اجتماعالاحدث

خطة مقترحة لتنفيذ النهضة التربوية التعليمية في الأردن وفقا للتحديات المعاصرة | بقلم د. صفاء شويحات

القاعدة الذهبية تقول بأن كل تطور اقتصادي أو سياسي منشود يبدأ من التعليم، فبالتعليم الجيد نبني مجتمع منتج، وناقد. والنظام التربوي الأردني كغيره من الأنظمة العربية ما زال بمعظم ملامحه نظام تقليدي، فالتطوير التربوي الجاري حاليا ، تطوير سطحي غير عميق، وغير شامل. نحن نريد أكبر وأكثر بكثير من مجرد تحسينات سطحية تطال عناصر تربوية وتهمل عناصر أخرى، نحن نحتاج إلى نهضة تربوية عميقة وشاملة، نهضة تنطلق من إعادة النظر في فلسفة التربية والتعليم التي تعتبر الأساس لكل عمل تربوي تعليمي، لقد آن الأوان لصياغة فلسفة تربوية أردنية خاصة بنا تنطلق من رحم المجتمع ، تتناسب مع طبيعة وحجم التحديات الأردنية والعربية والإقليمية والعالمية المحيطة بنا، نحن نتطلع إلى فلسفة تربوية تحدد الغايات العامة من التربية والتعليم، والقيم والاتجاهات المراد اكسابها للأجيال الناشئة، والمهارات العملية التطبيقية التي تتناسب مع احتياجات سوق العمل، فلسفة شاملة متماسكة قابلة للترجمة عمليا إلى سياسات تعليمية فعالة، تعزز من تطوير النظام التعليمي الأردني، وتلبي احتياجات الفرد المتعلم و المجتمع الأردني على حد سواء.

 

واقع الحال:
1. على مستوى الفلسفة التربوية فالمعمول به حاليا يعود لفلسفة التربية التي تم اعتمادها في 2010 ونحن الان في 2025 فكم من التحديات والتغيرات الطارئة المتسارعة والمتصارعة تفرض نفسها على جميع جوانب الحياة ومستوياتها وعلى رأسها تحديات النظام التربوي أمام التطور التكنولوجي وتراجع النظام الاقتصادي وتفاقم العجز والمديونية وتحيات الإرهاب الفكري ، وارتفاع وتيرة الحروب في الإقليم ، وتهديدات التوسع، والتهجير، وغيرها .

2. هناك فجوة كبيرة بين الأطر العامة للمناهج وترجمتها الفعلية لأهداف تعليمية، وفجوة أخرى بين الأهداف العامة وبين محتويات الكتب المدرسية. وهذا الراي من واقع خبرة عملية فقد تشرفت بتكليف رسمي لتقييم مجموعة من نتاج المركز الوطني للمناهج .

3. على الرغم من توفر فرص التدريب المستمر للمعلم ، ليكون” قائدا تربويا، ما زال المعلم مجرد ناقل للمعلومة.

4. على الرغم من تطوير الكتب المدرسية، الا أنه ما زال هناك فقر في التركيز على المهارات. وقلما وندر تتعرض الكتب المدرسية للطالب بالتفكير النقدي والابداع وأسلوب حل المشكلات.

5. تقييم الطلبة ما يزال يرتبط بدرجات تحصيل، وليس بناء على المهارات الحياتية والمعرفية والمهارات الرقمية، ومهارات التواصل الفعال، والقيادة ، ومهارات العمل الجماعي بروح الفريق ومهارات الذكاء الاجتماعي، والذكاء العاطفي.

6. وجود فجوات واضحة بين التعليم في المدن والقرى. وفجوة أخرى جدا بين التعليم الحكومي والمدارس الخاصة، الثورة التربوية تضمن عدالة الوصول للتعليم الجيد لكل طفل في الأردن.

7. نحن نعلم في مواد كالتاريخ والتربية الوطنية لغايات تتعلق بالماضي بشكل مركز وقلما تتعلق في الحاضر أو المستقبل.

8. ما زالت مناهجنا لا تعكس تحديات الواقع، أين نحن من الذكاء الاصطناعي وتغير المناخ ، والاقتصاد الرقمي، والنهوض بخصائص الطبع الوطني.

 

الحاجة الى نهضة تربوية، بل ثورة تربوية في الأردن ليس لمجرد التغيير، بل حاجة ملحة لمواكبة العصر وتحقيق التنمية الحقيقية. لا بد من معالجة واقع النظام التربوي والنهوض به ، بتحديث فلسفة تربوية أردنية معاصرة تضع أساس تربوي متين لصياغة شخصية أبناءنا وفقا لمواصفات المواطن الأردني الذي نريد ، وتباعا تصاغ الأهداف التربوية العامة، والإطار العام للمناهج ، والكتاب المدرسية، وطرق التدريس والتقييم والتقويم، بما يضمن توافق العملية التعليمية مع قيم ومبادئ المجتمع الأردني وحاجات الطلبة وتطلعات المجتمع. إن تبني فلسفة تربوية جديدة ضرورة ملحة هدفها الأساسي بناء انسان مفكر ناقد منتج مبدع ، يمتلك مهارات حياة، وحل المشكلات ، والتكيف الاجتماعي والتواصل الفعال. صياغة فلسفة تربوية أمر لا بد منه لأي نظام تعليمي ، حيث توفر الفلسفة التربوية اطارا مرجعيا يوجه العملية التعليمية نحو تحقيق أهداف محددة، مما يساعد في تنظيم الجهود التربوية وضمان فعاليتها.

إن صياغة فلسفة تربوية عصرية سيشكل قاعدة لتعزيز دور النظام التعليمي في الأردن وفهم العلاقة الوثيقة بينه وبين الأنظمة الاجتماعية الأخرى كالنظام الاقتصادي، والنظام السياسي وغيره ويمكن للنظام التعليمي أيضا أن يحقق التوازن بين المعرفة النظرية والتطبيق العملي، مما يسهم في اعداد أفراد قادرين على التفاعل الإيجابي مع مجتمعهم ومواجهة التحديات .

والسؤال الذي يطرح نفسه وبقوة ما المنطلقات العامة لصياغة فلسفة تربوية اردنية معاصرة ؟

الاجابة باختصار تتحدد من عدة نقاط لعلى أهمها ما يلي:

1. توافق الفلسفة التربوية مع احتياجات المجتمع الأردني وتطلعاته، وتستند إلى تحليل دقيق للواقع الاجتماعي والثقافي للمجتمع الأردني.

2. المرونة، والتكيف مع المتغيرات المستمرة في المجتمع والعالم، مما يتطلب مراجعة دورية مستمرة للأهداف والسياسات التربوية.

3. فلسفة في جوهرها تطوير كافة جوانب شخصية الانسان الأردني الفكرية، والوجدانية، والقيمية، والمهارية.

4. الاستفادة من المدارس الفلسفية والتربوية المختلفة، مع مراعاة التكييف لتناسب السياق الثقافي المحلي، والتحديات الوطنية ،والإقليمية، والعالمية.

تطوير السياسات التعليمية رؤية استراتيجية

بعد صياغة فلسفة تربوية أردنية يأتي الحديث مباشرة عن تطوير السياسات التعليمية في الأردن والذي لم يعد خيارا، بل، ضرورة وطنية ملحة لضمان بناء جيل قادر على قيادة المستقبل.

وهنا نذكر أن التعاون بين الحكومة والمؤسسات الأكاديمية، والقطاع الخاص ، أمر لا بد منه
ما هي محاور تطوير السياسات التعليمية المقترحة؟

1. اعتماد مناهج ديناميكية منفتحة غير جامدة، مرتبطة بالسياق الأردني، وتعليم علوم- تكنولوجيا هندسة- فنون من سن مبكر. التركيز على المهارات الحياتية والتفكير النقدي بدلا من الحفظ والتلقين تضمين مفاهيم ريادة الاعمال والابتكار لإعداد الطلبة لسوق العمل الحديث.

2. الاستثمار في رفع مستوى برامج اعداد المعلمين لتشمل التكنولوجيا واستراتيجيات التعليم الحديث وعقد دورات تطوير مهني الزامية تشمل أساليب التعليم الحديث، وربط الترقيات بمستوى الأداء والتأهيل المستمر، وتعزيز برامج التعليم التفاعلي، والتعليم الالكتروني المدمج داخل الغرف الصفية، مع رواتب لائقة تحفزه على العطاء والتجديد.

3. تعزيز التعليم المهني، بإنشاء مسارات مهنية واضحة لطلاب المدارس الثانوية، كبديل عن التعليم. وتطوير شراكات بين المدارس والقطاع الخاص لضمان فرص عمل مبكرة للخريجيين. وتوفير حوافز مالية للطلاب اللذين يختارون التعليم المهني والتقني.

4. رقمنه العملية التعليمية: تطبيق أنظمة تعليم الكتروني متكاملة توفر مصادر تعليمية رقمية للطلاب والمعلمين خاصة في المناطق النائية، والاستثمار في البنية التحتية الرقمية للمدارس الحكومية .

5. تطوير أنظمة التقييم والامتحانات : تقليل الاعتماد على الامتحانات الموحدة، والانتقال الى التقييم المستمر، واستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في تحليل أداء الطالب وتحديد نقاط القوة والضعف، وإدخال التقييمات العملية والمشاريع كجزء أساسي من نظام الدرجات.

6. اشراك القطاع الخاص والمجتمع في تطوير التعليم ، وتشجيع الشركات الكبرى على تمويل مبادرات تعليمية عبر برامج المسؤولية الاجتماعية.

7. منح المدارس استقلالية أكبر لإدارة مواردها واتخاذ قرارات تناسب بيئتها المحلية.

8. تعزيز التعاون بين المدارس والجامعات لتسهيل انتقال الطلبة من التعليم العام الى التعليم الجامعي.

