يمكن لعب هذا الدور في بحث مفصل منشور على منصة strategicfile.com بعنوان: السيناريو المتفائل في الشرق الأوسط.
وفي المرحلة الثالثة سيتم المعالجة والفلترة العميقة (Deep Inspection Zones) وسيعتمد تشغيل البروتوكولات البينية، وخضوع البيانات العابرة من الكتلة الشرقية للكتلة الغربية (والعكس) لعمليات تعقيم وفحص دقيق في طبقة التطبيقات (Application Layer Proxying) وفك التشفير للتأكد من خلوها من البرمجيات الخبيثة قبل سماح تحويلها للطرف الآخر.
أما الأثر الفني لسيناريو المناطق المحايدة فسيسبب ذلك ارتفاع زمن الاستجابة (High Latency) وتحول الاتصال المباشر ذي زمن الاستجابة المنخفض (مثلاً 80 ميلي ثانية) إلى مسارات معقدة تمر بنقاط معالجة وتدقيق، مما يرفع زمن الاستجابة إلى أكثر من 300-500 ميلي ثانية. وسيسبب ذلك موت التطبيقات الحية (Real-Time Applications).
هذا البطء سيجعل الاتصالات الفورية عبر الحدود (مثل التداول المالي عالي التردد، الاتصالات الصوتية والمرئية التفاعلية، والخدمات السحابية المباشرة) غير ممكنة بين الكتلتين. وستكون التكلفة الاقتصادية مضاعفة، وتُفرض رسوم عبور وتفتيش على البيانات (Data Transit Tolls)، مما يحول نقل البيانات عبر الحدود إلى عملية مكلفة شبيهة بالجمارك التجارية الفزيائية.
معظم الدول العربية، وبشكل خاص دول الخليج ومصر ودول الشام والمغرب العربي، تقع في القلب الجغرافي الحيوي لشبكة الإنترنت العالمية؛ حيث تمر عبر مضائقها وسواحلها (مثل قناة السويس، باب المندب، مضيق هرمز، ومضيق جبل طارق) كابلات بحرية ينقل من خلالها أكثر من 80% من حركة البيانات بين أوروبا وآسيا وأفريقيا.
ويمكن لهذا الدول إذا أحسنت إستغلال الفرصة وعززت موقعها وفق خطة عمل شاملة فيما بينها، تحويل نفسها جيو-إستراتيجياً إلى منطقة قلب الأرض ال Heartland تكنولوجياً لهذه المعادلة التي يعاد تشكيلها وفق النظام العالمي الجديد.
وتحويل الدول المحيطة بالعالم العربي إلى Rimland أطراف الأرض، بعد أن كانت هي أطراف الأرض ومركزية العالم الغربي الأوروبي، منذ وطئ المستعمر الأراضي العربية.
راجع البحوث التي نشرتها بهذا الخصوص على منصة: strategicfile.com. نظرية قلب الأرض التي أرسى أسسها هالفورد ماكيندر 1904، في مقابل نظريات أطراف الأرض لنيكولاس سبايكمان 1942، ونظريات القوة البحرية لألفريد ثاير ماهان 1890.
في ظل الحرب التكنولوجية الباردة المتصاعدة لبلقنة الإنترنت، لم يعد الاستثمار في مسارات الكابلات البحرية والبرية مجرد مشروع بنية تحتية تجارية، بل قرار سيادي وأمني واستراتيجي رفيع المستوى.
تتوزع الأبعاد العميقة للشبكات الدولية إلى عدة جوانب ومحاور يجب على الدول العربية أخذها بعين الاعتبار لضمان حماية أمنها القومي الرقمي واقتناص المكاسب الاقتصادية منها.
وقد أشرتُ في بحث منشور على منصة strategicfile.com بعنوان: السيناريو المتفائل للشرق الأوسط، أن دول المنطقة من أجل تعزيز موقعها على الصعيد العالمي، لابد لها من تعزيز مفهوم وحدة المصير الاقتصادي فيما بينها، والإستثمار في بنية بعضها البعض، لخلق حماية وقائية من الأزمات والحروب بين هذه الدول. ولابد لدول الخليج ودول الشرق الأوسط اليوم أن تحول الرؤى إلى واقع ملموس وتكون المصلحة المشتركة بينها هي أقوى منظومة دفاعية عن بنيتها التحتية في القرن الواحد والعشرين.
وعليها تحويل هذا التعاون والإستثمار المتبادل بينها إلى إنتحار إقتصادي لمنع حدوث الحروب.
حيث يرتكب المعتدي إنتحار إقتصادي إذا حاول الإعتداء على الأصول السيادية للدول الأخرى لأنها أصول سيادية تخصه أيضاً.
فالسلاح قد يردع هجومًا، لكن المشاريع الاقتصادية المشتركة تجعل الهجوم انتحارًا ماليًا للجميع، وهذا هو الضمان الحقيقي للأمن المستدام. بدلاً من دفع مبالغ ضخمة مقابل الحماية الخارجية التي ثبت عدم جدواها.
وفي ظل الضغوط المتبادلة بين واشنطن وبكين لفرض أجهزتهم الشبكية سيتعين على الدول العربية إدارة الحياد التكنولوجي والسياسي (Strategic Neutrality) من أجل تجنب الانحياز الأحادي في تصنيع الكابلات لأي من الكتلتين. وعدم الاستثمار في كابلات تعتمد كلياً على مورد واحد (مثل SubCom الأمريكية، أو HMN Tech الصينية).
وهذا يفرز مخاطر العزل، حيث قد يرفض الطرف المقابل ربط هذه الكابلات بمحطاته.
سياسة المزيج المتوازن (Hybrid Procurement) هذه ستفرض على المشغلين الوطنين التنوّع في شراء وتأجير السعات الضوئية بين كابلات تقودها شركات أمريكية وأخرى تقودها الصين أو شركات أوروبية (مثل ASN).
ربما تأسيس مناطق حرة رقمية ومحايدة (Neutral Digital Hubs) سيقود لتحويل محطات الإنزال ومراكز البيانات داخل أراضي الدول العربية إلى مناطق تبادل محايدة (Neutral Carrier Data Centers)، وستسمح بتبادل البيانات والربط البيني بغض النظر عن الجهة المصنِّعة للأجهزة الخارجية.
تُظهر الأزمات البحرية (كالأحداث التي شهدها البحر الأحمر وباب المندب) خطورة الاعتماد على مسار واحد. وسيكون تنويع المسارات الجغرافية والحد من عنق الزجاجة (Bottleneck Geographic Redundancy) على رأس الأولويات، وسيكون تطوير مسارات برية بديلة (Terrestrial Bridges) من أجل تقليل الاعتماد الحصري على المسارات البحرية عبر بناء كابلات ألياف ضوئية برية تعبر من الخليج إلى الأردن، ومنها إلى تركيا أو الشواطئ المتوسطية (مثل مشروع RMR أو مسارات الربط بين الدول العربية المجاورة) لضمان استمرارية الخدمة حال انقطاع الكابلات البحرية.
كما إن بناء نقاط إنزال متعددة (Multi-Landing Stations) من أجل تجنب إنزال جميع الكابلات في مدينة ساحلية واحدة سيكون مطلوبا عالمياً. حيث سيتوجب توزيع محطات الإنزال على عدة شواطئ متباعدة جغرافياً وتأمين مرافق منفصلة لتقليل مخاطر الحوادث الطبيعية أو الاستهداف العسكري.
شبكة البنية التحتية لن تكون مجرد ألياف ضوئية مصنوعة من الزجاج لنقل الضوء، بل هي أجهزة تشفير ومقويات إشارة (Repeaters) ومحولات راوترات (Routers)
وسيكون حماية السيادة الرقمية والأمن السيبراني في مستوى (Hardware Security) على رأس الأولويات، وسيكون الفحص الصارم لمستوى (Hardware Auditing & Attestation) والاشتراط في عقود بناء الكابلات البحرية وخضوع المعدات المزودة (خاصة أجهزة التوزيع في محطات الإنزال) لعمليات تدقيق أمني مستقل لمنع الثغرات الخلفية (Backdoors) المزروعة في الأجهزة من أهم ما ستقوم به شركات البنية التحتية.
أما الرقابة السيادية على أجهزة التفكيك والإدارة فيجب أن تكون الإدارة التشغيلية لنقاط الإنزال (Landing Stations) والمقاطع البرية المارة داخل أراضي الدولة تحت إدارة شركات وطنية وتخضع للسيادة القانونية والقضائية للدولة، وليست تحت النفوذ المباشر للشركات المتعددة الجنسيات الممولَة من القوى العظمى.
الدول العربية لسنوات كانت مجرد أرض عبور تمر عبرها البيانات إلى أوروبا. أما اليوم، فسيكون التحول من دول ترانزيت إلى مراكز قيمة مضافة (Value-Creation Shift) إذا أحسنت الدول العربية إستغلاله وإستخدامه لتكون مناطق وصل بين الشرق والغرب.
لذلك ستحتاج لبناء السحابات السيادية ومراكز البيانات الفائقة (Hyperscale Data Centers) والاستثمار في مراكز البيانات الضخمة والمستقلة والبعيدة عن الشركات العالمية لأحد القطبين العالميين، قرب نقاط إنزال الكابلات سيضمن استضافة البيانات الوطنية والإقليمية محلياً، مما يقلل زمن الاستجابة (Latency) ويمنع خروج البيانات السيادية للخارج. ويمنع تأثرها بالتشريعات التي تتيح حصول أحد القطبين على بيانات شركات التكنولوجيا الخاضعة لتشريعاتها.
كل ذلك يمكن أن يحدث إذا تمكنت هذه الدول من صناعة تقنيات وأجهزة خاصة بها بعيداً عبر إنشاء شبكات نقل ضوئي (Optical Transport Networks – OTN) ومحولات (Switches) وأجهزة توجيه (Routers) بشرط أن تكون غير مصنعة لدى شركات مثل Cisco, Ciena, Juniper Networks, Nokia، وكذلك غير مصنعة لدى الكتلة الشرقية في شركات Huawei, ZTE, Hengtong Optic-Electric، بدل ذلك تقوم هذه الدول بتصنيع أجهزتها الخاصة بها بعيدا عن الكتلتين، ليتم قبولها من قبل كليهما.
كما إن إنشاء نقاط تبادل إنترنت إقليمية (Regional IXPs) تشجيع شركات التكنولوجيا العالمية والإقليمية على تبادل البيانات داخل المراكز العربية، بدلاً من إرسال البيانات إلى نقاط تبادل في فرانكفورت أو مرسيليا أو لندن ثم إعادتها للمنطقة.
أما الحماية الفيزيائية والأمن البحري (Physical & Hybrid Protection) وما تتعرض له الكابلات البحرية من مخاطر تخريبية وعسكرية متزايدة (حروب الهجين وسفن التجسس) فسيكون التأمين البحري النشط وإنشاء أسطول أو وحدات مراقبة بحرية (باستخدام المسيرات البحرية والرادارات) لحماية المسارات البحرية الحساسة ومناطق الإنزال من مراسي السفن المشبوهة أو أعمال التخريب المباشر من أهم المشاريع الحيوية لدول الشرق الأوسط والشركات العاملة في هذا المجال.
وطبعا ستحتاج الشبكات لإصلاح الكابلات وسفن الصيانة (Cable Repair Vessels) وامتلاك قدرات وطنية أو إقليمية مشتركة لصيانة وتصليح الأعطال، إذ تشهد الساحة الدولية احتكاراً غربياً/صينياً لأسطول سفن الصيانة، وهو ما قد يعرقل تصليح أي كابلات مقطوعة في أوقات الأزمات والنزاعات. وخصوصا إذا كانت مملوكة لشركات من الكتلة الشرقية أو الغربية، حيث سترفض أن يتم التصليح من قبل شركات الكتلة الأخرى.
أما الأطر القانونية والسياسات الاستثمارية والمرونة فلابد من إصدار تشريعات للسيادة الرقمية وتدفق البيانات ووضع قوانين صارمة تصنف الكابلات البحرية والبرية كبنية تحتية حيوية فائقة الحماية.
شروط ملكية الترددات والألياف الضوئية المظلمة (Dark Fiber) كما تسمى، ستفرض شرط الاحتفاظ بنسب محددة من السعات (الألياف المظلمة) لاستخدامات الأمن القومي والحكومة، مع تسهيل منح الرخص للتحالفات الدولية بما لا يمس السيادة الوطنية.
وكما أشرتُ سابقاً، فإن تطوير امتدادات لبروتوكول BGP ليشمل تضمين توقيعات رقمية مشفرة (RPKI – Resource Public Key Infrastructure) لن تثبت فقط ملكية نطاق العناوين (IP Routing)، بل وأيضاً نوع البنية التحتية المصنعة للمعدات التي تعبرها الحزمة البيانية (Hardware Attestation) سيقود لتفكيك هذه الشبكات وتقسيمها بين الكتلة الشرقية والغربية.
بحيث إذا رصد جهاز التوجيه (Router) الغربي أن حزمة البيانات مرت عبر عقدة (Node) تعتمد على جهاز من تصنيع Huawei أو ZTE، سيتم إسقاط الحزمة تلقائياً (Drop Packet)، مما يجعل الربط المباشر بين الشبكتين مستحيلاً.
الخيار النووي الأخطر في حرب بلقنة الإنترنت سيكون في إدخال إضافة فصل الشركات المصنعة (Hardware ) ضمن بروتوكولات التوجيه الديناميكي الممتدة عبر بروتوكول BGP) Border Gateway Protocol) وخوادم RPKI (Resource Public Key Infrastructure.
هذا الآلية ستحوّل بروتوكول BGP من مجرد أداة هندسية تقنية تبحث عن أقصر وأفضل مسار لنقل البيانات إلى أداة سياسية واستخباراتية انتقائية للسيطرة والحظر على مستوى الحزم (Packet Level).
خطورة هذا السيناريو، وآلياته المعقدة، والنتائج الكارثية المترتبة عليه ستكون التغيير الفلسفي والتكتيكي لبروتوكول BGP و RPKI. وهذا سيقود للابتعاد عن فلسفة الإنترنت الأساسية (Best-Effort Delivery) وهو حق الوصول لجميع سكان الأرض بدون إستثناء أو تمييز.
فالإنترنت بُني على مبدأ أن أجهزة التوجيه (Routers) لا تهتم بكيف صُنِع الجهاز المزود للخدمة أو من صنعه، بل تهتم فقط بالوصول إلى الوجهة (Destination IP) عبر أقصر مسار ممكن.
دمج شرط (Hardware Attestation) يحوّل بروتوكول BGP إلى حارس شروط سياساتي، حيث يُعطي الأولوية لهوية المصنّع على حساب كفاءة النقل وسرعته.
وهذا تحريف في أهداف بنية RPKI الإساسية. فبنية RPKI أنشئت بالأصل لحماية الإنترنت من عمليات الاختطاف العشوائي أو الخبيث للعناوين (BGP Route Hijacking)، وذلك من خلال توقيع رقمي يربط بين نطاق العناوين (IP Range) والنظام المستقل (Autonomous System – AS). توسيع RPKI لتشمل شهادات إثبات المكونات (Hardware Certificates & Telemetry)
وهذا سيتطلب قائمة توقيعات الأجهزة (Hardware Manifests) حيث كل جهاز موجه (Router) أو مفتاح ضوئي (Optical Switch) يصدر شهادة رقمية مشفرة ومصادق عليها تثبت نسله (Cisco, Huawei, Juniper, ZTE).
