ثمّة لحظات في حياة الأمم تتجاوز كونها مجرّد محطّات عابرة، لتصبح مفاصل تاريخيّة يُعاد فيها تعريف العلاقة بين الدولة ومؤسّساتها ومحيطها الإقليميّ والدوليّ. وما يشهده لبنان اليوم، مع انعقاد الإجتماع التحضيريّ في باريس لدعم الجيش اللبنانيّ، والجدل المتصاعد حول مستقبل قوة الأمم المتّحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل)، يندرج في هذا السياق بالضبط. ليس الأمر مجرّد مؤتمر دبلوماسيّ آخر، بل هو اختبار حقيقيّ لمسار طويل من بناء الدولة، وفرصة تاريخيّة قد لا تتكرّر لترميم ما تصدّع في بنية النظام اللبنانيّ على مدى عقود.
في هذه المرحلة الدقيقة، يقف لبنان أمام معادلة بالغة التعقيد: كيف يُمكن لدولة أنهكتها الحروب والأزمات المتراكمة أن تستعيد سيادتها الكاملة على أراضيها، وتضمن في الوقت ذاته استمرار الدعم الدوليّ اللازم لهذا الجهد؟ الإجابة عن هذا السؤال لا تكمن في شعارات سياسيّة جوفاء، بل في فهم عميق لدور مؤسّستَيْن محوريّتَيْن: الجيش اللبنانيّ، و”اليونيفيل”.
أولاً: الجيش اللبنانيّ… حصن السيادة وضمانة العيش المشترك
لا يُمكن مقاربة دور الجيش اللبنانيّ بمنطق تقنيّ يختزله في كونه مؤسّسة عسكريّة تحمل السلاح وتدافع عن الحدود. وبحكم تركيبة هذا البلد الفريدة ونسيجه الطائفيّ والمناطقيّ المعقد، يُمثّل الجيش في لبنان أكثر من ذلك بكثير: إنّه المؤسّسة الجامعة الوحيدة التي يلتقي فيها أبناء الطوائف والمناطق كافة تحت راية الوطن، بمعزل عن انتماءاتهم السياسيّة والحزبيّة. وهذا ما جعل الرئيس جوزاف عون يصفه بأنّه “الضامن الأوحد لوحدة لبنان وسيادته واستقلاله”، مؤكّداً أنّ “لا حماية لهذا الوطن إلا بجيشه الوطنيّ الجامع”.
هذه الصفة الجامعة ليست ترفاً خطابيّاً، بل هي ضرورة وجوديّة. في بلد عاش حروباً أهليّة وصراعات داخليّة مدمّرة. وفي ظل نظام سياسيّ يقوم على المحاصصة الطائفيّة، يبقى الجيش هو المؤسّسة الوحيدة القادرة على تجسيد فكرة “المواطنة” بمعناها الجامع، بعيداً عن الحسابات الضيقة. ولهذا فإنّ أي محاولة للمس بهذه المؤسّسة أو عزلها عن حاضنتها الشعبيّة، كما حذّر الرئيس عون، “إنّما تُضعف الدولة كلّها، وتُهدّد ما تبقّى من مقوّمات الإستقرار”.
وتتضاعف مسؤوليّة الجيش اللبنانيّ في الجنوب مع كل خطوة انسحاب إسرائيليّ من الأراضي اللبنانيّة. لذا تستوجب المرحلة المقبلة ، بحسب الرئيس عون، “إنتشاراً كاملاً للوحدات العسكريّة على كامل الحدود الجنوبيّة، بما يؤكّد للعالم أنّ لبنان قادر، بجيشه وحده، على حماية سيادته وضبط أمن هذه المنطقة الحسّاسة”. هذه المهمّة ليست سهلة، لا على المستوى اللوجستيّ والعسكريّ، ولا على المستوى السياسيّ. فهي تتطلّب أولاً وقبل كل شيء جيشاً قويّاً ومجهّزاً وقادراً على فرض سلطته، وهذا ما يجعل مؤتمر دعم الجيش محطة بالغة الأهميّة.
لكن الدعم الماديّ واللوجستيّ وحده لا يكفي. الجيش يحتاج إلى غطاء سياسيّ وطنيّ جامع، وإلى إرادة حقيقيّة لدى القوى السياسيّة كافة بالكف عن المزايدة على هذه المؤسسة أو توظيفها في صراعاتها. والتجارب السابقة أثبتت أنّ الجيش عندما تُترك له المساحة الكافية للعمل بمعزل عن التجاذبات السياسيّة، يُثبت جدارته وكفاءته، كما فعل في إدارة ملفات حسّاسة عديدة.
ثانياً: “اليونيفيل” – ضرورة مرحليّة
على مدى عقدَيْن كاملَيْن، شكّل قرار مجلس الأمن الدوليّ 1701 الإطار المتّفق عليه دوليّاً لتحقيق السلام والإستقرار في جنوب لبنان. ورغم مرور عشرين عاماً على اعتماده، لا يزال هذا القرار يُشكّل المرجعيّة الأساسيّة لأي ترتيبات أمنيّة في الجنوب. يؤكّد نائب رئيس “اليونيفيل” أنّ “المبادئ الأساسيّة للقرار 1701 لا تزال تُحافظ على أهميّتها وملاءمتها للواقع الراهن”، مشيراً إلى أنّ القضايا المطروحة اليوم في المبادرات الدبلوماسيّة، مثل تعزيز سلطة الدولة، انسحاب القوات الإسرائيليّة، معالجة مسألة الجماعات المسلحة من غير الدول، هي ذاتها التي حدّدها القرار قبل عقدَيْن.
إنّ القرار 1701، الذي دعا إلى وقف دائم لإطلاق النار وإنشاء منطقة عازلة، يظلّ الإطار القانونيّ الوحيد المعترف به دوليّاً لتنظيم الوضع الأمنيّ في الجنوب. وهو يتضمّن مبادئ أساسيّة تشمل “احترام الخط الأزرق، ووقف الأعمال العدائيّة، وانسحاب القوات الإسرائيليّة من الأراضي اللبنانيّة، وبسط سلطة الدولة اللبنانيّة على كامل أراضيها”. هذا التكامل بين البُعدَيْن العسكريّ والسياسيّ هو ما يمنح القرار قيمته المستدامة، حتى وإن ظلّ تنفيذه الكامل رهيناً بالإرادة السياسيّة للأطراف المعنيّة.
وغالباً ما يُختزل دور “اليونيفيل” في كونه قوة فصل بين لبنان وإسرائيل، لكن واقع الحال أكثر تعقيداً. تضطلع القوة الدوليّة بمهام متعدّدة تتجاوز مجرّد المراقبة: فهي تدعم الجيش اللبنانيّ في نشر وحداته، وتساعده في التعامل مع القنابل العنقوديّة والذخائر غير المنفجرة، وتُقدّم التدريب لعناصره، وتُراقب الإنتهاكات وتوثّقها وترفع تقارير محايدة إلى مجلس الأمن. هذا الدور الداعم للجيش اللبنانيّ، وليس البديل عنه، هو ما يجعل التكامل بين المؤسستَيْن ضرورة مرحليّة.
علاوة على ذلك، يكتسب وجود “اليونيفيل” أهميّة خاصة في ظل الحاجة الملحة لتعزيز قدرات الجيش اللبنانيّ ليتمكّن من توليّ المسؤوليّة الأمنيّة الكاملة في الجنوب. وكما أشارت النائبة نجاة عون صليبا، فإنّ “استمرار وجود اليونيفيل يكتسب أهميّة خاصة في ظل الحاجة إلى دعم الجيش اللبنانيّ”. هذا الطرح لا ينطلق من منطق التشكيك في قدرات الجيش، بل من إدراك واقعيّ بأنّ بناء القدرات العسكريّة يحتاج وقتاً، وأنّ الفراغ الأمنيّ في هذه المرحلة الإنتقاليّة الحسّاسة قد يكون له عواقب وخيمة.
كما يُثير ملف تجديد ولاية “اليونيفيل” جدلاً واسعاً، خصوصاً في ظل تقارير تُشير إلى رفض الإدارة الأميركيّة لبقاء القوة الدوليّة بصيغتها الحاليّة. لكن المعطيات تُشير إلى أنّ الأميركيّين “لم يرفضوا مبدأ وجود قوات دوليّة بعد اليونيفيل إذا تمّ التوافق على مهمتها”، وأنّهم يبدون “تفهماً لعدم ترك فراغ بعد خروج اليونيفيل”. هذا الموقف، وإن كان يحمل في طيّاته ضغوطاً لإعادة تعريف دور القوة الدوليّة، إلّا أنّه يترك الباب مفتوحاً أمام صيغ بديلة تضمن استمرار الحضور الدوليّ في الجنوب.
في هذا السياق، يبدو التنسيق الفرنسيّ-الإيطاليّ لتشكيل قوة مشتركة تخلف “اليونيفيل” إذا طلب اللبنانيّون ذلك، محاولة جادة لتجاوز المأزق. إنّ فرنسا وإيطاليا، بحسب المصادر، “عازمتان على القيام بنشر قوات إذا أراد لبنان كي لا يحصل فراغ تملأه إسرائيل”. هذا الطرح يستحق نقاشاً وطنيّاً جديّاً، بعيداً عن ردود الفعل الإنفعاليّة، لأنّ السؤال الحقيقيّ ليس ما إذا كانت “اليونيفيل” ستبقى أم سترحل، بل كيف نضمن عدم ترك فراغ أمنيّ قد تستغله إسرائيل لتعزيز وجودها أو توسيع عملياتها في الجنوب؟
ثالثاً: العلاقة الجدليّة بين دعم الجيش وتجديد “اليونيفيل”
لا ينبغي النظر إلى دعم الجيش اللبنانيّ وتجديد ولاية “اليونيفيل” كخيارَيْن متنافسَيْن، بل كمسارَيْن متكاملَيْن في استراتيجيّة شاملة لترسيخ السيادة اللبنانيّة. فالجيش هو المؤسّسة الوطنيّة التي يجب أن تتولّى المسؤوليّة الأمنيّة الكاملة في نهاية المطاف، بينما “اليونيفيل” هي أداة دوليّة لتوفير الغطاء والدعم خلال المرحلة الإنتقاليّة. وكما أكّد الوزير السابق وديع الخازن، فإنّ “دعم الجيش اللبنانيّ والإبقاء على اليونيفيل يُشكّلان، في هذه المرحلة، مصلحة لبنانيّة صرفة، وخطوة أساسيّة نحو ترسيخ السيادة والإستقرار”.
إنّ هذا التكامل يتجلّى في مجالات عديدة: توفّر “اليونيفيل” المراقبة والتوثيق للإنتهاكات الإسرائيليّة، وتدعم الجيش في مهامه اللوجستيّة والتدريبيّة، وتُساعد في الحفاظ على وقف الأعمال العدائيّة. وفي المقابل، الجيش هو القوة التي تمتلك الشرعية الوطنيّة والتفويض الدستوريّ لبسط سلطة الدولة. وأي محاولة لاستبدال أحدهما بالآخر، أو إضعاف أحدهما، ستقوض المنظومة برمتها.
ومن المهم هنا التأكيد على أنّ دعم الجيش وتجديد “اليونيفيل” ليسا استجابة لضغوط خارجيّة، بل هما تعبير عن مصلحة لبنانيّة عليا. فالجيش القويّ هو الضمانة الوحيدة لحماية لبنان من الأطماع الإسرائيليّة، ومن الفوضى الداخليّة، ومن الإنزلاق إلى حروب لا نهاية لها. و”اليونيفيل”، بصفتها قوة دوليّة تحظى بإجماع مجلس الأمن، توفّر غطاءً دوليّاً للجيش اللبنانيّ، وتساهم في احتواء التوتّرات ومنع التصعيد.
وفي هذا السياق، يأتي الرفض الواسع لأي تقليص لدور “اليونيفيل” في هذه المرحلة. فقد وقّع 86 نائباً لبنانيّاً على عريضة تُطالب ببقاء القوة الدوليّة، سواء بصيغتها الحاليّة أو مع تعديلات على طبيعة وجودها. يعكس هذا الموقف إدراكاً وطنيّاً بأنّ “أي تقليص للدور الدوليّ في هذه المرحلة سيكون سابقاً لأوانه، وقد يفتح الباب أمام فراغ يزيد من هشاشة الوضع في الجنوب”.
رابعاً: التحديّات والرهانات
لا يُمكن الحديث عن دعم الجيش أو تجديد “اليونيفيل” بمعزل عن التحديّ الإسرائيليّ المستمر. فإسرائيل تواصل انتهاك القرار 1701 عبر استهداف قوات “اليونيفيل” وخرق الخط الأزرق والقيام بعمليّات عسكريّة في الأراضي اللبنانيّة. وتؤكّد “اليونيفيل” أنّ “أي وجود إسرائيليّ شمال الخط الأزرق في جنوب لبنان يُمثّل انتهاكاً صريحاً لقرار مجلس الأمن الدوليّ رقم 1701”. هذا التحدّي يجعل مهمة الجيش اللبنانيّ أكثر تعقيداً، ويجعل الدعم الدوليّ أكثر إلحاحاً.
وفي خضم التحوّلات الإقليميّة والدوليّة المتسارعة، يقف لبنان أمام فرصة تاريخيّة لتصحيح مساره وإعادة تعريف علاقته بمحيطه. يُشكّل مؤتمر دعم الجيش في باريس، بكل ما يحمله من رمزيّة ودلالات، محطّة مفصليّة في هذا المسار. لكن نجاح هذا المسار مرهون بقدرة اللبنانيّين على تجاوز خلافاتهم، والتوافق على حد أدنى من المشتركات الوطنيّة، وفي مقدّمتها الحفاظ على الجيش اللبنانيّ كخط أحمر جامع، ودعمه ليكون قادراً على أداء مهامه، وضمان استمرار الدعم الدوليّ عبر “اليونيفيل” أو أي صيغة بديلة تحظى بتوافق وطنيّ.
إنّ الجيش اللبنانيّ، بحكم طبيعته الجامعة وشرعيّته الوطنيّة، هو الأقدر على صون العيش المشترك وحماية السيادة. وهو لن يتمكّن من ذلك إلّا إذا توفّرت له الإرادة السياسيّة الداعمة، والموارد الماديّة اللازمة، والغطاء الدوليّ الكافي. و”اليونيفيل”، رغم كل الإنتقادات التي تطالها، تبقى في هذه المرحلة ضرورة لتوفير هذا الغطاء، ومنع الفراغ، ودعم الجيش في مرحلة انتقاليّة حسّاسة.
كما أنّ المسؤوليّة اليوم تقع على عاتق القيادة اللبنانيّة بكل أطيافها، وعلى المجتمع الدوليّ الذي يُبدي استعداداً لدعم لبنان. لكن المسؤوليّة الأولى تبقى على اللبنانيّين أنفسهم: أن يُدركوا أنّ اللحظة الراهنة قد لا تتكرّر، وأنّ التراخي أو المناورة قد يكلفانهم فرصة ثمينة لإعادة بناء دولتهم. الجيش ينتظر الدعم، والجنوب ينتظر الإستقرار، ولبنان كلّه ينتظر أن يُستعاد إليه دوره الطبيعيّ كوطن للحرية والإنفتاح والعيش المشترك. ولن يتحقّق ذلك إلّا بجيش قوي، وسيادة كاملة، وإرادة وطنيّة لا تلين.




