“الله يرحم القانون” | بقلم المحامي زياد فرام

ليس أخطر على القانون من قانونٍ يُقرّ باسم القانون ليهدم هيبته..
القانون ليس نصوصاً تُسنُّ ثم تختزل بإرادة سياسية؛ إنه ذاكرة المجتمع في معنى العدالة، وهيبة الدولة في قدرتها على إنفاذها.. وحين يُتساهَل بالعقاب من استحقّه، يشعر من احترم القانون أنه كان المخطئ الوحيد، ويغدو الالتزام به سذاجةً، والتمرد عليه احتمالاً قابلاً للتسوية.
ليس العفو فضيلةً حين يُهين العدالة، ولا رحمةً حين يُنقِص الرَّدع، ولا وطنيةً حين يجعل الدولة نفسها أول من يعلّم الناس أن القانون قابلٌ للمساومة.
فماذا يعني بعد أن يُقال للمواطن: لا تستوفِ حقك بذاتك، فالسّلطة تتولى ذلك، ثم يُقال له لاحقاً: لقد عفونا عمّن اعتدى، بأن قلَّلنا من شأن عقوبته..!!
وبالرغم من أنَّ ما تمَّ إقراره تحت مسمَّى “العفو العام”، لا يُعتَبَر من حيث مقتضى المادة ١٥٠ من قانون العقوبات اللبناني بعفوٍ عام كامل الأوصاف، إذ يأتي الأخير ليُسقط عن كلِّ عقوبة أصلية كانت أو فرعية أو إضافية ـ الصفة الجرمية عن الفعل نفسه، ليصبح كأنه لم يُجرّم أصلاً ويُسقط جميع العقوبات المذكورة أنَّى كان شكلها..
في حين أن القانون المعني في معظمه جاء مخفِّضاً للعقوبات لا مسقطاً لها، وبذلك لا أثر له على وقف الحكم النافذ أو التكرار أو اعتياد الإجرام أو إعادة الاعتبار…!!
وإن كان ذلك، وكيفما أتاه المشرّع وتحت أي مسمَّى أُقِرّ، فالتشريعات التي تساوٍم على العقاب لا تعد بمستوى من المكانة الرادعة يجعلها قادرة على تجريم استيفاء الحق بالذات..!! إذ إن الدولة بمفهومها كسلطة منبسقة من عقد إجتماعي، حين تحتكر إقامة العدل، إنما تنتزع من الفرد حق الانتقام الفردي (vengeance individuelle) ، وتلزمه بأن يطرق باب القضاء لا باب القوة.
فحين تفرض السُّلطة على المواطنين احترام القانون من باب الثقة بقواعده، فتأتي وتعفو (تحت أيِّ شكلٍ) عمّن خالفه، فإنها تضعف الأساس الأخلاقي الذي يقوم عليه هذا الاحتكار.
الله يرحم القانون؛ يوم كان وعداً بالعدالة، لا وعداً بالعفو.




