
تحتفظ مدينة صور، إحدى أبرز مدن الساحل الشرقي للمتوسط، بشاهد فني فريد يندرج ضمن أقدم مراحل تطور التصوير المسيحي في المنطقة.
ففي مدافن البص الأثرية في صور عُثر، خلال أعمال التنقيب في ستينيات القرن العشرين، على لوحة جدارية مرسومة على واجهة قبر من نوع loculus.
وقد خضعت هذه الجدارية للترميم وأصبحت محفوظة ومعروضة في المتحف الوطني في بيروت.
وتتمثل أهميتها في طبيعة موضوعها وفي الإشكالية المرتبطة بتحديد هوية الشخصية وتاريخ تنفيذها.
وقد خصصت الباحثة ندى الحلو دراسة مستقلة لهذه الجدارية، كما قدمت عنها بحثًا في الاجتماع السنوي لـ American Schools of Oriental Research (ASOR) سنة 2017 بعنوان: An Early Image of the Virgin on a Tomb from Tyre: An Iconographical Approach.
تتكون الجدارية من مدالية مركزية يبرز فيها وجه شخصية نسائية ذات هالة، يحيط بها من الجانبين صليبان مرصعان بالجواهر (croix gemmées).
وتحت هذه المدالية توجد قطعة رخامية تسد موضع الدفن (loculus)، وتحمل نقشًا جنائزيًا يتضمن تاريخًا هو 440م. وقد كان هذا التاريخ، لفترة طويلة، أساسًا لربط الجدارية بمنتصف القرن الخامس الميلادي.
إلا أن دراسة ندى الحلو أظهرت أن هذا الربط ليس ممكنًا بصورة آلية، لأن القبر أعيد استخدامه، وبالتالي لا يمكن اعتبار تاريخ النقش تاريخًا مؤكدًا لتنفيذ الجدارية.
وتشكل هذه الملاحظة الأثرية نقطة أساسية في فهم العمل.
فإعادة استخدام القبر تعني أن عناصره لا تنتمي بالضرورة إلى مرحلة زمنية واحدة، وأن وجود نقش مؤرخ إلى 440م لا يسمح وحده بتأريخ الطبقة التصويرية إلى السنة نفسها.
ومن ثم ينبغي التمييز بين تاريخ النقش وتاريخ تنفيذ الجدارية؛ وهو تمييز ضروري في دراسة الآثار التي شهدت تغيرات أو إضافات لاحقة.
أما هوية الشخصية، فهي أكثر تعقيدًا. فالجدارية لا تحمل، بحسب الدراسة المتاحة، كتابة تعريفية باسم الشخصية.
ولذلك فإن اعتبارها العذراء مريم هو نتيجة قراءة أيقونوغرافية، وليس نتيجة تسمية كتابية مباشرة. وتستند هذه القراءة إلى طبيعة الشخصية النسائية ذات الهالة، وإلى السياق المسيحي للقبر، وإلى العناصر المحيطة بها، ولا سيما الصلبان المرصعة بالجواهر.
وقد تناولت ندى الحلو هذه المسألة تحديدًا في بحثها، ووضعت تحديد الشخصية ضمن تاريخ تطور صور العذراء في الفن المسيحي.
وتكتسب المسألة أهميتها من التطورات اللاهوتية التي شهدها القرن الخامس، ولا سيما مجمع أفسس سنة 431م وما ارتبط به من تثبيت لقب Theotokos، أي «والدة الإله»، للعذراء مريم.
غير أن الباحثة لا تنتقل مباشرة من مجمع أفسس إلى تاريخ 440م. بل تشير إلى أن انتشار صور العذراء على نطاق أوسع لم يبدأ إلا بعد فترة من المجمع، ولذلك فإن تاريخ النقش الموجود على القبر لا يمكن استخدامه ببساطة لإثبات أن الجدارية نفسها تعود إلى سنة 440م.
وإذا كانت الشخصية المصورة هي بالفعل العذراء مريم، فإن حلو تقترح ربط تنفيذ الجدارية بسياق تاريخي لاحق شهدته مدينة صور، ولا سيما الأحداث التي وقعت سنة 518م.
