لم يعد ما يتعرض له السودان من هجمات متكررة بالطائرات المسيّرة التي تستهدف محطات الكهرباء والطاقة والمرافق الحيوية ومستودعات الوقود ، مجرد تطور عسكري عابر في سياق الحرب الدائرة بالبلاد ، وإنما أصبح مؤشراً بالغ الخطورة على انتقال الصراع السوداني إلى مرحلة جديدة ، تتجاوز حدود المواجهة الداخلية ، وتنذر بتوسيع دائرة العدوان إلى المحيط الإقليمي ، بما يحمله ذلك من تداعيات يصعب احتواء نتائجها .
إن ما أعلنته وزارة الخارجية السودانية بشأن انطلاق مسيّرات الدعم السريع من داخل الأراضي الإثيوبية ، وتحذيرها للحكومة الإثيوبية من استمرار السماح باستخدام أراضيها منصةً للعدوان على السودان ، مع احتفاظ الخرطوم بحقها في الرد ، يمثل تطوراً مهماً في مسار الأزمة .
وقد عزز الموقف المصري ، الذي عبّر عنه وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال مباحثاته مع نظيره السوداني في القاهرة ، من خطورة الرسالة الإقليمية ، بتأكيد إدانة استهداف المنشآت السودانية ، ودعم وحدة السودان وسيادته ومؤسساته الوطنية وفي مقدمتها الجيش ، والاستعداد لاتخاذ ما يلزم وفق القانون الدولي واتفاقية الدفاع المشترك بين البلدين .
ولعل الأخطر في هذا المشهد أن استهداف محطات الكهرباء والمياه والطاقة والوقود لا يقتصر أثره على الجانب العسكري ، وإنما يستهدف مقومات الحياة اليومية للمواطنين ، ويعطل المستشفيات والمرافق الصحية والإنتاج الزراعي والصناعي ، ويضعف قدرة الدولة على استعادة الخدمات وتهيئة الظروف لعودة النازحين واللاجئين .
إنها حرب على الدولة والمجتمع معاً ، وليست مجرد عمليات عسكرية في جبهات القتال .
غير أن على أديس أبابا أن تدرك أن السودان ليس مجرد دولة مجاورة يمكن التعامل مع أمنها القومي باعتباره شأناً هامشياً أو مساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية .
فالسودان يمثل عمقاً استراتيجياً وجواراً حيوياً لإثيوبيا ، بحكم الجغرافيا والتاريخ وتشابك المصالح والحدود والمياه والتجارة والأمن .
وأن أي اضطراب كبير في السودان لا يمكن أن يبقى محصوراً داخل حدوده ، كما أن أي عدوان ينطلق من الأراضي الإثيوبية سيضع العلاقات بين البلدين أمام منعطف بالغ الخطورة مستقبلا .
وتزداد خطورة هذا السلوك في وقت تتسع فيه دائرة التوترات الإثيوبية مع محيطها الإقليمي ؛ فمن التوتر مع إريتريا ، إلى الخلافات مع الصومال بشأن الترتيبات البحرية والوصول إلى البحر ، إلى التوتر مع مصر حول مياه النيل وسد النهضة ، تبدو إثيوبيا وكأنها تفتح ملفات خلافية متعددة في وقت واحد .
وهي بذلك تتجاهل حقيقة استراتيجية بسيطة ، مفادها أن الدولة الحبيسة التي تبحث عن منفذ إلى البحر الأحمر تحتاج إلى بناء الثقة مع جيرانها ، لا إلى صناعة العداوات معهم .
إن الوصول إلى البحر الأحمر أمر يمكن بحثه عبر التفاوض والتفاهمات الاقتصادية والقانونية والديبلوماسية ، لكنه لا يمكن أن يتحول إلى مبرر للتهديد أو فرض الأمر الواقع . فالبحر الأحمر ليس فراغاً جغرافياً ، وإنما مجال استراتيجي تحكمه سيادة الدول المشاطئة ومصالحها وأمنها الجماعي .
