إقتصادالاحدث

من الإنفلونزا الإسبانية إلى هانتا: كيف التهمت الأوبئة أكثر من 14 تريليون دولار من الاقتصاد العالمي؟ | كتبت عبير درويش

الفيروسات التي هزّت العالم: أوبئة قتلت الملايين وأحرقت تريليونات الدولارات

بينما تتابع السلطات الصحية العالمية تطورات فيروس هانتا المرتبط بتفشٍ سُجل على متن السفينة السياحية “إم في هونديوس”، عاد إلى الواجهة سؤال قديم يتجدد مع كل أزمة صحية: كم يدفع الاقتصاد العالمي ثمن الأوبئة؟

ففي عالم مترابط اقتصادياً وسريع الحركة، لم تعد الخسائر الناجمة عن الأمراض المعدية تقتصر على القطاع الصحي أو عدد الوفيات، بل باتت تمتد إلى التجارة العالمية، وسلاسل الإمداد، والسياحة، والطيران، وأسواق المال، وسوق العمل، ما يجعل الأوبئة واحدة من أخطر التهديدات الاقتصادية في العصر الحديث.

هانتا… هل يتحول إلى تهديد اقتصادي؟

أثار تفشي فيروس هانتا من سلالة “أنديز” على متن السفينة الهولندية “إم في هونديوس” قلقاً دولياً بعد تسجيل حالات وفاة وإصابات بين الركاب، ما دفع السلطات الصحية إلى إطلاق عمليات مراقبة وتتبع للمخالطين في عشرات الدول. ورغم أن منظمة الصحة العالمية لا تزال تعتبر الخطر على عموم السكان منخفضاً، فإن الحادثة أعادت التذكير بسرعة انتقال الأثر الاقتصادي لأي تفشٍ صحي، حتى عندما يكون محدود النطاق.

فالاقتصاد العالمي لم يعد يقيس المخاطر بعدد الإصابات فقط، بل بمدى تأثيرها على حركة السفر والسياحة والثقة الاستهلاكية والاستثمارات.

فاتورة تتجاوز 14 تريليون دولار

وفق تقديرات المؤسسات المالية الدولية، تجاوزت الخسائر الاقتصادية المباشرة وغير المباشرة الناتجة عن الأوبئة خلال العقود الأخيرة 14 تريليون دولار.

وتبقى جائحة كورونا الحدث الاقتصادي الأكثر كلفة في التاريخ الحديث، بعدما قدّر صندوق النقد الدولي الخسائر التراكمية في الناتج العالمي بنحو 13.8 تريليون دولار بين عامي 2019 و2024.

ويؤكد خبراء الاقتصاد أن هذه الخسائر لم تنتج فقط عن المرض نفسه، بل عن الإغلاقات العامة، وتوقف سلاسل التوريد، وتعطل حركة السفر، وانكماش الاستهلاك والاستثمار، وتراجع الإنتاجية العالمية.

ويقول أحد الباحثين في اقتصاد الصحة إن “كوفيد-19 غيّر النظرة إلى الأوبئة بالكامل. قبل الجائحة كان يُنظر إلى الأمراض المعدية باعتبارها مشكلة صحية، أما اليوم فأصبحت تُعامل كخطر اقتصادي عالمي يوازي الأزمات المالية الكبرى”.

سارس… فيروس صغير وخسائر ضخمة

قبل كورونا بسنوات، شكّل وباء متلازمة الالتهاب التنفسي الحاد الوخيم (سارس) أول إنذار اقتصادي عالمي في القرن الحادي والعشرين.

فخلال عامي 2002 و2003 لم يتجاوز عدد الإصابات عالمياً بضعة آلاف، إلا أن الأثر الاقتصادي كان أكبر بكثير من حجم التفشي الصحي.

وتشير تقديرات البنك الدولي ومؤسسات اقتصادية دولية إلى أن الخسائر الناتجة عن سارس قاربت 40 مليار دولار نتيجة تراجع السفر الدولي والسياحة والنقل الجوي والاستهلاك، خصوصاً في آسيا.

وأظهرت التجربة أن الخوف من المرض قد يكون في بعض الأحيان أكثر كلفة من المرض نفسه.

إيبولا… الاقتصاد يدفع ثمن الذعر

في غرب أفريقيا، لم يقتصر أثر وباء إيبولا بين عامي 2014 و2015 على الدول المتضررة مباشرة.

فوفق تقديرات البنك الدولي، بلغت الخسائر الاقتصادية الإجمالية ما يصل إلى 32.6 مليار دولار نتيجة تراجع الاستثمار وتعطل التجارة وانخفاض الإنتاج الزراعي وهروب رؤوس الأموال.

ويرى خبراء التنمية أن إيبولا كشف كيف يمكن لوباء محصور جغرافياً أن يترك تداعيات اقتصادية عابرة للحدود بسبب المخاوف العالمية وتأثيرها على حركة الأسواق.

ميرس… ضربة للسياحة والاستهلاك

في عام 2015، تسبب تفشي متلازمة الشرق الأوسط التنفسية (ميرس) في كوريا الجنوبية بخسائر اقتصادية قُدرت بين 8.5 و10 مليارات دولار.

ولم يكن السبب ارتفاع عدد الوفيات، بل الانخفاض الحاد في أعداد السياح وتراجع الإنفاق الاستهلاكي وإلغاء الفعاليات التجارية والسياحية.

وتشير دراسات اقتصادية وصحية إلى أن قطاع الخدمات غالباً ما يكون أول المتضررين من الأوبئة بسبب اعتماده المباشر على حركة الأفراد وثقتهم بالأوضاع الصحية.

الإنفلونزا الإسبانية: الكارثة التي سبقت عصر الإحصاءات

أما الإنفلونزا الإسبانية التي اجتاحت العالم بين عامي 1918 و1920، فلا تزال تعد من أكثر الجوائح فتكاً في التاريخ.

ورغم غياب الإحصاءات الاقتصادية الدقيقة في ذلك الوقت، فإن الدراسات الأكاديمية الحديثة تشير إلى أنها تسببت بانخفاض الناتج الاقتصادي في العديد من الدول بنحو 6% وتراجع الاستهلاك بما يقارب 8%.

ويعتبر اقتصاديون أن هذه الجائحة كانت أول دليل تاريخي على الترابط العميق بين الصحة العامة والنمو الاقتصادي.

لماذا تخسر الاقتصادات أكثر مما تسببه الأمراض؟

يؤكد خبراء الاقتصاد أن الخسائر الكبرى لا تنتج عادة من عدد الإصابات فقط، بل من الإجراءات التي ترافق مكافحة انتشار المرض.

فالإغلاقات، وقيود السفر، وتعطل المصانع، وانخفاض الطلب الاستهلاكي، وتراجع الإنتاجية، تؤدي إلى خسائر قد تتجاوز بكثير الكلفة الصحية المباشرة.

ويقول خبير اقتصادي دولي إن “الأوبئة الحديثة تختبر قدرة الاقتصادات على الصمود أكثر مما تختبر الأنظمة الصحية فقط. الاقتصاد العالمي أصبح مترابطاً إلى درجة أن أي اضطراب صحي كبير في منطقة معينة يمكن أن ينعكس على الأسواق في القارات كافة”.

الدرس الذي لم يتغير

من الإنفلونزا الإسبانية إلى سارس وإيبولا وميرس وكوفيد-19، وصولاً إلى المخاوف الحالية المرتبطة بفيروس هانتا، يتكرر الدرس نفسه: الاستثمار في الصحة العامة لم يعد قضية طبية فحسب، بل أصبح جزءاً أساسياً من الأمن الاقتصادي العالمي.

فكل دولار يُنفق على الوقاية والجاهزية الصحية قد يوفر عشرات أو مئات الدولارات من الخسائر الاقتصادية مستقبلاً.

ولهذا السبب، لم تعد الحكومات والمؤسسات الدولية تنظر إلى الأوبئة باعتبارها تهديداً صحياً فقط، بل كأحد أكبر المخاطر الاقتصادية التي قد تواجه العالم خلال العقود المقبلة، خصوصاً في ظل ازدياد حركة السفر والتغيرات البيئية والمناخية وتسارع انتقال الأمراض عبر الحدود.

وبينما يراقب العالم تطورات فيروس هانتا بحذر، تبقى الحقيقة الاقتصادية ثابتة: الفيروسات قد تكون غير مرئية، لكن فاتورتها على الاقتصاد العالمي غالباً ما تكون هائلة وملموسة للجميع.

عبير درويش، كاتبة وصحافية لبنانية متخصّصة في الشؤون الاقتصادية والاجتماعية

عبير درويش، كاتبة وصحافية لبنانية متخصّصة في الشؤون الاقتصادية والاجتماعية، تمتلك خبرة تفوق عشرين عامًا في الإعلام المرئي والمكتوب وإدارة المحتوى الرقمي. عملت مع مؤسسات محلية وعربية بينها East News وBelwasat.com، وأسّست موقع mintandhint.com الاقتصادي. تولّت إدارة حملات التواصل الاجتماعي لمؤسسات فكرية وإنسانية كـمؤسسة الفكر العربي والجمعية اللبنانية لمكافحة السرطان، وقدّمت برامج اقتصادية عبر تلفزيون لبنان وNBN. تجمع في عملها بين الدقة المهنية والحس الإنساني، ما يجعلها صوتًا موضوعيًا في تناول قضايا الاقتصاد والمجتمع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى