
تكتسي الذكرى المئة والخمسون لولادة الزعيم التاريخي ومؤسس باكستان، “قائد أعظم” محمد علي جناح، أهمية استثنائية تتجاوز البعد الرمزي لتصبح حاجة فكرية وسياسية ملحة. ففي ظل المشهد الدولي المعاصر المفخخ بالحروب الممتدة، وانحسار الدبلوماسية الوقائية، وتفاقم الانقسامات المجتمعية، تفرض العودة إلى مبادئ جناح نفسها كضرورة لإعادة بناء النظام السياسي على قواعد متينة. وتبرز المعيارية الأخلاقية في فكره كنموذج قابل للتطبيق الواقعي؛ إذ لم يطرح مثالية معزولة، بل صاغ واقعية أخلاقية توازن بين قوة القانون والقانون المدعوم بالقوة.
وتبرز باكستان اليوم كـ ركيزة استقرار دبلوماسية يُحسب لها ألف حساب؛ دولة تلعب دور الوسيط المحوري في نسج الاتفاقات والتوازنات الإقليمية، وتصنع الدبلوماسية الوقائية، لتثبت للعالم أن الحكمة والحوار أجدى من الصراع. إن هذا الدور ليس وليد المصادفة، بل ينبثق مباشرة من الفلسفة السياسية للزعيم التأسيسي محمد علي جناح. فالممارسة الدبلوماسية لباكستان تجد بوصلتها في إرثه، لا سيما في تدعيم الأمن الإقليمي القائم على حسن الجوار، وتجنب السياسات الانحيازية الحادة. وتترجم الدولة عقيدته التاريخية “السلام في الداخل، والسلام في الخارج” عبر جمع الفرقاء على طاولة المفاوضات، وتعزيز الحوكمة وحياد المؤسسات الوطنية، لتثبت أن السلام الإقليمي يبدأ من استقرار الدولة الداخلي واحترامها للقواعد الدولية.
وبينما تتسابق دول عدة اليوم نحو التسلح المفرط وتعتبر البطش القوة المعيارية الأساسية لفرض الهيمنة وتغذية الصراعات، تجسد باكستان نموذجاً مغايراً مستوحى من فكر قائدها التأسيسي. فمع كونها قوة إقليمية وعسكرية لا يُستهان بها، فإنها لا تضع قوتها في خدمة العدوان أو التوسع، بل تجعل منها درعاً رادعاً لحماية السيادة الوطنية وإرغام الخصوم على الاحتكام لطاولة القانون. إن الاستفادة من مبادئ جناح تتجلى اليوم في تحويل “القوة” من أداة للسيطرة والحروب العبثية إلى وسيلة حماية تُدعم الدبلوماسية وتصون السلام وتفرض الاحترام المتبادل.
في المحصّلة، تؤكد تجربة جناح أن حل الصراعات المعاصرة لا يتحقق بالحسم العسكري أو الاستقواء اللحظي، بل عبر الاستثمار الراسخ في الهندسة الدستورية وبناء المؤسسات المحايدة التي تتجاوز العرق والدين. إن “قائد أعظم” لم يترك مجرد دولة، بل أورث العالم نموذجاً حياً يُثبت أن السلام الحقيقي والمستدام هو الذي يُغرس في وجدان الشعوب وتضمنه دولة القانون والعدالة، وأن السلاح الحقيقي في وجه التفتت والخراب يكمن في حكمة القادة ورصانة الدساتير، وليس في المدفع والبارود.




