يمكن تلخيص زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى مصر في ثلاثة عناوين رئيسية: المصير المشترك، والتعاون المربح للجانبين، والتعلم المتبادل بين الحضارات. وخلال الزيارة، أصدر الجانبان الصيني والمصري بيانا مشتركا أكدا فيه عزمهما على مواصلة تعميق الشراكة الاستراتيجية الشاملة، والتطلع إلى الدفع المشترك نحو بناء مجتمع صيني مصري ذي مستقبل مشترك. ومن بين النتائج اللافتة للزيارة، برز تعزيز المواءمة بين الاستراتيجيات التنموية ودفع توطين الصناعات بوصفهما أحد الاتجاهات المهمة للتعاون الاقتصادي والتجاري بين البلدين في المرحلة المقبلة. فلم يكتف الرئيسان بالإشادة بالنتائج المثمرة التي حققها التعاون الثنائي في مجالات البنية التحتية والنقل والطاقة والتصنيع والفضاء والعلوم والتكنولوجيا، بل أكدا أيضا دعمهما لتعاون شركات البلدين في توطين مشروعات الطاقة المتجددة والسيارات الكهربائية والذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، إلى جانب تعزيز تبادل الخبرات والتكنولوجيا. ويعني ذلك أن التعاون الاقتصادي والتجاري بين الصين ومصر يتجه، انطلاقا من قاعدة راسخة من التجارة والاستثمار والمشروعات الكبرى، نحو مستوى أعمق من التعاون بين سلاسل الصناعة وبناء القدرات الإنتاجية المحلية.
ويعكس هذا التحول تنامي درجة التوافق بين الاستراتيجيات التنموية للبلدين. فمبادرة «الحزام والطريق» ورؤية مصر 2030 تضعان التنمية والتحديث وتحسين حياة الشعوب في صدارة الأولويات. وبينما تعمل مصر على توسيع قاعدتها الصناعية، ودفع توطين الصناعات، وتعزيز قدرتها التصديرية، تمتلك الصين منظومة صناعية متكاملة، وسلاسل إنتاج وتوريد ناضجة، إلى جانب قدرات متنامية في الصناعات الخضراء والرقمية والتكنولوجيات المتقدمة. وبعد سنوات من التطور، لم يعد التعاون الاقتصادي والتجاري بين الصين ومصر يقتصر على تجارة السلع ومشروعات البنية التحتية، بل امتد تدريجيا إلى الاستثمار الصناعي والابتكار العلمي والتكنولوجي وبناء شبكات الإنتاج. كما أن احتفاظ الصين بمكانتها كأكبر شريك تجاري لمصر لسنوات متتالية، وما تراكم بين البلدين من روابط اقتصادية وتجارية وقاعدة تعاون راسخة، وفّرا ظروفا أكثر نضجا لدفع التنسيق بين سلاسل الصناعة والإنتاج المحلي. ومن ثم، فإن تعميق المواءمة بين استراتيجيات التنمية في البلدين لا يهدف فقط إلى زيادة عدد المشروعات الكبرى أو توسيع حجم الاستثمارات، وإنما إلى الجمع بصورة أوثق بين المزايا الصناعية والتكنولوجية والسوقية للصين من جهة، واحتياجات مصر إلى التصنيع وما تتمتع به من موارد وموقع جغرافي متميز من جهة أخرى. وكما أكد البيان المشترك، سيعمل الجانبان على تعميق المواءمة بين مبادرة «الحزام والطريق» ورؤية مصر 2030، بما يدعم سعي مصر إلى أن تصبح مركزا إقليميا للصناعة والخدمات اللوجستية والطاقة النظيفة والاقتصاد الرقمي يربط بين آسيا وأفريقيا وأوروبا.
وقد بدأت هذه المواءمة الاستراتيجية تتجسد بالفعل في مجالات صناعية محددة. فقد اتفق الجانبان على تشجيع الشركات الصينية على الاستفادة من المزايا التنافسية التي تتمتع بها مصر، واستكشاف فرص توطين الصناعات في مجالات السيارات الكهربائية وبناء السفن والطاقة الشمسية وطاقة الرياح وتحلية مياه البحر، إلى جانب توسيع التعاون في مجالات التكنولوجيا المتقدمة، مثل الحوسبة السحابية ومراكز البيانات والاقتصاد الرقمي وأشباه الموصلات والأمن السيبراني وتطبيقات الفضاء. وتمتلك الصين في هذه المجالات سلاسل صناعية متكاملة نسبيا، وخبرات واسعة في الإنتاج، وقدرات تكنولوجية متقدمة، في حين تتمتع مصر بسوق محلية كبيرة، وموارد واعدة من الطاقة المتجددة، فضلا عن موقع جغرافي يربط العالم العربي بأفريقيا وأوروبا. كما أن الاستفادة من منطقة التعاون الاقتصادي والتجاري بالسويس، وما توفره قناة السويس من مزايا لوجستية، تجعل الإنتاج المحلي للشركات الصينية في مصر يتجاوز تلبية احتياجات السوق المصرية، ويفتح المجال أمام الوصول إلى الأسواق العربية والأفريقية وحتى الأوروبية. وبالنسبة إلى الشركات الصينية، لا تعني هذه الميزة الجغرافية مجرد تيسير النقل والخدمات اللوجستية، بل تتيح أيضا الاستفادة من شبكة الروابط التجارية التي تصل مصر بأسواق إقليمية متعددة، وتحويل القدرات الإنتاجية التي يتم بناؤها داخل مصر إلى قدرة تصديرية موجهة نحو أسواق ثالثة. أما بالنسبة إلى مصر، فإن هذا النوع من التعاون يمكن أن يعزز ارتباط قطاعها الصناعي بالأسواق الإقليمية والدولية، بحيث لا يخدم توطين الصناعات الطلب المحلي فحسب، بل يصبح أيضا رافعة لزيادة الصادرات وتعزيز القدرة التنافسية للصناعة المصرية. والأهم أن البيان المشترك لم يركز على المشروعات الصناعية وحدها، بل شدد كذلك على تنمية الموارد البشرية وتبادل الخبرات والتكنولوجيا، بما يعكس اهتمام الجانبين ليس فقط بمكان الإنتاج، وإنما بكيفية تحويل التعاون الصناعي إلى قدرات محلية في التكنولوجيا والكوادر والتنمية.
ومن هنا، فإن ما يستحق الاهتمام في المرحلة المقبلة من التعاون الصناعي بين الصين ومصر لا يقتصر على عدد المشروعات الجديدة أو حجم الاستثمارات التي يمكن جذبها، بل يتعلق أيضا بما يمكن لهذه الاستثمارات أن تتركه داخل مصر، وما يمكن أن تقدمه للشعب المصري. فتوطين الصناعات عالي الجودة لا يعني مجرد إقامة المصانع وخطوط الإنتاج على الأراضي المصرية، بل ينبغي أن يسهم كذلك في تطوير سلاسل الصناعة المحلية، وإعداد المزيد من الفنيين والمهندسين والكوادر الإدارية، وتعزيز القدرة التنافسية للمنتجات «المصنوعة في مصر» في الأسواق الدولية. وبالنسبة إلى الشركات الصينية، يعني ذلك الانتقال من مجرد «دخول السوق المصرية» إلى «ترسيخ وجودها والمشاركة في التنمية داخل مصر». وفقط عندما تتحول الاستثمارات بالفعل إلى قدرات صناعية محلية وإلى ثمار تنموية يلمسها المواطنون، يصبح التعاون المربح للجانبين قائمًا على أساس أكثر رسوخًا واستدامة.