التتبع عبر المسار (Path-Attested BGP Extensions) حيث كل حزمة بيانات أو إعلان مسار (BGP Update) سيتضمن وسمًا مشفرًا (Cryptographic Tag) يوضح قائمة الأجهزة التي مرت وتمر بها الحزمة.
أما المخاطر التقنية والهيكلية لفرض هذا النظام فسيقود لتفتت جدول التوجيه العالمي (Routing Table Fragmentation). حين ترفض موجهات الكتلة الغربية استقبال أو توجيه المسارات المسجلة بأجهزة صينية، سيؤدي ذلك إلى ظهور جدولي توجيه عالميين غير متوافقين.
أحدُها الجدول الغربي (Western View) الذي يحذف تماماً العُقَد أو المسارات التي تتضمن أجهزة صينية، مما يجعل جزءاً كبيراً من شبكات آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية غير مرئي (Unreachable) إلكترونياً.
والآخر الجدول الشرقي (Eastern View): يطبق بالفيزياء السياسية المعاملة بالمثل؛ حيث يرفض المسارات المارة عبر أجهزة أمريكية أو غربية.
وبسبب ذلك سيقود انخفاض كفاءة الشبكة وزيادة زمن الاستجابة (Severe Latency & Packet Loss) لإسقاط الحزم بناءً على هوية الأجهزة وهذا سيجبر البيانات على اتخاذ مسارات جغرافية طويلة وغير منطقية (Suboptimal Routing) لتفادي العقد المحظورة.
فحزمة بيانات تتجه من أوروبا إلى شرق آسيا قد تضطر للمرور عبر المحيط الهادئ والولايات المتحدة بدلاً من المسار المباشر عبر المحيط الهندي والبحر الأحمر، فقط لأن محطة إنزال محددة في الشرق الأوسط تستخدم محولاً من شركة Huawei.
وهذا سيرفع زمن الاستجابة (Latency) من 80 ميلي ثانية إلى أكثر من 400 ميلي ثانية، مما يدمر الخدمات القائمة على الوقت الفعلي (Real-time Applications) مثل الاتصالات المباشرة، التداول المالي، والمساعدات الطبية عن بُعد.
كما سيقود ذلك لتعقيد سلاسل التوريد والشهادات الرقمية (Certificate Authority Warfare). حيث إن إصدار والتحقق من هذه الشهادات، سيتطلب وجود سلطة شهادات جذرية عالمية (Root Certificate Authority).
وفي حال التنافس، ستسحب الولايات المتحدة الثقة من شهادات Huawei، بينما ستسحب الصين الثقة من شهادات Cisco و Juniper. النتيجة هي انهيار نظام الثقة المتبادلة (Collapse of Mutual Trust) الذي يعتمد عليه الإنترنت بكامله.
أثر ذلك على الدول النامية: الأبعاد الجيوسياسية والأمنية المخيفة:
الدول النامية والفقيرة سيتم خنقها (Digital Disenfranchisement) لأن العشرات من الدول النامية في أفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا تعتمد على أجهزة Huawei و ZTE نظراً لرخص سعرها وكفاءتها وجودة تمويلها عن طريق الحرير الرقمي. فرض هذا النظام يعني إجبار هذه الدول على خيارين كلاهما مر:
فهو سيتطلب من هذه الدول، إما إنفاق مليارات الدولارات لاستبدال بنيتها التحتية بالكامل بأجهزة غربي مكلف لتظل متصلة بالشبكة الغربية. أو القبول بالعزل التام عن الاقتصاد والخدمات الرقمية الغربية (Google, AWS, Microsoft, Apple)، والتحول القسري للتبعية الكاملة للمنظومة الرقمية الصينية.
هذا سيقود إلى تحويل أجهزة التوجيه إلى أدوات حرب سيبرانية هجومية، مما يعزز إمكانية إسقاط الحزم تلقائياً بناءً على نوع الأجهزة، وهذا يجعل أجهزة التوجيه أسلحة دفاعية وهجومية في آن واحد. حيث ستتمكن دولة ما، بنقرة زر واحدة عبر تحديث سياسات BGP، قطع دولة كاملة عن جزء من الإنترنت العالمي بحجة وجود مكونات غير معتمدة في شبكتها، وهو ما يشرعن الحصار الرقمي (Digital Blockade) قانونياً وتقنياً.
إن فرض نظام فحص الأجهزة المعتمدة عبر امتدادات RPKI و BGP لا يمثل مجرد حظر تجاري، بل هو تفكيك نهائي وممنهج لطبيعة الإنترنت كشبكة موحدة عالمياً.
إن تطبيق هذا السيناريو سيؤدي إلى إنهاء عصر الإنترنت المفتوح واللامركزي، ليحل محله عصر الشبكات القومية والتكتلية المغلقة (Sovereign Network Blocs)، حيث لن تتوقف القيود عند حد حجب المكتوب أو المنشور، بل ستصل إلى مستوى منع مرور الضوء والإشارات الكهربائية داخل اسلاك الألياف الضوئية، بناءً على البلد المصنع للأسلاك أو الراوترات (الموجهات). فلا يستطيع من يستخدم احدها رؤية والتواصل مع الاخر.
وهناك مشكلة أكبر في ظل إنتقال الشبكات من نظام IPV4 إلى نظام IPV6 وسوف أحاول تسليط الضوء عليها في الجزء الثاني من هذا البحث، لأنها ستقود أكثر لتعميق الإنفصال بين الشبكات العالمية بشكل أخطر.
الإنترنت والجيو-تكنولوجيا:
الجزء الأول: آليات الفصل التكنولوجي (Splinternet) لشبكات الألياف الضوئية البحرية.
الجزء الثاني: تفاقم الفصل بين IPv4 و IPv6 في ظل التنافس الجيو-تكنولوجي بين الولايات المتحدة والصين
المصادر والمراجع لمزيد من التعمق والمراجعة:
· حيدر المنصوري: السيناريو المتفائل في شرق أوسط جديد؟ عملة شرق أوسطية موحدة؟ ضمانات سيادية للأمن الإستراتيجي.
· حيدر المنصوري: السيادة الرقمية و القومية الرقمية الحديثة مقارنة بين سياسات الإتحاد الأوروبي مع النروج: كيف تتصدى النروج لسيناريو إحتلالها؟
- DeNardis, L. (2014). The Global War for Internet Governance. Yale University Press.
- Sherman, J. (2021). Cyber Defense Across the Ocean Floor: Submarine Cables and US National Security. Atlantic Council.
- TeleGeography (2024). Submarine Cable Map Research and Analysis Report.
- Rühlig, T. (2020). Technical Standardisation, China and the Future International Order. European Institute for Asian Studies (EIAS).
- US Federal Communications Commission (FCC) (2020). In the Matter of Process Reform for Executive Branch Review of Certain Applications Involving Foreign Ownership. FCC 20-133.
- Kaska, K., Beckvard, H., & Minárik, T. (2019). Huawei, 5G and Security: Geopolitical Dimensions and Technical Challenges. NATO Cooperative Cyber Defence Centre of Excellence (CCDCOE).
- DeNardis, L. (2014). The Global War for Internet Governance. Yale University Press.
- Mueller, M. (2020). Against Sovereign Internets: Openness, fragmentation, and the future of global networks. Policy & Internet, 12(2), 175-197.
- Huston, G. (2021). IPv6 and the Transition Economics. APNIC Research Labs.




