ازمة لبنانالاحدث

معضلة السلاح في لبنان: شرعية السلاح بين التحديات الداخلية والتحولات الإقليمية | بقلم أحمد حلواني

منذ توقيع اتفاق الطائف عام 1989، دخل لبنان مرحلة جديدة من تاريخه السياسي، اتسمت بمحاولة طي صفحة الحرب الأهلية وبناء دولة مركزية قائمة على سيادة القانون. غير أن بند “استثناء سلاح المقاومة” شكّل منذ البداية نقطة التباس دستوري وسياسي، ما لبث أن تحوّل إلى محور جدل وطني مستمر حول مستقبل الدولة اللبنانية وسلطتها الحصرية في استخدام القوة.
هذا البند الذي فُهم في سياق اللحظة بوصفه مؤقتًا، استُخدم لاحقًا كأداة تفاوض إقليمي ودولي، ما أدى إلى ترسيخ واقع سلاح خارج المؤسسة العسكرية. فقد تحوّل السلاح الذي وُضع لمواجهة الاحتلال الإسرائيلي إلى عنصر فاعل في المعادلات السياسية الداخلية، لا سيما بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي من الجنوب عام 2000. ومع الوقت، تزايد التساؤل: هل يمكن لمشروع مقاومة أن يظل مشروعًا وطنيًا إذا ما فقد طابعه الجامع واندمج في سياقات داخلية إشكالية؟
لقد نجح الحزب الذي تبنّى هذا السلاح في تكريس شرعية شعبية خلال التسعينيات، حين ارتبط اسمه بالمقاومة ضد الاحتلال، حاصدًا تعاطفًا واسعًا عابرًا للطوائف. غير أن هذه الشرعية بدأت بالتآكل تدريجيًا مع تحوّل السلاح إلى عنصر ضغط داخلي بعد عام 2005، وخصوصًا في ظل تصاعد الاغتيالات والتوترات السياسية، التي ربط كثيرون بينها وبين وجود سلاح غير خاضع للمساءلة.
مع اندلاع الحرب السورية، شهدت وظيفة السلاح تحوّلاً نوعيًا من أداة مواجهة خارجية إلى طرف مباشر في نزاع إقليمي. شارك الحزب عسكريًا في ساحات متعددة خارج لبنان، الأمر الذي أعاد طرح سؤال جوهري: هل تتسق هذه المشاركة مع مفهوم “المقاومة الوطنية”، أم أنها تنطوي على انزلاق نحو دور إقليمي يتجاوز المصلحة اللبنانية؟ بالنسبة للكثير  من اللبنانيين، هذه التحولات مثّلت قطيعة مع الصورة النضالية التي سادت في السابق.
ثم جاءت انتفاضة 17 تشرين 2019 لتضع المعادلة موضع مساءلة صريحة. فالهتافات التي خرجت من مختلف المناطق اللبنانية، بما في ذلك مناطق نفوذ الحزب، لم تكن موجهة ضد جهة بعينها، بل ضد منظومة كاملة شعرت الفئات الاوسع من الشعب أنها تحكم بمعايير غير شفافة، أحد أركانها “سلاح خارج الدولة”. لم تعد المسألة متعلقة بسجال سياسي فحسب، بل باتت مرتبطة بوجدان جماعي يطالب بإعادة الاعتبار لمفهوم الدولة.
التحالف الشيعي بين الحزب وحركة أمل، الذي صمد عبر السنوات، تموضع تدريجيًا كضامن سياسي للسلاح والمصالح السياسية والاقتصادية للنخب في اطار الحزبين، لا بالضرورة كضامن لمصالح الطائفة ككل. ومع تصاعد الأزمات الاقتصادية وتدهور ثقة المجتمع الدولي، بات واضحًا أن السلاح الذي وُصف بأنه حماية لأبناء الطائفة، أصبح في نظر غالبية اللبنانيين والجزء الصامت من الطائفة الشيعية عبئًا استراتيجيًا واقتصاديًا عليهم.
وفي ظل حرب مسيّرات إسرائيلية متواصلة، يتبيّن أن الموازين العسكرية تغيّرت جذريًا. فالتفوق التكنولوجي الإسرائيلي، المدعوم بتقنيات الذكاء الاصطناعي والفضاء، يشير إلى محدودية خيارات الرد التقليدي. وهذا بدوره يطرح على الحزب أسئلة استراتيجية حول جدوى الاستمرار في معادلة عسكرية مكلفة وغير متكافئة.
على المستوى الإقليمي، شهدت علاقات الحزب مع إيران مؤشرات تحول، في ضوء أولويات طهران الداخلية وإعادة رسم تموضعها الإقليمي. لبنان فشل في لعب دور ورقة ضغط محورية كما في السابق، وهو ما يدفع إلى التفكير في مدى استمرارية الدعم الذي كان يُعدّ يومًا مضمونًا.
أما داخليًا، فقد أدى الدور السياسي المستمر للسلاح في تعطيل تشكيل الحكومات أو ترسيم الاستحقاقات الدستورية إلى إضعاف الثقة بالدولة ومؤسساتها، مما انعكس سلبًا على الاستقرار والاستثمار، وفاقم الأزمة الاقتصادية التي يعيشها لبنان منذ سنوات.
ختامًا، تقف الطائفة الشيعية، كما سائر مكوّنات المجتمع اللبناني، أمام لحظة مراجعة عميقة. لم تعد المسألة محصورة في شرعية السلاح، بل في كلفته الوطنية والاجتماعية والاقتصادية. فبين المقاومة كمفهوم جامع، والمشروع السياسي المرتبط بسلاح خارج الدولة، يُطرح السؤال الأكبر: هل يمكن بناء دولة حديثة على قاعدة استثناء دائم من سيادة القانون؟
إن الاتجاه التاريخي يشير إلى أن الدول لا تُبنى في ظل موازين قوى ظرفية ولو استندت الى قوة السلاح، مهما كانت دوافعها أو مشروعها. وعليه، يبقى المخرج الوحيد هو العودة إلى عقد اجتماعي جديد، تُحسم فيه مسألة السلاح لصالح المجتمع، لا ضده.

أحمد حلواني – ناشط سياسي وخبير تنموي

الأستاذ أحمد حلواني هو ناشط سياسي وفاعل مدني يتمتع بخبرة واسعة في مجالات التنمية والإدارة. يحمل دبلومًا في الهندسة الصناعية، وماجستيرًا في الإدارة العامة وإدارة المؤسسات غير الحكومية. ساهم في تأسيس عدد من الجمعيات الوطنية والمبادرات الاقتصادية، ويُعرف بدوره البارز في دعم المشاريع التنموية المحلية. أسّس "الوكالة اللبنانية للمعارض والمهرجانات الدولية"، وله دور محوري في الترويج للبنان كوجهة ثقافية وسياحية واستثمارية من خلال تنظيم فعاليات كبرى ذات بعد اقتصادي وتنموي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى