إقتصادالاحدث

مُنتِجو المعرفة: قوةٌ بلا نظام في عالمٍ مُتَفَكِّك | بقلم د. بيار الخوري

لم يَعُد العامل اليوم يقف خلف آلةٍ في مصنع، بل خلف شاشةٍ في غرفة صغيرة، يبيع فكره للعالم بضغطة زر. ومع ذلك، ورُغمَ هذا النفوذ الجديد، لا يزال بلا سلطة حقيقية.

 

حين صاغ كارل ماركس مفهوم البروليتاريا، كانَ يصف عالمًا يدور حول المصنع؛ فضاءً ماديًا صلبًا تتمركز فيه القوة العضلية وتُستنزَف في خدمة رأس المال. العامل في تلك الصياغة كيانٌ واضح الحدود: يملك جسده وقوته، ولا يملك شيئًا آخر. وعلى هذه الحقيقة المُرّة بنى ماركس نظرية تاريخية بأكملها، تقول إنَّ مَن يُنتِج فائض القيمة سوف يحكم يومًا ما بالضرورة.

 

غير أنَّ التاريخ لم يَسِر بخطٍّ مستقيم. الاقتصاد الرأسمالي، بطبيعته المتحوِّلة، فكّك التعريف الكلاسيكي للعامل من الداخل، من دون أن يُعلنَ عن ذلك. فلم يعد العمل حكرًا على الجهد العضلي، بل توسّع ليشمل المُبرمِج والكاتب وصانع المحتوى والمستشار المستقل الذي يبيع تفكيره لا يديه. بل إنَّ مُبرمِجًا مستقلًا في القاهرة، أو صانع محتوى في بيروت، يمكنه اليوم الوصول إلى سوق عالمية كاملة من دون المرور بمؤسّسة تقليدية.

 

وفي هذا التحوُّل تحديدًا تكمن المفارقة الكبرى: فالعامل الجديد لا يحتاج بالضرورة إلى مؤسسة وسيطة كي يعمل أو يبيع. المنصّات الرقمية أتاحت له أن يتحوّل إلى مؤسسة قائمة بذاتها، تُنتِجُ وتوزّع وتتفاوض مباشرة مع السوق العالمية.

 

هنا يصبح السؤال الماركسي القديم بحاجة إلى إعادة صياغة. ففكرة “ديكتاتورية البروليتاريا” كانت مبنية على مركزية العمّال الصناعيين كقوة تاريخية متجانسة ومتضامنة. أما اليوم، فالقوة تسكن في المعرفة والتكنولوجيا لا في العضلات، وهي موزّعة بين ملايين الأفراد المتفرّقين جغرافيًا والمُتَّصلين رقميًا.

 

منتجو المعرفة يمتلكون نفوذًا عالميًا حقيقيًا، لكن النفوذ وحده لا يصنع حُكمًا. الحُكمُ يحتاج إلى مؤسسات وشرعية وتنظيم سياسي، وهي بالضبط ما يفتقر إليه هذا العالم الجديد من المُنتجين.

 

والأمرُ لا يقتصر على التحوّلات في عالم العمل، بل يتقاطع مع أزمةٍ أعمق في بُنية النظام الدولي ذاته. فنحنُ نعيشُ مرحلة تتآكل فيها منظومة الحوكمة التقليدية: تراجع مؤسسات دولية، وعجز الدولة القومية عن احتواء تدفقات المعلومات والثروة والأزمات.

 

في هذا الفراغ تتنافس ثلاثة مسارات: هيمنة قوة واحدة تُعيد رسم النظام على صورتها، وشراكات إقليمية متعددة تبحث عن توازُنٍ جديد، وحوكمة عالمية جماعية تبدو المسافة بينها وبين الواقع بعيدة.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل يمكن للفئات الجديدة –منتجو المعرفة والتقنية– أن تملأ جُزءًا من هذا الفراغ وتتقدّم إلى موقع في صياغة الحوكمة؟الجواب الأمين هو أنَّ ذلك ممكنٌ لكنه ليس حتميًا.

إمكانه مشروط بقدرة هذه الفئات على التنظيم، لا التواصل فحسب –فالتواصل ليس تنظيمًا– وعلى بناء مؤسسات لا مجرّد شبكات، وعلى تحويل النفوذ الرقمي إلى سلطةٍ مستدامة تتجاوز الانتشار الافتراضي. وهي قفزة لم تحدث بعد.

والتاريخ يعلّمنا درسًا واضحًا في هذا السياق: كل ثورة كبرى في وسائل الإنتاج أنتجت لاحقًا شكلًا جديدًا من الحُكم والتنظيم السياسي. الطباعة أفضت إلى الإصلاح الديني ثم إلى مفهوم الدولة القومية. الثورة الصناعية أفضت إلى الأحزاب العمالية والنقابات وإعادة رسم خريطة السياسة الغربية.

أما الثورة الرقمية، بكل ما أحدثته من اضطراب، فلم تُنتج بعد شكلها السياسي المكافئ. وهذا لا يعني أنها لن تفعل، بل يعني أننا نعيش في وسط المخاض لا في نهايته.

وثمة شيء ذهب إليه ماركس يظل صحيحًا، بصرف النظر عن صلاحية “ديكتاتورية البروليتاريا”: إدراك المشكلة بوضوح هو دليل على أنَّ الحلَّ موجود في مكان ما، لكننا لم نُدركه بعد.

نحن ندرك اليوم أنَّ العمل تغيّر، وأنَّ القوة تشتّتت، وأنَّ الحوكمة تتأزّم. لكننا لم نُنتج بعد الأشكال المؤسسية القادرة على استيعاب هذا الإدراك وتحويله إلى نظام.

نحنُ لا نعيشُ نهاية نظام، بل ولادة نظام لم يتعلّم بعد كيف يَحكُم.

د. بيار بولس الخوري ناشر الموقع

يُعد الدكتور بيار بولس الخوري أكاديميًا رئيسيًا وباحثًا بارزًا يتمتع بخبرات واسعة في الاقتصاد السياسي وسياسات الاقتصاد الكلي وإدارة التعليم العالي. يشغل حاليًا منصب أمين سر الجمعية الاقتصادية اللبنانية واكاديمي رئيسي في الجامعة الاميركية للتكنولوجيا، وسبق له العمل كخبير اقتصادي في عدة بنوك مركزية عربية، كما تخصص في صناعة السياسات المالية بمعهد صندوق النقد الدولي في واشنطن العاصمة. ​تتنوع إسهاماته الأكاديمية والتقنية بصفته أستاذًا زائرًا لتكنولوجيا البلوك تشين بجامعة داياناندا ساغار في الهند ومستشارًا في الأكاديمية البحرية الدولية. ألّف الخوري أربعة كتب دولية حول تحولات اقتصاد التعليم العالي، ونشر أكثر من 40 بحثًا علميًا محكمًا، مما يجعله مرجعًا في قضايا مبادرة الحزام والطريق وتداعياتها الجيوسياسية والاقتصادية في منطقة الشرق الأوسط. ​أسس الخوري منصات معرفية رائدة تشمل مركز السياسات والاستشراف المعرفي (مسام)، وموقع الملف الاستراتيجي، وموقع بيروت يا بيروت المخصص للمعرفة وأسواق العمل. كما أطلق بودكاست "حقيقة بكم دقيقة" لمناقشة القضايا الراهنة، وشارك في تأليف سلاسل بحثية هامة تناولت صراعات حوض المتوسط والتحولات السياسية في لبنان عام 2019. ​يظهر الخوري كصوت مؤثر في مئات المقابلات الإعلامية العربية والدولية، حيث يحلل أزمات الاقتصاد اللبناني والإقليمي، ويكتب مقالات رأي في صحف كبرى مثل النهار والجمهورية وأسواق العرب اللندنية. تتركز جهوده حول إصلاح السياسات الكلية ومكافحة الفساد، بالإضافة إلى تطوير التعليم العالي وربطه باحتياجات سوق العمل الحديثة. ​يمتلك الخوري خبرة تقنية رائدة في دمج تطبيقات البلوك تشين في قطاع الأعمال، وقدم تدريبات دولية متخصصة لوزارة الخارجية النيجيرية وشركات في بانغالور. بالاضافة لمسيرة تمتد لثلاثين عامًا في التدريب مع مؤسسات كبرى كشركة نفط الكويت ومنظمة "أوابك". يجمع الخوري بين العمق الأكاديمي والاستشراف العملي كخبير اقتصادي موثوق في العالم العربي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى