ازمة لبنانالاحدث

مطار القليعات: بين هواجس الطوائف وفرصة الدولة | كتبت عبير درويش

دراسة اقتصادية–اجتماعية شاملة حول مطار الرئيس رينيه معوض (القليعات) في لبنان: هل يوحّد اللبنانيين أم يعمّق الانقسام؟

يُعدّ مطار الرئيس مطار رينيه معوض في القليعات أحد أكثر المشاريع العامة إثارةً للجدل في لبنان. فبينما يراه مؤيدوه مشروعاً اقتصادياً وإنمائياً واستراتيجياً يخفف الاعتماد على مطار بيروت ويعيد التوازن التنموي للشمال اللبناني، ينظر إليه معارضون من زاوية سياسية وأمنية وطائفية تتجاوز الحسابات الاقتصادية البحتة. وتشير المعطيات المتوافرة إلى أن تعطيل المشروع لعقود طويلة ارتبط أكثر بالخلافات السياسية وهواجس النفوذ والمركزية الإدارية والأمنية منه بغياب الجدوى الاقتصادية وحدها.

أولاً: الخلفية التاريخية

يقع المطار في محافظة عكار شمال لبنان، بالقرب من الحدود السورية وعلى مسافة قصيرة من مدينة طرابلس. استُخدم عسكرياً لعقود، فيما طُرحت فكرة تشغيله مدنياً منذ نهاية الحرب الأهلية، إلا أن المشروع بقي معلقاً بالرغم من تكرار إدراجه ضمن الخطط الحكومية.

وفي السنوات الأخيرة عاد الملف بقوة بسبب الأزمات الأمنية والاقتصادية واعتماد لبنان على منفذ جوي واحد هو مطار رفيق الحريري الدولي.

ثانياً: لماذا رُفض تشغيل المطار طوال العقود الماضية؟

  1. الخوف من كسر المركزية البيروتية

منذ الاستقلال تركزت المؤسسات الاقتصادية والسيادية الكبرى في بيروت. وقد يؤدي تشغيل مطار القليعات إلى نقل جزء من الحركة الاقتصادية والاستثمارية نحو الشمال، ما يغيّر موازين النفوذ الاقتصادي التقليدية.

  1. التحاصص السياسي والطائفي

في النظام اللبناني، غالباً ما تُقاس المشاريع الكبرى ليس فقط بجدواها الاقتصادية بل أيضاً بتأثيرها على توازن القوى بين المناطق والطوائف.

ولهذا ظهر سؤال غير معلن:

من سيستفيد سياسياً من المطار؟

هذا السؤال كان أحياناً أهم من سؤال:

هل يحتاج لبنان إلى مطار ثانٍ؟

وهذه إحدى مشكلات الدولة اللبنانية المزمنة حيث تتحول المشاريع الإنمائية إلى ملفات نفوذ سياسي.

  1. الهواجس الأمنية

هناك مخاوف تاريخية مرتبطة بقرب المطار من الحدود السورية، إضافة إلى قضايا الرقابة الجوية والأمن الحدودي. كما طُرحت أسئلة حول قدرة الدولة على تأمين البنية الأمنية والتقنية المطلوبة.

  1. غياب الإرادة السياسية

تشير مراجعة الحكومات اللبنانية إلى أن وعود تشغيل المطار تكررت لعقود دون تنفيذ فعلي، رغم وجود قوانين وآليات تسمح بذلك.

ثالثاً: هل الخوف من المطار طائفي؟

من الناحية الأكاديمية، لا يوجد دليل موضوعي على أن مطاراً مدنياً بحد ذاته يشكل تهديداً لطائفة معينة.

لكن في لبنان غالباً ما يُقرأ أي مشروع كبير من خلال ثلاثة أسئلة:

  • أين يقع؟
  • من سيستفيد منه؟
  • من سيحصل على النفوذ المرتبط به؟

وهكذا تتحول البنية التحتية إلى قضية هوية سياسية بدل أن تكون قضية تنمية.

بالتالي، الخوف ليس من المطار نفسه بل من التغيرات السياسية والاقتصادية التي قد تنتج عنه.

رابعاً: الأهمية الاقتصادية الحقيقية للمطار

  1. تنمية عكار

تُعتبر عكار من أكثر المناطق اللبنانية فقراً وتهميشاً.

تشغيل المطار قد يؤدي إلى:

  • خلق فرص عمل مباشرة.
  • تنشيط قطاع الخدمات.
  • جذب الاستثمارات.
  • رفع أسعار الأراضي بشكل منظم.
  • تطوير البنية التحتية.
  1. دعم طرابلس

يمكن أن يتحول المطار إلى جزء من منظومة اقتصادية تضم:

  • مرفأ طرابلس.
  • المنطقة الاقتصادية الخاصة.
  • قطاع النقل والشحن.

وهو ما يخلق قطباً اقتصادياً جديداً خارج بيروت.

  1. تخفيف الضغط عن مطار بيروت

مع اعتماد لبنان على مطار دولي واحد، يصبح البلد هشاً أمام:

  • الحروب.
  • الأزمات الأمنية.
  • الكوارث الطبيعية.
  • الازدحام الموسمي.

وجود مطار ثانٍ يرفع مستوى المرونة الوطنية.

خامساً: الأهمية الاجتماعية

التأثير الإيجابي

يمكن أن يؤدي المشروع إلى:

  • تعزيز شعور أبناء الشمال بالاندماج الوطني.
  • تقليص الإحساس بالتهميش.
  • الحد من الهجرة الداخلية نحو بيروت.
  • تحسين فرص الشباب في العمل والاستثمار.

التأثير السلبي المحتمل

إذا استُخدم المشروع في الخطاب السياسي الطائفي فقد يتحول إلى:

  • أداة استقطاب انتخابي.
  • رمز لصراع النفوذ بين المناطق.
  • مشروع يُقاس بالانتماء لا بالكفاءة.

وهنا تصبح المشكلة سياسية لا اقتصادية.

سادساً: هل افتتاح المطار يوحّد اللبنانيين؟

السيناريو الإيجابي

إذا قُدّم المشروع باعتباره:

  • مطاراً وطنياً.
  • استثماراً لكل لبنان.
  • جزءاً من شبكة نقل وطنية.

فقد يصبح نموذجاً ناجحاً للإنماء المتوازن ويخفف الاحتقان بين المناطق.

السيناريو السلبي

إذا تم تسويقه على أنه انتصار لطائفة أو منطقة على أخرى، فسيزيد الشكوك المتبادلة ويعمّق الانقسام.

المطار بحد ذاته لا يوحد ولا يفرق؛ طريقة إدارة المشروع وخطابه السياسي هي التي تحدد النتيجة.

سابعاً: هل أُعطي المطار أكبر من حجمه؟

الإجابة المهنية هي: نعم ولا.

نعم

لأن بعض الخطابات السياسية قدّمت المطار كأنه الحل السحري لأزمة الشمال أو الاقتصاد اللبناني، وهو أمر مبالغ فيه.

فالمطار وحده لا يصنع نهضة اقتصادية.

لا، لأن وجود مطار ثانٍ في دولة تعتمد بالكامل تقريباً على مطار واحد ليس ترفاً بل حاجة استراتيجية موجودة في معظم الدول الحديثة. كما أن الدراسات الحكومية الأخيرة تتعامل معه كمرفق وطني لا محلي فقط.

ثامناً: هل المخاوف من مطار القليعات مبررة أم مبالغ فيها؟

يثير مشروع تشغيل مطار الرئيس رينيه معوض في القليعات مجموعة من المخاوف والاعتراضات التي تتفاوت في درجة واقعيتها ومبرراتها. فمن الناحية المهنية، لا يمكن وضع جميع هذه المخاوف في خانة واحدة، إذ إن بعضها يستند إلى اعتبارات تقنية واقتصادية حقيقية، بينما يرتبط بعضها الآخر بالهواجس السياسية والطائفية أكثر من ارتباطه بالوقائع الموضوعية.

فعلى المستوى الأمني، توجد مخاوف مشروعة تتعلق بضرورة تأمين المطار وإدارته وفق أعلى المعايير الدولية، خصوصاً في ظل موقعه الجغرافي القريب من الحدود الشمالية. إلا أن هذه التحديات ليست استثنائية، إذ تواجهها مطارات عديدة حول العالم ويمكن معالجتها من خلال الاستثمار في أنظمة المراقبة والأمن والتنسيق بين الأجهزة المختصة.

أما فيما يتعلق بالبنية التحتية، فتُعد هذه المخاوف من أكثر الاعتراضات واقعية. فنجاح أي مطار لا يعتمد على المدرج والمباني فقط، بل يحتاج إلى شبكة طرق حديثة، وخدمات نقل فعالة، وبنية لوجستية قادرة على ربطه بمختلف المناطق اللبنانية. ومن دون هذه العناصر قد تتراجع فعاليته الاقتصادية وقدرته على جذب المسافرين وشركات الطيران.

كما أن مسألة التمويل تشكل تحدياً حقيقياً في ظل الأزمة الاقتصادية التي يعيشها لبنان. فإعادة تأهيل المطار وتشغيله تتطلب استثمارات كبيرة، الأمر الذي يفرض البحث عن نماذج تمويل مستدامة تضمن عدم تحوله إلى عبء إضافي على المالية العامة.

وفي ما يخص الجدوى الاقتصادية، لا يمكن الجزم بشكل نهائي بحجم المنافع المتوقعة من المشروع من دون دراسات تفصيلية محدثة تأخذ في الاعتبار حركة المسافرين المتوقعة، وكلفة التشغيل، والقدرة التنافسية للمطار مقارنة بمطار بيروت. ولذلك تبقى الأسئلة الاقتصادية مشروعة وتحتاج إلى تقييم علمي بعيداً عن المواقف السياسية المسبقة.

في المقابل، تبدو المخاوف ذات الطابع الطائفي أو المذهبي أقل استناداً إلى أسس اقتصادية أو تنموية. فالمطارات في جوهرها مرافق عامة تخدم المواطنين بغض النظر عن انتماءاتهم، ولا توجد أدلة موضوعية تشير إلى أن تشغيل مطار في منطقة معينة يهدد مصالح طائفة أو فئة بعينها. ومع ذلك، فإن تأثير هذه المخاوف يبقى حاضراً في الحياة السياسية اللبنانية بسبب الإرث الطويل من عدم الثقة بين المكونات المختلفة.

أما الحديث عن أن تشغيل المطار قد يؤدي إلى تقسيم اقتصادي للبنان أو إلى نشوء كيان اقتصادي مستقل في الشمال، فيبدو طرحاً مبالغاً فيه إلى حد كبير. فالتجارب الدولية تظهر أن تطوير البنية التحتية في المناطق الطرفية يعزز عادةً التكامل الاقتصادي الوطني بدلاً من تفكيكه، خصوصاً عندما يكون المشروع جزءاً من رؤية وطنية شاملة للتنمية المتوازنة.

وبناءً على ذلك، يمكن القول إن المخاوف المرتبطة بالأمن والبنية التحتية والتمويل والجدوى الاقتصادية تستحق الدراسة والمعالجة الجدية، بينما تبدو المخاوف الطائفية ومخاوف التقسيم الاقتصادي أقرب إلى الهواجس السياسية منها إلى الحقائق المدعومة بالأدلة. وبالتالي فإن نجاح المشروع أو فشله لن يتحدد بموقعه الجغرافي أو بالانتماءات الطائفية المحيطة به، بل بمدى قدرة الدولة اللبنانية على إدارته وفق معايير مهنية واقتصادية سليمة.

وقد شددت الجهات الرسمية نفسها على أن نجاح المشروع مرتبط بشبكات الطرق والدراسات الاقتصادية وخطة استثمار متكاملة، لا بمجرد افتتاح المدرج.

وفي الختام، من منظور اقتصادي واجتماعي بحت، يبدو تشغيل مطار القليعات مشروعاً ذا جدوى استراتيجية وتنموية معقولة للبنان، خصوصاً للشمال وعكار وطرابلس. أما أسباب تعطيله التاريخية فتبدو مرتبطة أكثر بالسياسة المركزية، والتحاصص، والهواجس الأمنية والطائفية، وليس بغياب الحاجة إليه.

السؤال الحقيقي ليس: هل يحتاج لبنان إلى مطار القليعات؟

بل:هل يستطيع لبنان إدارة مشروع وطني كبير خارج منطق المحاصصة والطوائف؟

فإذا كانت الإجابة نعم، قد يصبح مطار القليعات رمزاً لوحدة الدولة والتنمية المتوازنة. أما إذا بقي أسيراً للصراعات التقليدية، فسيتحول إلى فصل جديد من قصة الانقسام اللبناني.

عبير درويش، كاتبة وصحافية لبنانية متخصّصة في الشؤون الاقتصادية والاجتماعية

عبير درويش، كاتبة وصحافية لبنانية متخصّصة في الشؤون الاقتصادية والاجتماعية، تمتلك خبرة تفوق عشرين عامًا في الإعلام المرئي والمكتوب وإدارة المحتوى الرقمي. عملت مع مؤسسات محلية وعربية بينها East News وBelwasat.com، وأسّست موقع mintandhint.com الاقتصادي. تولّت إدارة حملات التواصل الاجتماعي لمؤسسات فكرية وإنسانية كـمؤسسة الفكر العربي والجمعية اللبنانية لمكافحة السرطان، وقدّمت برامج اقتصادية عبر تلفزيون لبنان وNBN. تجمع في عملها بين الدقة المهنية والحس الإنساني، ما يجعلها صوتًا موضوعيًا في تناول قضايا الاقتصاد والمجتمع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى