
في قراءة تطورات التاريخ السياسي الحديث لعدد من دول الشرق الأوسط، تبرز ظاهرة التوظيف الوظيفي للهويات الفرعية كأحد المحاور التفسيرية الأساسية التي تُسهم في فهم تعقيدات العلاقة بين الداخل والخارج، وبين الجماعات المحلية والمراكز الإقليمية أو الدولية. هذه الظاهرة، التي تجاوزت مفهوم “الخيانة” الفردية أو المصلحية، تبدو في كثير من الأحيان جزءًا من بنية تاريخية معقّدة، يتقاطع فيها العامل الطائفي أو الإثني مع التحولات الجيوسياسية، ضمن منظومة من العلاقات غير المتكافئة.
إن مفهوم “التحالفات الوظيفية” الذي غالبًا ما يُنسب إلى بعض الأقليات الدينية أو العرقية في المنطقة، لا يمكن قراءته خارج السياق العام الذي نشأ فيه، أي لحظة انهيار الكيانات الإمبراطورية التقليدية وبروز القوى الاستعمارية الحديثة. فقد ساهمت تلك اللحظة في إنتاج أنماط جديدة من الفاعلين المحليين، الذين وجدوا في “التموضع تحت الحماية” وسيلة للنفاذ إلى السلطة أو النجاة من التهميش، لا سيما في غياب بنى وطنية دامجة.
مع بدايات القرن العشرين وتفكك السلطنة العثمانية، ظهرت بوادر هذه الظاهرة عبر انخراط بعض الجماعات في شبكات خارجية هدفت إلى إعادة رسم خارطة النفوذ، مستخدمة الجمعيات السرية والروابط الفكرية كوسائط لاختراق الدولة المركزية. وقد اتخذت هذه الاختراقات طابعًا مزدوجًا: من جهة، خطاب تحديثي أو تحرري، ومن جهة أخرى، ارتباطات وثيقة بمشاريع دولية تهدف إلى تفكيك الإمبراطورية لصالح ترتيبات استعمارية جديدة.
في السياق الإيراني، تكررت الظاهرة بشكل مختلف، حيث استُثمرت الهويات الفرعية في الصراع بين المركز والأطراف، ضمن مسار طويل من استقطاب النخب أو الجماعات المتمايزة إثنيًا أو مذهبيًا، سواء في فترة الحكم الملكي أو خلال الحقبة الجمهورية. وقد ساعد العامل الخارجي، سواء البريطاني أو الأميركي، على إبقاء هذه الجماعات في موقع وظيفي ضمن المعادلة الإقليمية، في مواجهة النواة الصلبة للدولة المركزية.
أما في المشرق العربي، فقد بدت هذه الظاهرة أكثر وضوحًا مع تشكل الدول الوطنية بعد الانتداب، حيث أُعيد إنتاج الهويات الجماعية كأدوات سياسية. ففي بعض الحالات، لعبت جماعات محلية أدوارًا تنفيذية ضمن استراتيجيات دولية أو إقليمية، تحت عناوين التوازن، الحماية، أو التصدي لخطر الأغلبية. وقد ساهمت الأنظمة الحاكمة، أحيانًا، في ترسيخ هذا المنطق، عبر تمكين بعض الجماعات ضمن مؤسسات الدولة، أو من خلال توظيفها في المنظومات الأمنية والعسكرية.
في الوقت ذاته، شهدت هذه التجارب تحولات أكثر تعقيدًا مع تصاعد أدوار الفاعلين غير الدولتيين، لا سيما الجماعات المسلحة ذات الطابع المذهبي. فقد أدّت بعض هذه الجماعات، بحكم تموضعها الإقليمي وارتباطها بمنظومات دعم خارجي، وظائف أمنية وسياسية تتجاوز الفضاء المحلي، وتُكرّس تحويل الهويات الطائفية إلى أدوات في صراع النفوذ الإقليمي والدولي، بما يعيد إنتاج فكرة “الطائفة – الأداة” ضمن نظام الصراعات المعولم.
إلى جانب ذلك، برزت إشكالية “الاختراق الداخلي”، حيث تحوّلت بعض البيئات الحاضنة لتلك الجماعات إلى مجال لاختراقات أمنية من قبل أطراف معادية، ما أنتج ظاهرة معقّدة يمكن وصفها بـ”الاختراق المزدوج”، أو “التوظيف داخل التوظيف”، حيث تصبح الجماعة نفسها ضحية استنزاف مزدوج: خارجي عبر علاقتها بالقوى الداعمة، وداخلي عبر فقدان السيطرة على البنية الاجتماعية والأمنية الداخلية.
وفي حالات أخرى، ساهم الانقسام العمودي داخل الجماعات في تأجيج صراعات أهلية، لم تعد تقتصر على المواجهة مع النظام السياسي أو السلطة المركزية، بل امتدّت إلى داخل النسيج الاجتماعي ذاته، ما أفرغ الخطابات الطائفية من مضمونها التحرري، وأعاد توظيفها كآلية لصناعة الكانتونات الوظيفية أو المناطق شبه المستقلة ذات الوظيفة الأمنية.
ولا يمكن إغفال الأدوار التي لعبتها القوى الكبرى في هندسة هذا الواقع. فالولايات المتحدة، على سبيل المثال، وفي إطار استراتيجياتها لإعادة تشكيل المنطقة بعد الحروب الكبرى، عمدت إلى دعم نظم قائمة على الهويات الفرعية، بغية ضمان استقرار نسبي يتيح لها إدارة المصالح الاقتصادية من دون انخراط مباشر. إلا أن التجربة أظهرت لاحقًا أن هذا النوع من الاستقرار هش، وقابل للانفجار عند أول تحوّل في توازن القوى الإقليمية.
من هنا، بدأت بعض القوى الدولية تتجه نحو إعادة النظر في أدواتها، مفضّلة الشراكة مع قوى إقليمية تملك شرعية داخلية وقدرة على الضبط، ما يفسر تصاعد أدوار بعض الدول ذات الثقل الجغرافي والديني. هذا التحول، الذي يُراد له أن يفضي إلى مرحلة جديدة من إعادة الإعمار وتهدئة النزاعات، يمرّ حتمًا بتفكيك البنى الوظيفية السابقة، وإعادة إدماج الجماعات المحلية ضمن مشروع وطني جامع.
في المحصلة، تبيّن أن تجاوز متلازمة التوظيف الوظيفي للهويات الفرعية لا يتمّ من خلال تبديل موقع الارتباط الخارجي، بل عبر إعادة تأسيس مفهوم الدولة على أسس المواطنة المتساوية، والعقد الاجتماعي الشامل، والتوازن في توزيع السلطة. ولا يمكن لهذا المسار أن ينجح دون مراجعة نقدية لتجارب الماضي، والتخلّي عن منطق “التفوق الجماعاتي”، لصالح منطق الشراكة الكاملة في تقرير المصير.