وليس من الحكمة أن تنسى أديس أبابا أن السودان كان ، ولا يزال ، أحد أكثر الأطراف الإقليمية تأثيراً في معادلات الاستقرار الإثيوبي الداخلي .
فقد تداخل تاريخ البلدين في مراحل مفصلية من تاريخ إثيوبيا الحديث ، وكان السودان عمقاً سياسياً وإنسانياً وجغرافياً في تحولات داخلية إثيوبية عديدة .
كما أن التوازنات القومية والإثنية والسياسية المتنافسة على السلطة في إثيوبيا تجعل استقرارها الداخلي شديد الحساسية لأي اضطراب في علاقاتها مع جيرانها .
والسودان ، بحكم موقعه وعلاقاته التاريخية وامتداداته الجغرافية ، يمتلك أوراق تأثير مهمة في تشكيل المشهد السياسي الإثيوبي وفي معادلات الإقليم كذلك .
لكن الحكمة السياسية تقتضي ألا تتحول هذه الأوراق إلى أدوات لتفجير الصراعات الداخلية أو استهداف التكوينات القومية والإثنية ، وإنما ينبغي أن تكون عناصر قوة لحماية المصالح الوطنية وصناعة توازن إقليمي يمنع الانزلاق إلى الفوضى .
إن ما ينبغي أن تفهمه الأطراف الاقليمية والدولية التي تدفع إثيوبيا إلى التصعيد ، أو تشجعها على فتح جبهة إضافية ضد السودان ، والرهان على تشتيت جهود الجيش السوداني ، ووقف تقدمه في كردفان وزحفه نحو دارفور ، وإطالة أمد الحرب عبر المال والسلاح والإسناد الخارجي ، قد يفضي إلى نتائج معاكسة تماماً .
فليس من الحكمة الاعتقاد بأن السودان سيظل مكتوف الأيدي أمام اعتداءات متكررة تستهدف سيادته ومنشآته الحيوية ، أو أن صبره الاستراتيجي يمكن أن يستمر بلا حدود .
لقد اختار السودان حتى الآن معالجة هذا التصعيد عبر القنوات الدبلوماسية ، وتقديم ما ثبت أنها أدلة فنية على انطلاق المسيّرات من الأراضي الإثيوبية ، مع احتفاظه بحقه المشروع في الدفاع عن نفسه .
وهذه سياسة تستحق أن تُقرأ باعتبارها فرصة أخيرة لتدارك الانزلاق ، لا دليلاً على التردد أو العجز .
إن الإقليم لا يحتمل حرباً جديدة ، ولا يحتاج إلى جبهة إضافية تضاف إلى جبهات النزاع الممتدة من البحر الأحمر إلى القرن الإفريقي وحوض النيل .
وعلى إثيوبيا أن تدرك أن أمنها لا يتحقق بإضعاف أو استفزاز جيرانها ، وأن الوصول إلى البحر لا يبدأ من تهديد السودان ، وأن مصالحها الاستراتيجية لا تُبنى على حساب استقرار محيطها .
أما السودان ، فقد آن الأوان أن تصل رسالته بوضوح إلى الجميع : لسنا دعاة حرب ، ولا نبحث عن توسيع دائرة الصراع ، لكننا لن نقبل أن تتحول أراضي الجوار إلى منصات للعدوان علينا أو شن حرب بالوكالة عن آخرين ، ولن نسمح باستباحة سيادتنا واستهداف مقدرات شعبنا بلا حساب أو عواقب .
فالسلام سيبقي خيار السودان الأول ولكن ليس الوحيد ، كما أن حماية الوطن والسيادة ليست أمرا قابلاً للتفاوض أو العبث .
فإن للسودان ربا يحميه وجيشا باسلا يفتديه بالدم .
ولتعلمن نبأه بعد حين ..
وإن غدا لناظره قريب .