ومن هنا تبرز القيمة العلمية الحقيقية لجدارية صور. فالمسألة لا تتعلق فقط بتحديد ما إذا كانت هذه «أقدم صورة للعذراء»، وإنما تتعلق بفهم متى ظهرت الصورة المريمية في صور، وفي أي سياق ديني واجتماعي، ولماذا اختيرت لتزيين قبر مسيحي.
كما أن اختيار الجدارية لتكون على قبر يضيف بعدًا مهمًا إلى تفسيرها. فالصورة ليست موجودة داخل كنيسة أو في فضاء ليتورجي فحسب، بل ضمن سياق جنائزي. وهذا يفتح المجال لربط الصورة المريمية بمفاهيم الموت والخلاص والرجاء بالحياة الأبدية.
أما الصلبان المرصعة بالجواهر التي تحيط بالمدالية، فتندرج ضمن الرموز المسيحية التي اكتسبت أهمية متزايدة في الفن المسيحي المتأخر، وتمنح التكوين بعدًا دينيًا يتجاوز مجرد تصوير شخصية مقدسة.
وتنبع أهمية الجدارية أيضًا من موقعها في صور، وهي مدينة كانت جزءًا أساسيًا من شبكة المدن الساحلية في شرق المتوسط.
فظهور تمثيل مريمي محتمل في هذا المركز الحضري يكشف أن تطور اللغة البصرية المسيحية لم يكن ظاهرة محصورة في المراكز الإمبراطورية الكبرى، بل امتد إلى المدن الشرقية التي كانت على اتصال مستمر بالحركة الدينية والفنية والثقافية في المنطقة.
ومن الناحية المنهجية، يجب الحذر من العبارة الشائعة التي تصف جدارية صور بأنها «أقدم رسم للعذراء في العالم». فالمتاح من الأدلة لا يسمح بهذه الصياغة القطعية. والأدق علميًا اعتبارها من أقدم التمثيلات المريمية المعروفة في لبنان، وربما من أقدمها في المجال السوري-الفلسطيني، إذا صح تفسير الشخصية على أنها العذراء. وتصف ندى الحلو، في ملخص دراستها، هذه الصورة بأنها، إذا كانت فعلًا صورة العذراء، واحدة من أقدم صور والدة الإله، بل صورة ذات قدم استثنائية في المنطقة السورية-الفلسطينية.
وتكشف جدارية صور، في نهاية المطاف، عن أهمية الآثار الصغيرة في إعادة بناء التاريخ الديني والفني للجنوب اللبناني. فوجه امرأة مرسوم داخل مدالية على واجهة قبر لا يمثل مجرد عمل فني قديم، بل يحمل في داخله أسئلة تتصل بتطور العقيدة، وانتشار صورة العذراء، وإعادة استخدام المدافن، وتغير الممارسات الجنائزية، وتطور الفن المسيحي في شرق المتوسط.
ولذلك فإن القيمة العلمية لجدارية صور لا تكمن في البحث عن لقب «الأقدم» بقدر ما تكمن في كونها شاهدًا ماديًا نادرًا على مرحلة مبكرة من تاريخ الصورة المريمية في لبنان.
وهي تفتح الباب أمام دراسة أوسع للتمثيلات المريمية في جنوب لبنان، ومقارنتها بالفسيفساء والجداريات والنقوش والعمارة المسيحية في صور وصيدا ومناطق الجنوب، بهدف إعادة بناء خريطة زمنية وفنية لتطور حضور العذراء مريم في الفن المسيحي المحلي.
المرجع الأساسي
Nada Hélou, «L’identification et la datation de la peinture murale de la tombe de Tyr (Musée national de Beyrouth)», Eastern Christian Art, vol. 12, 2020. وتؤكد صفحة الباحثة أن المقال يناقش تحديد الشخصية وتأريخ الجدارية، وأن نقش سنة 440م لا يؤرخ الجدارية بسبب إعادة استخدام القبر.
كما قدمت ندى الحلو دراسة أولية عن الجدارية في اجتماع ASOR السنوي في بوسطن سنة 2017 بعنوان: An Early Image of the Virgin on a Tomb from Tyre: An Iconographical Approach.