9. توفير بنية رقمية قوية، وانترنت مجاني أو مدعوم في المناطق الأقل حظا، وانشاء محتوى رقمي أردني عالي الجودة .

10. بيئة مدرسية محفزة وعادلة لتقليص الفجوة بين مدارس العاصمة والمناطق الريفية، والاستثمار في البنية التحتية : صفوف ، مختبرات، دعم الصحة النفسية للطلبة والمعلمين.

11. شراكة مجتمعية ورؤية وظنية، نحتاج الى ميثاق تربوي وطني يشارك فيه الأهالي، والمعلمون، والطلبة، والقطاع الخاص، والمؤسسات الدينية ،والثقافية.

12. يجب ان تثار الثورة التربوية ضمن رؤية أردنية مستقبلية مرتبطة بالتنمية الاقتصادية والهوية الوطنية.

 

النهضة التربوية الحقيقية والمنشودة لا تبدأ من فوق، بل من كل بيت ومدرسة وحي، وبخطة عمل تدريجية تمتد على مدار خمس سنوات ، يليها نموذج عملي لمدرسة ريادية يمكن تنفيذه كنواة للتغيير

ما النتائج المتوقعة من السياسات التعليمية المقترحة أعلاه؟
– تحسين جودة مخرجات التعليم وزيادة نسبة توظيف الخريجين
– جعل التعليم أكثر مرونة وقدرة على التكيف مع تطورات العصر
– رفع مستوى المعلمين وتحفيزهم على الابتكار في التدريس
– تعزيز مكانة الأردن كمركز إقليمي متطور

 

خطة مقترحة لنهضة تربوية تعليمية في الأردن
السنة الأولى التشخيص والتأسيس
1. تقييم شامل للواقع التربوي ( مناهج ، معلمين، بنية تحتية ، نتائج طلبة، بيئة صفية…الخ
2. تشكيل مجلس وطني للتربية يضم مختصين، معلمين طلاب، وأولياء أمور.
3. وضع ميثاق تربوي وطني يحدد الرؤية والقيم والأهداف
4. إطلاق برامج تدريب المعلمين في المهارات التربوية والرقمية الحديثة
5. تصميم نموذج مدرسة ريادية لتطبيقه تجريبيا في بعض المدارس المختارة

السنة الثانية، بناء الأساس
البدء في تطوير المناهج ، ادخال التفكير النقدي، المهارات الحياتية ، البرمجة والفنون
إطلاق بوابة رقمية وطنية للتعليم ، تربط الطلاب والمعلمين والموارد.
بناء شبكة مدارس نموذجية تجريبية في كل محافظة .
تدريب مكثف للقيادات التربوية – المديرين والمشرفين.
تضمين الصحة النفسية والرفاه التربوي ضمن سياسات التعليم.

السنة الثالثة ،توسيع التجربة
تعميم النموذج الريادي على 20% من المدارس الحكومية
ادخال تقييم جديد لطلبة التوجيهي قائم على المهارات والمشاريع.
تحفيز الابداع الابتكار داخل الصفوف من خلال ” اندية طلابية “”وصفوف ذكية”
بدء شراكات مع القطاع الخاص لتمويل مختبرات، منصات ، ومسابقات.
إطلاق حملة وطنية ” المعلم أولا ” لتعزيز صورة المعلم ومكانته.

السنة الرابعة ترسيخ التحول
– ادخال الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة لتخصيص التعليم وتحليل الأداء.
– بناء مسارات تعليمية مرنة: أكاديمي، تقني مهني ريادي
– اعتماد برامج اعداد معلمين جامعية جديدة بالتعاون مع كليات التربية
– ادماج اول دفعة من الطلبة بنظام التوجيهي الجديد

المرحلة الخامسة التثبيت والانتشار
– تعميم فلسفة التعليم الجديدة على كامل النظام التربوي
– تحويل المدارس الى مراكز تعلم مجتمعي” مفتوحة
– ربط المخرجات بسوق العمل والمبادرات الوطنية
– تحويل الأردن الى مركز إقليمي للتطوير التربوي الرقمي.

د. صفاء الشويحات، بروفسور مشارك في الجامعة الالمانية الاردنية وباحثة تربوية

دكتور صفاء شويحات بروفسور مشارك في اصول التربية. عضو هيئة تدريس في الجامعة الالمانية الاردنية، ومستشار التطوير التربوي لوزارة التربية والتعليم الاردنية ٢٠١٩. مستشار الخطة الاستراتيجية للشباب الاردني، ومستشار قطاع العلوم الاجتماعية والانسانية في المجلس الاعلى للعلوم والتكنولوجيا. حاصلة على الزمالة الامريكية في التعليم المدني 2010، ولديها العديد من المقالات والمؤلفات والدراسات العلمية المنشورة في دوريات علمية محكمة. حاصلة على درع عضو هيئة التدريس المتميز عن اعدادها لأول مساق تعليم إلكتروني مدمج في الجامعات العربية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى